نقابات وعمّال (5624)
خلال الأسبوع الفائت قام عمال ومدراء المصارف في السويداء بإضراب لمدة ساعة كاملة، تضامناً مع العمال المفصولين وغيرهم ممّن طالتهم قرارات حكومة تصريف الأعمال، الموغلة بالتجاوزات القانونية والإدارية. وحمل هذا الإضراب جانبين بالغَي الأهمية؛ الأول أنه جاء من موظَّفين لم تطلْهم القرارات، بل ما زالوا على رأس عملهم، وأرادوا بذلك التضامن مع زملائهم بكافة القطاعات، تأكيداً منهم على وحدة العمال ووحدة مصالحهم وأهدافهم. وثانياً، أن الدعوة لهذا الإضراب الساعيّ جاءت بطلب من اتحاد عمال السويداء، في خطوة مفاجئة وغير اعتيادية لم نشهدها منذ عقود طويلة. وهذا ما جعلنا نتوقّف عند هذه الظاهرة الحاملة لدلائل ومؤشّرات بالغة الأهمية والإيجابية، خاصةً في مرحلة من هذا النوع الذي تمرّ به البلاد على المستويات الوطنية والاقتصادية والسياسية والأمنية كافّة. فماذا لو أنّ العمال ونقاباتهم فعلوا الأمرَ ذاته؟ بل ماذا لو أنهم تمكّنوا من هكذا أمر؟
يتطور النضال العمّالي والنقابي سريعاً، وتتوضح معالمه في أوروبا وأمريكا خاصة مع اشتداد الأزمة الرأسمالية والتغيّر في ميزان القوى السياسي والعسكري والاقتصادي وتطوره باتجاه السياسي والاجتماعي، وهذا يوضح بداية تشكل وضع ثوري تُبنَى أدواته، ومنها الذاتي وهو المهم الذي سيعمل على التحكم بمجرى الصراع على الأرض بين الناهبين والمنهوبين على الصعيد الدولي وعلى الصعيد المحلي لكل دولة، وسيتطور العامل الذاتي «الحزب الثوري» في مجرى الصراع بين الطرفين إلى أبعد من المطالبة بتحسين الأجور أو تحسين شروط العمل أو الضمان الصحي، بل سيذهب باتجاه أكثر عمقاً، وهو الجانب السياسي الذي سيطيح بالمنظومة الرأسمالية خاصة مع ما يجري من تطورات سياسية واقتصادية وعسكرية ستكون نتائجها تغيير وجه العالم لمصلحة الشعوب المنهوبة.
منذ سقوط السلطة في نهاية العام الماضي، بدأت معاناة جديدة في حياة عشرات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين في محافظة الحسكة، والذين لم تصرف رواتبهم منذ أشهر وحتى كتابة هذه السطور.
منذ أن بدأت قرارات الحكومة المؤقتة بالصدور تباعاً لم يكن أحد يتخيل، حتى المتشائمين منهم، هكذا قرارات لا من حيث الكم ولا النوع، ولا من حيث الآليات والمعايير. والطامة الكبرى كانت بسرعة اتخاذها وعدم قانونية إجراءاتها. وذلك رغم التمهيد الإعلامي الكبير والكثيف لها، الذي ارتكز على عناوين عريضة غير محددة أو واضحة، وكأنها قوالب جاهزة صادرة عن قناعات ذاتية ممزوجة بتصورات بعيدة عن الواقع بحد ذاته، مثل إعادة الهيكلة ومحاربة الفساد والتخلص من الترهل، وبأن ثلث موظفي قطاع الدولة وهميّون وهم عبارة عن فائض... إلخ. وأصبحت هذه العناوين مبرّرات وذرائع لإطلاق مئات القرارات المتتالية بحق مئات آلاف الموظفين والعمال العاملين في القطاع العام الحكومي وبجميع القطاعات من عمال المطاحن حتى أطباء الأعصاب والمهندسين. ورغم التراجع عن بعضها أو تعديلها هنا أو هناك فإنّها لم تفلح في إصلاح مساوئها الكبرى، بل عبّرت عن افتقادها للصواب لافتقادها للمعايير والشرعية القانونية لأنّها انطلقت من أهداف عامة وعناوين غير مدروسة وغير واقعية على مبدأ «منقطّع الأصابع بعدين نعدّها».
«نحن عمال سورية إن كنا سندخل أراضينا المحتلة فسندخلها للتحرير وليس للعمل» هذا موقف من أحد المواقف العمالية التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تصريح هيئة البث الخاصة بالاحتلال الإسرائيلي عن عزمها إدخال عمال سوريين من المناطق التي احتلتها حديثا إلى الجولان المحتل للعمل هناك مقابل أجر يومي ما.
ضمن أحد معامل الخياطة متوسطة القدرة والموجودة على أطراف المدينة وتحديداً في منطقة ببيلا التقينا بـ أحمد وهو شاب في التاسعة والعشرين من عمره، يعمل في معمل خياطة وتحديداً في قسم الأمبلاج (تنظيف وتغليف) حيث بدأ العمل ضمن هذا المجال منذ اكتر من ٤ سنوات، أحمد واحد من آلاف العمال الذين يواجهون تحديات يومية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام والمواصلات بشكل خاص، مما دفعه أخيراً إلى التفكير في البحث عن عمل جديد حيث يرى بأن عمله أصبح غير مجدٍ أبداً.
