Skip to main content

ماذا بعد أن هدأت الإضرابات العمالية...؟

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

لم تكن الإضرابات العمالية التي شهدتها بعض المنشآت والمعامل، ومنها: معامل زنوبيا ومدار، وليدة رغبة لدى العمال في تعطيل الإنتاج أو افتعال المشكلات، وإنما جاءت في سياق ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية، وتراكم مطالب وحقوق شعر العمال بأنها لم تعد تحتمل التأجيل، وقد تدخلت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل آنذاك، وانتهت الإضرابات بعد تقديم أصحاب العمل تعهدات والتزامات أمام الوزارة، كان يفترض أن تشكل أساساً لمعالجة أسباب الاحتجاج وضمان حقوق العمال.

لكن ما يجري اليوم داخل بعض هذه المنشآت يطرح سؤالاً أكثر خطورة: 
ماذا حدث بعد انتهاء الإضراب؟
فبدلاً من أن تكون عودة العمال إلى مواقعهم بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار وتحسين علاقات العمل، يبدو أن بعض أصحاب العمل اختاروا أسلوباً مختلفاً يقوم على ما يمكن وصفه بـ«التطفيش»؛ أي دفع العمال بصورة غير مباشرة إلى ترك العمل، من خلال التضييق والاستفزاز، وفرض إجراءات تعسفية، وتحويل بيئة العمل إلى مكان طارد للعامل.
وتتحدث شكاوى عمالية عن خصومات عشوائية من الأجور، والتضييق في منح الإجازات السنوية، وعدم توفير الرعاية اللازمة لإصابات العمل، إضافة إلى التأخر في دفع الأجور، واعتماد أسلوب تقسيطها في بعض المنشآت. 
وهذه الممارسات، إن ثبتت، لا تمثل مجرد خلافات إدارية عابرة، وإنما تمس حقوقاً أساسية للعامل، يفترض أن تكون محمية بالقانون.
الأخطر من ذلك، أن بعض المنشآت- وفق ما يرد من العمال- لم تلتزم بمعظم التعهدات التي قطعتها على نفسها أمام وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مقابل تعليق الإضرابات، وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بعلاقة مباشرة بين العامل ورب العمل فقط، بل يصبح السؤال موجهاً إلى الجهة الحكومية التي تدخلت لإنهاء الإضراب: 
أين آلية متابعة تنفيذ تلك التعهدات؟ ومن يحاسب صاحب العمل عندما لا يلتزم بما تعهد به؟
إن إنهاء الإضراب لا يمكن أن يكون الهدف الوحيد من تدخل الوزارة، فالوزارة ليست جهة مهمتها إخماد الاحتجاجات العمالية ثم الانسحاب من المشهد، وإنما يفترض أن تكون ضامناً لتطبيق قانون العمل، وحماية حقوق العمال، ومراقبة التزام أصحاب العمل بالقوانين والقرارات والتعهدات التي يقدمونها أمامها.

فالسلام الاجتماعي داخل المنشآت لا يتحقق بإسكات العمال، وإنما بمعالجة أسباب احتجاجهم. وإذا كان العامل قد اضطر إلى الإضراب للمطالبة بحقوقه، ثم عاد إلى عمله ليجد نفسه أمام الخصم والتضييق والاستفزاز والتأخير في الأجور، فإن المشكلة لم تُحل، بل جرى تأجيلها فقط.
المطلوب اليوم، ليس فتح مواجهة جديدة بين العمال وأصحاب العمل، وإنما فتح تحقيق جدي ومحايد في الشكاوى، ومراجعة مدى التزام المنشآت بالتعهدات التي قدمتها، وضمان دفع الأجور في مواعيدها، ومنع الخصومات غير القانونية، وتأمين حقوق العمال في الإجازات والرعاية الصحية وإصابات العمل.
كما أن على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن تثبت أن تدخلها السابق لم يكن هدفه إنهاء الإضرابات بأي ثمن، بل حماية حقوق طرفي الإنتاج وتطبيق القانون، فالعمال الذين أوقفوا إضرابهم استناداً إلى تعهدات رسمية، لا يجوز أن يدفعوا ثمن ثقتهم بهذه التعهدات، وإذا كان الإضراب قد انتهى، فإن مسؤولية حماية حقوق العمال لم تنتهِ.