Skip to main content

بين السيرقوني والسيكلما.. من يختبئ خلف إصبعه؟

 |  د.عروب المصري  |  ثقافة

في معرض لفنان تشكيلي شاب هذا الأسبوع، كانت الأشكال والشخوص مباشرة كصرخة؛ لا تجريد يؤجل المعنى، ولا رمز يحتاج مفتاحاً لفكّه. شكا لي أن فنانين مخضرمين يتهامسون: «مباشر جداً، ساذج، يفتقر لعمق المدارس». قلت له، وأنا أنظر إلى اللوحة نفسها: ربما تكون هذه سمة المرحلة القادمة لا نقيضتها.

يكتب د. محمد المعوش عن «مرحلة كاشفة» تُظهر جوهر التناقضات «للعين العادية» دون وسيط نظري معقّد، فالواقع نفسه، حين يبلغ حدوده التاريخية، لم يعد بحاجة لمن يفسّره. فإذا كان الوعي السياسي قد بلغ هذا الإدراك، فلماذا يتأخر الفن؟ لماذا يستمر الاختباء خلف تجريد أو رمزية شديدة الغموض، بينما الحقيقة نفسها صارت مكشوفة لمن يريد أن يراها؟ الاختباء خلف مدرسة فنية اليوم أقرب لمن يختبئ خلف إصبعه.

لا أدري ما هو تقاطع هذا مع ما يقوله المتصوفة اليوم عندما يتحدثون عن «زمن كشفٍ لا حجاب فيه».
لم يكن أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام أول من قال الحقيقة، لكنهما أول من قالاها بلغة الناس أنفسهم: عامية مصرية صريحة بدل فصحى مهذّبة تحتمي بالمجاز. اتهمهما أدباء زمانهما بالابتذال والسذاجة، تماماً كما يُتهم الفنان الشاب اليوم بالمباشرة. لكن نجم وإمام لم يهادنا، ودفعا ثمن موقفهما السجن مراراً، ليثبتا أن الفن الذي يصل إلى الناس مباشرة قد يكون أصعب وأشجع من الفن الذي يحتمي خلف الغموض.

إن المباشرة والوضوح لا تعني بأي شكل من الأشكال نقصاً في الحرفية والإبداع الفني والأدبي بل تستلزمه في أعلى صوره، فتكامل الشكل والمضمون هو ما يرفع الفن والأدب إلى أعلى عتباته الإنسانية.

رغم الحذر واجب: أن تتحول المباشرة نفسها إلى حكم جاهز يُدين كل تعقيد فني بتهمة الهروب فيصبح أصولية جديدة، لا أقل جموداً من التي نرفضها. فالغموض حين يكون حِرفة تُغني المعنى غير الغموض حين يكون قناعاً يُخفيه. فمن يملك الشجاعة للسؤال: هل أختبئ، أم أرى فعلاً ولا أجرؤ على القول؟