نقابات وعمّال (5623)
بصراحة .. تحالف الحصارات على لقمة الفقراء
Written by محمد عادل اللحامالحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية منذ بدء الأزمة لها نصيب مهم في تضييق الخناق على شعبنا، من حيث تَوفُّر المواد الأساسية التي يحتاجها في غذائه اليومي، ودوائه ليعالج أمراضه المختلفة، وحاجاته الأخرى من كهرباء ومشتقات نفطية، ومواد أولية لتقلع عجلة إنتاج المعامل والمشاغل الحرفية. وما كان هذا ليحدث لولا السياسات الانفتاحية مع الغرب للسلطة السابقة، ممّا أدى إلى ربط الاقتصاد السوري برمّته «تقريباً» مع هذه الأسواق، الأمر الذي جعل الاقتصاد الوطني يتأثر تأثراً خطيراً بالحصار الجائر الذي ما زال مفروضاً، وبالتالي انعكاسه المباشر على قدرة الفقراء على تأمين الحاجات الضرورية لهم؛ من غاز ومازوت وغيرها من الحاجات الأخرى، التي أصبح تأمينها يشكّل عبئاً مضافاً إلى الأعباء الأخرى التي يعاني منها شعبنا، وخاصةً الفقراء، وهم المكتوون بنار الأسعار المتحكَّم بها من كبار الفاسدين والمحتكرين المسيطرين على الأسواق ومخازن البضائع، وهذا الفعل الشائن يصبُّ في طاحونة الحصار ويكمله، من حيث النتائج المراد الحصول عليها.
شهد الأسبوع الماضي مجموعة كبيرة من الاحتجاجات العمّالية في عدة محافظات رفضاً للقرارات التعسفية التي صدرت مؤخراً عن الحكومة المؤقتة، معبّرين عن جوهر واحد مشترك بأنّ لقمة العيش خط أحمر، مع اختلاف شكل هذا الاحتجاج سواء من حيث الشعارات أو القطاعات وحتى الأعداد. فبعضها حاشد وكبير كما حصل باحتجاج صحة طرطوس والمعلمين في اللاذقية وعمّال السويداء، أو وقفات رمزية لا تلبث أن تحتشد وتتجمع، كما حصل في احتجاجات دمشق لموظفي العقاري، وموظفي الإعلام والجمارك، وكذلك في حلب باحتجاجات مجلس حلب، وعمال الكهرباء، وغيرها الكثير التي ضجّت بهم صفحات التواصل الاجتماعي كثيراً.
ربّما لا يخالفنا أحدٌ الرأيَ أنّ النقابات خلال حياة السلطة الفارَّة كانت عاجزةً عن إنجاز أيٍّ من المهام اليوميّة أو الاستراتيجية، في ظل التردّي المزري للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، نتيجة السياسات الليبرالية التي انتهجتها السلطة الفارّة بشكلٍ واضح وصريح، وأنتجت المزيد من قوى النهب والفساد من بداية هذا القرن. وهذا العجز لم يكن وليد هذه المرحلة الاقتصادية والسياسية فحسب، بل هي مَسيرةٌ من التراجعات الطّويلة السابقة منذ سبعينيّات القرن الماضي، حتى أصبحت أصناماً يُقدَّمُ لها الطاعةُ والولاء، حتى صار رفع الصوت أو الغمز باتجاه السلطة التنفيذية قد يجلب المُساءلة في أحسن الأحوال.
يُخرِجُ أبو عمر من جيب بنطاله «الأثري» بضعة آلاف من الليرات ويدسُّها بيد زوجته طالباً منها الدّعاء له، فتنهمر عشرات الدعوات من قلب محروقٍ مليء بالعزيمة والحماس – «الله يعوض عليك، الله ينصركم ويحميكم ويرد الظلم عنكم، ولا تنسى تجيب الخبزات من الفرن معك أنت وراجع!». أطبقَ بابَ البيت وراءه بعزم وحماس، ونزل بهمة على درجات البناء حاملاً ملفوفات من الكرتون ليصل إلى الشارع ويركب «ميكرو باص» ينقله إلى العاصمة، كونه يسكن في مدينة قطنا بريف دمشق التي تبعد عن عنها 20 كم. أخذ أبو عمر يحدِّثُ نفسَه طوال الطريق إلى ساحة يوسف العظمة عند مبنى المحافظة «ما بحكّ جلدك إلّا ضفرك، لازم يعرفوا أنو نحنا ما منسكت عن حقنا، وأنو لحمنا مرّ كتير، شو بدهم فينا تَرَكوا كلّ هالحرميّة ولحقونا على لقمتنا، أنا بفرجيهم، إنْ شالله ما يتأخّروا الشباب، ضروري يجي الكل ونكون كتار». يصعد زميلُه إلى الميكرو عند مفرق معضّمية الشام، ويلقي التحية عليه ويسأله وقد بدا على وجهه القلق والتردّد: «كيف الهمة اليوم؟»، فيجيبه بثقة وتفاخر: «عال العال، ما في أحسن من هيك، وإنْ شالله ما نتأخر عالاعتصام».
ظاهرة تراجيدية طريفة ومؤلمة بدأت تنتشر في مديريات ومعامل القطاع العام -مؤسسة التجارة الخارجية ومعمل دهانات أمية مثلاً- الملخَّصة بمقولة «دبّروا حالكم» مع وقف صرفيّات المحروقات الخاصة بوسائل نقل العمال سواء كانت بنزين أو ديزل،
بصراحة .. العمّال يتحرّكون من أجل حقوقهم ومعيشتهم
Written by محمد عادل اللحاميَعرِفُ مَن يصنعون ويطبّقون السياسات المضرّة بمصالح وحقوق شعبنا -وكذلك العمّال في بلدنا- أنَّ العدوَّ الحقيقي لسياساتهم المضرّة، والقوة الأكثر قدرة على الوقوف في وجههم وفضح برامجهم، إنْ أتيحتْ لها الفرصة وتوفَّر لها المناخ المناسب، هي الطبقة العاملة.
