عمال المصافي في الحسكة.. فصلٌ جماعي بدون مبرر قانوني؟
خرج مئات من العاملين في قطاع النفط للاحتجاج في الحسكة، وقطعوا الطرق أمام صهاريج النفط، تعبيراً عن واحدة من أبرز الأزمات العمالية منذ توقيع الاتفاق بين الشركة السورية للبترول وشركة HKN Energy الأمريكية في 4 آب.
حيث تم فصل نحو ألف عامل كانوا يعملون في حقول العودة وتل عدس، وهؤلاء العمال استمروا على رأس عملهم منذ العام 2012، وحتى الفترة الأخيرة؛ أي إنهم قضوا ما بين 10 إلى 14 عاماً في الخدمة، واكتسبوا خبرات متراكمة في الإنتاج والصيانة والتشغيل.
هذا الفصل الجماعي لم تسبقه أي إجراءات قانونية معروفة، ولم تقدم الجهات المعنية أي مبررات واضحة لإنهاء العقود، وهو ما يجعله فصلاً تعسفياً بامتياز.
وما أثار استياء العمال هو نمط الوعود المتكررة. فقد تلقى العمال وعوداً واضحة من إدارة الشركة السورية للبترول، ومحافظة الحسكة، بشأن دمجهم ضمن الكوادر الجديدة في الشركات النفطية العاملة في المنطقة.
وبناء على هذه الوعود، باشر العمال العمل فعلياً لمدة 3 أشهر لدى الشركة الأمريكية، قبل أن يتم إنهاء عقودهم بدون أي مبرر. هذا النمط من الاستغلال المؤقت لجهود العمال في فترة الذروة الإنتاجية، ثم التخلص منهم بمجرد انتهاء الحاجة إليهم، هو ما وصفه العمال بأنه «خيانة للوعود واستغلال للجهود».
وما زاد الطين بلة، أن العمال لم يحصلوا على أي تعويضات نهاية خدمة، أو تعويضات فصل تعسفي. هذا يعني: أن العمال الذين قضوا أكثر من عقد في الخدمة طُردوا بدون أي مستحقات مالية.
وفي ظل الحديث المتداول حول نيّة الشركة الأمريكية الإبقاء على 2000 عامل فقط من أصل 6000 عامل تقريباً في الرميلان يزداد العمال تخوفاً من خسارة المزيد من الوظائف ومعها حقوقهم، لا سيما وأنهم لا يملكون أي ملاذ قانوني أو نقابي حقيقي.
فنقابة عمال النفط غير موجودة فعلياً على الأرض؛ وهذا الغياب يعني أن العمال يفتقرون إلى التمثيل الجماعي القادر على التفاوض مع الإدارة، أو متابعة قضاياهم، أو حتى الحصول على التعويضات التي تتجاهلها شركات النفط.
وبالتالي، لجأ العمال إلى قطع الطريق الدولي عند مفرق قرية عرعور شرق القامشلي، وقطع الطريق أمام صهاريج النفط المتجهة إلى محطة كرزيرو في رميلان، وإعلان إضراب مفتوح عن العمل حتى تلبية مطالبهم.
والواقع، أن هذه المطالب لا تتعدى الحد الأدنى من الحقوق، فهي ليست استثنائية، أو غير معقولة؛ بل يُفترض أن تكون مضمونة لأي عامل، وتشمل؛ إعادتهم إلى وظائفهم وتثبيت عقودهم ضمن الشركات النفطية العاملة في المنطقة، وتأمين فرص عمل مستقرة، وصرف المستحقات المالية المتأخرة.
تتجاوز تداعيات هذه القضية العمال أنفسهم، إذ ترتبط أوضاعهم بنحو ألف أسرة تعتمد على هذه الوظائف كمصدر دخل أساسي. فصل ألف عامل يعني حرمان ألف أسرة من مصدر رزقها، خاصة، أن العمال يواجهون صعوبة في تأمين مصادر دخل بديلة لارتباط عملهم ومهاراتهم بشكل مباشر بالقطاع النفطي، ما يعني أن هؤلاء أصبحوا رهائن لسياسات توظيف غير واضحة، بل وإقصائية.
ومع استمرار الاحتجاجات، يبدو أن الأزمة العمالية مرشحة للتصاعد، ما لم تُعالج الأزمة جذرياً، بدءاً من تثبيت العقود، وصرف التعويضات، وصولاً إلى تغيير هيكلي في سياسات السورية للبترول، وإعادة تفعيل دور النقابات. فالاستقرار المنشود في قطاع النفط لا يمكن أن يتحقق على حساب استقرار العمال الذين يصنعون الثروة بأيديهم.