نقابات وعمّال (5624)
بصراحة .. الطبقة العاملة تصنع تجربتها الآن
Written by محمد عادل اللحاميَعرِفُ مَن يصنعون ويطبّقون السياسات المضرّة بمصالح وحقوق شعبنا، وكذلك العمال في بلدنا، أنَّ العدوَّ الحقيقي لسياساتهم، والقوة الأكثر قدرة على الوقوف في وجههم وفضح برامجهم، ولجم سياساتهم إنْ أتيحت لها الفرصة، وتوفَّر لها المناخُ المناسب - هي الطبقة العاملة. لذلك يبذل هؤلاء كل ما بوسعهم في سبيل عدم امتلاكها لناصية القرار المطلوب، وإبقائها في حالة عجز غير قادرة على القيام بأيّ فعل حاسم للدفاع عن نفسها وحقوقها.
خرجت ريم في أحد احتجاجات العمّال التي كثرت هذه الأيام، احتجاجاً على قرارات حكومة تصريف الأعمال الجائرة بحقهم، مطالبين ومطالبات بإلغاء كل تلك القرارات التي أصبحت بالنسبة للغالبية منهم القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد كل المعاناة والظلم الذي تعرضوا له أيام السلطة الساقطة. ورغم قلة الأعداد التي نراها بالاعتصامات والاحتجاجات وعدم التجاوب معها، إلا أنها مستمرة باستمرار مظلوميتهم وأوجاعهم وانقطاع أرزاقهم وقوت أولادهم، معتبرين أنفسهم بأنهم خُذلوا شَرَّ خِذلان وتلقّوا ما لا يستحقونه، فكما قال أحدهم: لم يذهب طعم المرّ من فمي حتى سُقينا المرَّ من جديد.
إن التحولات والمتغيرات التي مرّت بها البلاد في أواخر العام المنصرم وبداية هذا العام، بسقوط السلطة السابقة غير المأسوف عليها، قد وضعت الطبقة العاملة، والعمل النقابي أمام تحديات كبرى يتعرض لها العاملون بأجر، وخاصة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وبالأخص منها المعيشيّة والمتعلقة بالحفاظ على مكان العمل؛ من تسريحٍ عشوائي للعاملين، أو إعطائهم إجازات مفتوحة تبدأ بثلاثة أشهر، وغير المعروفة نتائجها المستقبلية، تقوم بها السلطة المؤقتة. ممّا انعكس على ظروف العمال والعمل، ومعنويات العمال أيضاً. لذلك يحتاج العمال لإعادة تجديد وإحياء العمل النقابي بكل ما يعني هذا التجديد والإحياء من معنى وبالسرعة القصوى. الأمر الذي يستدعي من طليعة الطبقة العاملة صياغة استراتيجيات لهذا العمل النقابي، ووضع برنامج ينسجم مع الواقع، لخدمة العمال وتحقيق تطلعاتهم في العمل اللائق والحياة الكريمة لهم ولأسرهم.
انتشر يوم السبت على وسائل التواصل الاجتماعي منشور خاص بالمذكرة التي أرسلها المكتب التنفيذي المؤقت لرئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 9 شباط. ورغم تأخر الإعلان عنها لأسباب لسنا بصددها الآن فإنها تركت انطباعاً كبيراً عند العمال والموظفين الذين طالتهم القرارات الحكومية، أو الحذرين المترقبين الذين ما زالوا خارجها حتى الآن. والملفت في المذكرة ليس محتواها فقط، بل تاريخ الإعلان عنها، إذْ إنّه ترافق مع تصاعد الاحتجاجات العمّالية التي لم تتوقّف، والتي لا يبدو أنّها ستتوقف، كون أسباب نشوئها ما زالت قائمة. وبدأنا نرى بأنها تتصاعد ببطء، لكن بتنظيمٍ أعلى، ربّما هو الأوّل من نوعه منذ عقود ولَّتْ. وبالعودة لتوقيت الإعلان عن مذكّرة الاتحاد، فإنّنا نراه ضربةَ مُعلِّم (إجا بوقتو)، لأنّه حمّل مؤشراً على تقاربٍ طالَ انتظاره بين مطالب العمال والمنظمة العمّالية، هذا أولاً، وأمّا ثانياً؛ فقد أعطى انطباعاً أوّلياً برغبة النقابات في الانخراط بالمواجهة القائمة بين العمال والقرارات الحكومية، دون نأيٍ بالنّفس أو لعبِ دور الكومبارس. وكل ما ترجوه الطبقة العاملة اليوم أنْ تكون لهذه الإشارات المتتالية والبوادر الإيجابية تتمّة جدّية وخطوات لاحقة تليق بحجم المنظمة الكمّي والنّوعي ودورها بانتزاع حقوق الطبقة العاملة.