شاركت قاسيون بأحد اجتماعات النقابيِّين المجتمعِين لغرض البحث والنقاش في مستجدّات الوضع العمّالي الخاص بالتجمّعات العمّالية المرتبطة بهم. وبرز خلال الاجتماع مداخلةٌ لأحدِ النقابيِّين الذي وضَّح بأنَّ هناك أحداثاً متسارعة وشديدة المظلوميّة تَحدُثُ في القطّاع الخاصّ، لا ينتبه لها الكثيرون بشكل عام، والمنظمة النقابية بشكل خاص، كون ملف العمّال المسرَّحين والموقوفين عن العمل بالقطاع العام يأخذُ جُلَّ اهتمام الفضاء العمّالي النّقابي.
«لا تطوي جناحك على الجوع» واحدٌ من أبرز الشعارات الثورية التي ظهرت مؤخَّراً، أو ظهر ما يشبهه، في معظم ساحات الاحتجاج العمّالي ضدّ القرارات التعسفية التي صدرت مؤخَّراً عن الحكومة المؤقتة. وجوهر الشعار ثوريٌّ بامتياز لأنّه يحرّض على رفض الجوع وما يترتّب عليه من تداعيات عامّة أخرى في جميع جوانب الحياة الاجتماعية، ويقول بأنّ لقمة العيش تستحقّ الاحتجاج والصراخ والثورة أيضاً.
More...
ما الذي بقي لموظف القطاع العام وعامله ليدافع عنه غير مكان عمله والأجر الشحيح الذي يقتات منه؟ لماذا يتقاوى المسؤولون عليه وكأنه المسؤول عن انهيار الاقتصاد وشح الخزينة وضياع المال؟ كيف استطاعوا أن يطلقوا رصاصة الرحمة على روحه المختزِنة لآلاف العذابات والقهر والعوز والفقر؟ لماذا تمَّ تجريدُه من أحقّيته بالامتنان لكلِّ ما قدَّمَه في سبيل الحفاظ على منشآت الدولة والشعب؟ أليس هو مَن بذلَ سنواتٍ وسنوات من عمره المليئة بالجهد والعرق مقابل ليرات «لا تسمن ولا تغني من جوع»؟ أليس من المفترض إكرامُه وتعويضه عن كلّ ما ألمَّ به وعاناه؟ أليس قطع الأرزاق كقطع الأعناق بل أشدّ قسوة؟
إنّ الأجور هي أكثر القضايا التي يجري التداول بشأنها في مواقع العمل، وفي الشارع، وفي الجلسات الخاصة والعامة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وبين جميع العاملين بأجر. فالأجور بالنسبة لهؤلاء قضية حياتية مرتبطة إلى أبعد حد بمعيشة العمّال وعائلاتهم، لتأمين حاجاتهم الضرورية، التي تمكنهم من تجديد قوة عملهم المنهكة إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، خاصةً بعد الإعلان المتكرّر من قبل حكومة تصريف الأعمال عن عزمِها زيادةَ الأجور للموظَّفين والعمّال القائمين بأعمالهم فعلاً، كما ستصنفهم ضمن المخصَّصين بزيادة 400% من الأجر، وهذه الخطوة المنوي العمل عليها ستقتَرِنُ بإخراج ما يقارب 300 ألف عامل وموظَّف، كما جرى التصريح بذلك، للانضمام إلى جيش العاطلين عن العمل، الذي هو أصلاً مليءٌ بالعاطلين، وتشهد على ذلك الشوارع المكتظّة بالبسطات وغيرها من أعمال البيع الأخرى.
اعتصام نقابات السويداء... كيف التحمَ التنظيم النقابي مع العمّال؟
فرح عمارسيشهد الاعتصام العمالي والشعبي المقرَّر يوم الأحد 12/1 ظاهرةً لطالما غابت عن المشهد المجتمعي والنقابي، كون النقابات وقياداتها سيكونان يداً بيد مع العمال المعتصمين في الشارع. حيث جرت العادة لعقود طويلة أن يكون العمال ومصالحهم في وادٍ والنقابات وقياداتها في وادٍ آخر، وفي أحسن الأحوال تبنّي النقابات النأيَ بالنفس والخوفَ على رضا السلطة الممسكة بـ«خوانيق» الجميع. فما الذي حصل وكيف ردمت الهوة الكبيرة بين العمال وتنظيمهم النقابي؟ وما نتائجُ ذلك على المدى المنظور والبعيد؟ لكي نجيب عن هذه الأسئلة تواصلت «قاسيون» مع عدّة مصادر عمّالية ونقابية من داخل التحرّك العمالي واستخلصت القصّة من ألفها إلى يائها.
لطالما كان العمال العائق الأكبر خلال العقود الماضية أمام المحاولات المستمرة للإجهاز على القطاع العام من قبل عرَّابي الخَصخصة والتشاركية، أعوان صندوق النقد الدولي وأتباعه الأوفياء. فالعمّال بحرصهم الشديد على القطاع العام المدعوم بمواقف الأغلبية الساحقة من الشعب السوري يعون تماماً خطورة النتائج المترتبة على وضع الاقتصاد ورقاب العباد تحت سكين رأس المال المتعطّش للربح الفاحش ولا شيء سواه، والمرتبط مشيميّاً بماكينات النهب الغربي. ولم تنجح كل محاولات وضع «كريمة البندق» على السُّم في تغيير خاصيّته وتأثيره القاتل.













