بين السيرقوني والسيكلما.. من يكتب فصول الرواية؟
على مقعد مدرسة التجهيز الأولى يقرأ هاشم بصوت خافت جملة كتبها راهب فرنسي عن بلادنا التي لم تعرف يوماً وحدة حقيقية برأيه. يصمت المعلم، لكن نظرته تشي بغضب مكتوم؛ يبحث عن رواية أقرب إلى الواقع. واليوم، على شاشة هاتف، تتصفح نور في أحد التطبيقات روايتين متعاكستين لأحداث الغضب الشعبي مساء الثالث عشر من أيلول الجاري. كل رواية ترى الحدث بعين منحازة. لا معلم هنا ليصمت أو يعترض، بل خوارزمية تقرر أي الروايتين تظهر.
بين المشهدين قرن كامل، والسؤال نفسه معلّق: من يملك حق الرواية؟
في زمن هاشم كانت الشرعية تُمنح بختم مدرسة ووزارة انتداب. اليوم توزّعها خوارزمية تقودها برمجيات من يضعها. فهل تعبر هذه الرواية عن مطامح السوريين وأحلامهم بأنفسهم.
المسألة ليست من يكذب ومن يصدق فقط، بل من يملك المدرسة والمطبعة والأرشيف والمنصة. من يقرر ما يُحفظ وما يُنسى، وما يصل إلى العين قبل غيره. ليست السردية مرآة محايدة، بل علاقة قوى؛ ولهذا تُطمس أصوات الناس العاديين، لا لأنهم لم يعيشوا الحدث، بل لأنهم قلّما ملكوا وسيلة ترويه.
الراهب الذي كتب جملة هاشم اسمه هنري لامنس، وكتابه «تاريخ سورية» كان كتاب المدرسة شبه الرسمي زمن الانتداب: بلاد قسّمتها الجغرافيا والطوائف أزلاً، لا تعرف وحدة إلا بيد خارجية «تُحضّرها» حسب زعمه. أما الرواية التي بحث عنها المعلم فكتبها لاحقاً محمد كرد علي في «خطط الشام»: سورية واحدة بتاريخها وحضارتها، لا شظايا تنتظر راعياً. الخلاف لم يبقَ حبراً على ورق: بلغ قاعات البرلمان عام ١٩٣٦ حين رفض النواب مناهج فرنسية مقترحة، وبلغ ذروته بعد الاستقلال حين أعيدت صياغة المنهج المدرسي ليكتب هوية بدل أن يرثها.
فإذا كانت الرواية التاريخية السائدة هي «موكب انتصارات» يسير فيه الحكام الحاليون فوق أجساد المهزومين، فلم يخبرنا لامنس ولا كرد علي من كسب المعركة، فالتاريخ نفسه لم يحسمها بعد. اليوم أيضاً لا حسم، لكن رواية اليوم المتقدّمة ليست بريئة، وليست قريبة من حلم سوري واحد.
من يكتب التاريخ ليس من يملك القوة القمعية فقط، بل من ينجح في جعل روايته تبدو «حساً مشتركاً» لا يقبل الجدال، عبر المؤسسات المدنية التي تجعل الغالبية تقبل برواية المنتصرين طوعاً وكأنها روايتها هي. فمن يكتب الفصل القادم؟ ربما من الأفضل أن نبدأ كتابته بأنفسنا، حتى يجد من يرثه شهادات حية لمن عاش هذه المرحلة، فالكتابة عن التاريخ فعل سياسي بامتياز.