بصراحة .. الطبقة العاملة السورية أمام مخاض صعب ولكنها ستتجاوزه
Written by محمد عادل اللحامكثيراً ما كتبنا في جريدة قاسيون عن أوضاع الطبقة العاملة من حيث أجورها المتدنيّة جدّاً، وكثيراً ما كتبنا عن مجمل حقوقها المسلوبة بقوة الهيمنة وقوة القمع وقوة القوانين التي فُصِّلَتْ على مقاس قوى النهب لمنتوج عملها، والآن نرصد تحركاتها المختلفة بعد قرارات الفصل وإغلاق العديد من معامل القطاع العام وإرسال عمالها إلى الشارع لينضموا إلى جيش العاطلين عن العمل المتزايد عددهم مع تزايد تلك القرارات الجائرة بحقهم وحق معاملهم.
ما زالت تداعيات القرارات الصادرة بحق العاملين في القطاع العام، التي قامت بها حكومة تصريف الأعمال، مستمرة وتتصاعد يوماً بعد يوم، سواء داخل المؤسسات والمديريات والمعامل أو عبر الاحتجاجات الرمزية التي تخرج بشكل شبه يومي. وتبرز من جملة هذه التحرّكات نشاطٌ إلكتروني غزير عجّت به صفحات التواصل الاجتماعي بشكل عام، والفيسبوك بشكل خاص، على شكل منشورات وتعليقات وردود، تتحدّث عن مواقف أصحابها من إجراءات التسريح التعسفي لفئة من العمال، أو إنهاء عقودهم السنوية، أو إعطاء إجازات قسرية غير مفهومة لمدة زمنية تراوحت بين 15 يوم وثلاثة أشهر، وغيرها من الإجراءات الأخرى التي تشترك بكونها إجراءاتٍ غير قانونية، وغير مرتكزة على أسس ومعايير واضحة، أو أيّ ضوابط تحمي العمّال، وتحافظ على حقوقهم، وسنحاول في هذه المادة استعراض عيّنات من التعليقات الفيسبوكية العمّالية، التي يحاول من خلالها العمّال إيصال صوتهم ومعاناتهم للجهات المعنية للتوقّف عن محاربة العمّال بلقمة عيشهم، والتراجع عن كل القرارات الجائرة بحقّهم.
تعتبر البطالة آفة اجتماعية اقتصادية نشأت مع النظام الرأسمالي، بينما لم تكن هذه الآفة موجودة كما نعرفها اليوم في المجتمعات واقتصاديات ما قبل الرأسمالية. فالبطالة تعني عدم حصول الفرد على فرصة عمل، وذلك بالرغم من توفر قدرته على العمل والبحث المستمر عنه، وتنتج هذه الآفة عند اختلال التوازن في سوق العمل بين طالبي العمل وفرص العمل المتاحة في هذا السوق. وهي تنتشر بشكل أساسي بين فئات الشباب القادرين على العمل، وتعد البطالة من الآفات الكبرى والرئيسية التي تؤثر بشكلٍ سلبي على المجتمع.
عندما يتم الحديث عن البطالة ويجري ربطها بالاستثمارات الداخلية والخارجية، فإنّ أوّل ما يقفز لتفكيرنا اليوم ليس صحة هذا الربط ودور الاستثمارات القادمة بتشغيل أعداد هائلة من العمالة المعطَّلة قسرياً فحسب، بل ونوع هذه الاستثمارات والقطاعات. هذا أولاً، وأمّا ثانياً؛ فما هي ضمانات حقوق هؤلاء العمال بوظائفهم الجديدة وعلى رأسها قيمة الأجور؟ فحالة البطالة التي تفاقمت في المجتمع أضعفت ملايين الأيدي العاملة، ويخشى أن يتم استغلال هذا الضعف لتبخيس أجورهم وهضم حقوقهم قبل أن يشتغلوا أصلاً، فرأس المال لن يرحمهم وسيكون حريصاً على تشغيلهم بأقلّ الكلف في حال تمكَّنَ من ذلك، فكلُّ ما يهمّه بالأمس والغد مقدارُ الأرباح التي سيجنيها، وهذا أساساً ما سيجعله يستثمر وينتفع أو ينكفئ ويمتنع، ولطالما سمعنا من هنا أو هناك بأنَّ ميزة «العمالة الرخيصة» توضع بأعلى قائمة المغريات الجالبة للاستثمار الخارجي، ليكون حال لسان المسؤولين «تفضلوا أيها المستثمرون اليد العاملة عندنا رخيصة».
More...