بالانطلاق من فكرة «لا يوجد حركة نقابية مؤثّرة دون طبقة عاملة منظَّمة». كذلك لا يوجد حركة نقابية مسؤولة تجاه العمّال دون أدوات وممارسات كفاحية مسؤولة، وبالتالي نستطيع القول إنّه لا يوجد حركة نقابية حقيقية دون برنامج عمّالي واضح يلبي مصالح الطبقة العاملة.
ما إنْ بدأ الشهر الماضي بالانتهاء، حتّى بدأت تخرج من أروقة الاتحاد العام واتحادات المحافظات تصريحات غير رسمية تطلب من الموظفين والعمّال التي طالتهم القرارات الحكومية المجحفة بالتريُّث والانتظار حتى قدوم الحكومة الانتقالية الجديدة المرتقبة، والتي حسب فحوى التصريحات ستعيد النظر بالقرارات بطريقة أو بأخرى، وعلى المتضرّرين تثبيتُ مظلوميّتهم حاليّاً وانتظار الحكومة الجامعة والخبيرة، وهذا ما تماشى مع توجيه النصائح للاحتجاجات من بعض المدراء والموظَّفين الكبار بعدم جدوى بقائهم في الشارع، وبأنّ الأمر مرهون بالحكومة الجديدة، وبالفعل فإنّ جانباً من هذه التصريحات والنصائح تبدو موضوعيّة، وهذا الجانب بالذات يتمثل بأنّ الحكومة الانتقالية القادمة على طاولتها هذا الملف حكماً، نظراً لفشل الحكومة الحالية بمعالجته وهي المتسبّبة فيه أصلاً (خربطت الدني ببعضها) ولكن فكرة توقف الاحتجاجات والخروج من الشارع والانتظار فهذا الجانب تحديداً ليس فيه من الصواب شيء.
بصراحة .. أجور العمّال قضية وطنية وطبقية
Written by محمد عادل اللحاممن المؤكد أن الأجور من أكثر القضايا إلحاحاً، ومن أكثر القضايا التي يجري تداولها على ألسنة من يبيعون قوة عملهم، سواء العضلية منها أو الفكرية وخاصة في هذه الأوقات الصعبة التي يتعرض لها العمال والمعروفة للجميع؛ فهنا لا فرق بين الاثنتين من حيث النتيجة النهائية، وهي ضرورة تحسين الوضع المعيشي، عبر تحسين القدرة الشرائية للأجور بالنسبة للأسعار، وخاصة مع غلاء الأسعار التي تقفز الآن قفزات متسارعة لا يمكن للأجور الحالية إدراكها، رغم كل ما يقال عن هبوط في الأسعار، وهذا يعني استمرار الحال على ما هو عليه من بؤس وحرمان للعاملين بأجر، ويعني تعزيز انقسام المجتمع إلى فريقين أساسيين ناهبين ومنهوبين، يجري الصراع بينهما.
More...
عادت مقولة «ضبوا الشناتي» لتكون على لسان عمال القطاع الخاص بعد شهر من أفول الظاهرة مؤقتاً. فآلاف الشباب «الطافشين» الذين نووا على السفر، كانوا قد ألغوا هذه الفكرة بعد سقوط السلطة، وفركوا كفوفهم وتجهّزوا واعِدين أنفسَهم بانفراجاتٍ كبرى، برغيد العيش والاستقرار، وما هي إلّا أسابيع قليلة حتى عادت مشاريع السفر لتكون الشُّغل الشاغل، والحديث الأكثر تداولاً، في مجتمع زادت فيه البطالة لدرجاتٍ غير مسبوقة، دون أيّ وضوح لأفقٍ أو مستقبلٍ يجعل من الانتظار أحدَ الحلول.
تعاني الطبقة العاملة من ظروف عمل معقَّدة غير سليمة، في السابق والآن أيضاً حيث تعاني بطرق جديدة ومبتكرة، وتعاني بالأخص من الأجور غير المناسبة التي لا تؤمّن المعيشة الكريمة للعامل، وعدم توفير وسائل الصحة والسلامة المهنية لمن هم ما زالوا على رأس عملهم، بالإضافة إلى قوانين العمل غير المنصفة للعمال، وخاصة عمال القطاع الخاص، ممّا أفقد العمال الكثير من الحقوق العمالية وأدّى إلى ارتفاع نسب الفقر والبطالة.
تراقب الطبقة العاملة كسائر السوريين الجلسات التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني التي جابت المحافظات السورية الواحدة تلو الأخرى، وتحاول تتبّع المداخلات والنقاط التي طرحها المشاركون، لعلهم يسمعون صوتهم هناك، ورغم شحّ ما وصل للإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، إلّا أنّ هناك طروحات عديدة تناولت موضوعة عمّال القطّاع العام المسرَّحين والمفصولين، وأصحاب الإجازات القسرية وغيرها. وهذا الحضور المستمر لهذا الموضوع طبيعي؛ كون الجلسات والاحتجاجات العمالية تمضيان معاً، فخلال الأسبوع الماضي لم تتوقف الاعتصامات والاحتجاجات، بل وأصبحت خبراً أساسياً ضمن نشرات السوشيال ميديا، ودخلت في تقارير بعض القنوات هنا أو هناك، ليس من باب «التريندات» والاستعراض الإعلامي، وإنما لسبب مباشر وأساسي بأن مئات الآلاف من الموظفين والعمال أصبحوا خارج المظلة الحكومية وخارج دائرة الأمان الوظيفي وكأنهم فقدوا آخر قشّة تعلّقوا بها.