لعبت القرارات الصادرة في عهد الوحدة السورية المصرية المتعلِّقة بالحركة النقابية والطبقة العاملة دوراً مهمّاً في احتواء الحركة، ومصادرة دورِها المستقل، وتجريدها من عناصر القوة التي اكتسبتها الحركة في مجرى نضالها السياسي الوطني والطبقي، في مواجهة القوى الطبقية الأخرى المعبرة سياسياً عن مصالح الطبقة المهيمنة اقتصادياً.
الصراع كان واضحاً إلى حدٍّ ما بين قوة العمل الفتيّة وقوّة رأس المال الفتيّة أيضاً، استخدمت فيه الحركة النقابية والطبقة العاملة كلَّ الأسلحة السِّلمية المشروعة، من أجل انتزاع حقوقها السياسية والاقتصادية، التي عملت قوة رأس المال على حرمان العمال منها بقوة القانون أحياناً، وبقوة القمع أحياناً أخرى، ولكن هذا الصراع أكّد جملة من القضايا الهامّة التي مكّنت الحركة النقابية والعمّالية من انتزاع العديد من المطالب والحقوق وهي:
- أنّ قوتها في وحدتها التنظيمية.
- استقلالية قرارها التام عن الأحزاب والهيمنة المفروضة.
- وضوح مطالبها، ومواقفها الوطنية العامة والخاصة.
- تبنّيها وممارستها لحقّها الشرعي بالإضراب والاعتصام والتظاهر السلمي.
هذه القضايا مجتمعة جعلتها قوة أساسية في حياة البلاد السياسية والاقتصادية، مما يعني شدَّ الانتباه نحوها بضرورة احتوائها من قبل القوى البرجوازية السياسية منها والاقتصادية، ولكن تلك القوى فشلت إلى حدٍّ ما في عملية الاحتواء، كون الحركة النقابية موحَّدة المواقف والأفعال، وهذا الأمر كان مهمّاً لكي تنتزع الحركة النقابية والطبقة العاملة استقلاليّة قرارها وموقفها.
اليوم وكأنَّ التاريخ يعيد نفسَه، مع اختلاف الظروف السياسية وموازين القوى بين السابق واليوم، من حيث محاولة الهيمنة على الحركة النقابية، وهي بأسوأ حالاتها التنظيمية لما فعله النظام السابق لعقود من الزمن بواقع الحركة تنظيمياً، وبدورها المفترض؛ حيث جرى حالياً تنصيب رئيسٍ للاتحاد العام بقوّة الأمر الواقع وخارج قانون التنظيم النقابي، الذي ينصُّ في مواده على وجوب إجراء انتخابات من القاعدة إلى القمّة، وهذا ما لَم يحدث، وهو يتعارض مع قوانين العمل الدولية، ومبادئ الحريات الديمقراطية النقابية، رغم محاولة «رئيس الاتحاد الجديد» مخاطبة المنظمات الدولية النقابية من خلال رسالة موجَّهة إليهم مؤكّداً على التزام النقابات في سورية بالمواثيق الدولية وبالعلاقات معها.
إنَّ أحدَ أسباب ضعف المواجهة مع قرارات الهيمنة، وقرارات التسريح التعسفي للعمّال، كان وما زال احتواء الحركة النقابية، وإخراجها من دائرة الفعل المقاوِم للسياسات الليبرالية السابقة والحالية التي يعاد إنتاجها.
المطلوب خارطةُ طريقٍ للحركة النقابية، قاعدتها الأساسية الطبقة العاملة السورية من أجل حماية حقوق العمّال السياسية والديمقراطية، والدفاع عن مستوى معيشتهم بزيادة أجورهم زيادةً حقيقية.
خرجت أم زهير من أحد حشود الاحتجاجات لتلتقط أنفاسها بعد دقائق طويلة من الهتاف، ووقفت تحت أشعة الشمس. أجرينا معها دردشة لعلّنا نحظى ببعض الأجوبة الخاصة، التي انصهرت بالمطالب العامة الجارية على ألسنة المحتجين، ولافتاتهم وشعاراتهم الرافضة للتسريح والإجازات القسرية والاستبعاد.
المرحلة القادمة من حياة البلاد تتطلب الاستخدام الأمثل والكامل لعناصر الإنتاج الأساسية، واستخدام الموارد البشرية كافة والاقتصادية لتحقيق أعلى مستوى من الإنتاج، من حيث الكم والنوع. وبحدود التكاليف الطبيعة، بعيداً عن قوى الفساد والنهب السابقة والجديدة، عبر زيادة الاستثمار في أصول المعامل والشركات الوطنية وخاصة في القطاعات الإنتاجية في الدولة، وليس عبر بيعها وخصخصتها تحت أي ذريعة كانت.













