الهجوم الأوكراني المضاد «فشل وانتهى»
ملاذ سعد ملاذ سعد

الهجوم الأوكراني المضاد «فشل وانتهى»

بات من الواضح والمعلن رسمياً أن الهجوم الأوكراني المضاد على القوات الروسية، والذي بدأ في شهر نيسان من العام الجاري قد فشل تماماً بكافة أهدافه، وذلك على الرغم من التحشيد والدعم المالي والعسكري واللوجستي والسياسي الكبير للأوكرانيين طيلة الفترة السابقة، ولتظهر خلافات علنية توضح انقساماً في الصفوف الأوكرانية، وتبدأ التلميحات الغربية حول «الهزيمة» و«ضرورة الدخول في مفاوضات».

يحاول الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي شراء المزيد من الوقت والدعم والتعاطف من الغربيين، عبر إطلاقه التطمينات والوعود بأن القوات الأوكرانية ستقوم بمحاولات هجومية جديدة العام المقبل، قائلاً: «لدينا خطة. لدينا مدن محددة للغاية، واتجاهات محددة للغاية نسير فيها» معترفاً بما وصفه «بالتقدم البطيء للهجوم المضاد» وذلك رغم تحميله مسؤولية فشل الهجوم المضاد على الغربيين، بذريعة أنهم لم يرسلوا ما يكفي من الأسلحة.
وفي سياق ذلك تتزايد الأصوات التي تُحمل الغربيين اللوم على الفشل الأوكراني، وأكثر من ذلك قال رئيس الوزراء الأوكراني السابق ميكولا أزاروف: إن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم كافة الوعود لكييف من أجل إطالة أمد الصراع مع روسيا، وبتعليق له على توصية الاتحاد الأوروبي ببدء حوار حول انضمام أوكرانيا له، قال: «زعماء الدول الأوروبية الرائدة يتصرفون بما يتماشى مع السياسة الأمريكية: تمديد الصراع بين أوكرانيا وروسيا لأطول فترة ممكنة... لأن هذا، باعتقادهم، يضعف روسيا... ولإرضاء هذا الموقف، فإنهم على استعداد لتقديم وعود بأي شيء».

خفض الدعم الأمريكي والمخاوف الأوروبية

من جهتها، بدأت واشنطن– منذ ما قبل طوفان الأقصى أساساً– إلى التلميح والتحذير بأن الدعم الأمريكي لكييف بات يصل نهاياته، ويتعرض لصعوبات وضغوطات مالية ولوجستية وسياسية، ومنذ ما قبل طوفان الأقصى أيضاً، كانت تتواجد وتكثر الدعوات داخل الكونغرس الأمريكي إلى تخفيض الدعم المقدم لكييف، وصولاً للإعلان صراحة عن ذلك، على لسان منسق الاتصالات الاستراتيجية بالبيت الأبيض جون كيربي منذ نحو أسبوعين، أن الدعم الأمريكي لكييف ليس إلى ما لا نهاية، وليعلن مجدداً يوم الأربعاء الماضي أن بلاده أنفقت بالفعل 96% من الأموال المخصصة لكافة أنواع الدعم لأوكرانيا، بما في ذلك توريدات الأسلحة، وقال: «بالنسبة للأموال المتبقية، من إجمالي الأموال المخصّصة لأوكرانيا منذ بداية الأعمال القتالية- وهذا ليس دعماً عسكرياً فحسب، وإنما أيضا ما يعتلق بالمساعدات الاقتصادية والمالية والإنسانية، فقد أنفقنا نسبة حوالي 96٪ منها».
خلال اجتماع القادة الأوروبيين في مدينة غرناطة بإسبانيا الأسبوع الماضي، أعرب مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل عن أمله بتراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن موقفها حول دعم أوكرانيا، مشيراً إلى أن أوروبا لا يمكنها القيام بالدور الأمريكي، قائلاً: «علمنا أن الكونغرس الأميركي لم يدرج دعم أوكرانيا في الميزانية الأخيرة حتى يتجنب الإغلاق. نأمل ألا يكون هذا موقفاً محدداً للولايات المتحدة [..] أملي وأمل الأوكرانيين أن نبحث عن طرق تمكّن الولايات المتحدة من مواصلة دعم أوكرانيا. من المؤكد أن أوروبا لا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة».
وبالمثل، تعكس الحكومات الأوروبية حالة تململ ويأس من التطورات في الساحة الأوكرانية، وبدأ سياسيوها ووسائل إعلامها بالتمهيد والتحضير لإعلان الهزيمة بشكل ناعمِ، وبعنوان المفاوضات، وقد صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن الوقت قد يحين «لمفاوضات نزيهة وجيدة وللعودة إلى طاولة التفاوض وإيجاد حل مع روسيا».

اعترافات بفشل وانتهاء الهجوم المضاد

وقد اعترف قائد القوات الأوكرانية الأعلى فاليري زالوجني بمقال نشر على مجلة «الإيكونوميست» بفشل أوكرانيا وهجومها العسكري المضاد، معتبراً أن القوات الأوكرانية قد «وصلت إلى طريق مسدود» فلم تستطع تحقيق أي اختراق عميق في الدفاعات الروسية، وأوجدت نفسها بـ «مأزق»، ليعكس مقال زالوجني- وما قوبل من ردود من السياسيين الأوكرانيين، ومن زيلينسكي نفسه- حالة انقسام حاد بالتقييم والموقف بين الطرفين لم تتضح ملامح كلٍ منهما بعد.
وجاء في مقال بـ «إيكونوميست» أن «الهجوم المضاد الكبير قد انتهى [...] باستخدام بيانات أنظمة الأقمار الصناعية، تبيّن أن شدّة القتال انخفضت بشكل ملحوظ منذ 13 أكتوبر (الماضي)، مما يشير إلى تباطؤ في مستوى تقدم القوات الأوكرانية [...] الهجوم المضاد الذي طال انتظاره، والذي بدأ أخيراً في 4 يونيو 2023، فشل، وكانت المكاسب الإقليمية ضئيلة جراء ذلك».
أما بمقال في صحيفة «تلغراف» فقد جاء «على خلفية الهجوم (المضاد) المتوقف، أصبحت علنيةً التوترات بين القيادتين السياسية والعسكرية في أوكرانيا، والتي عادة ما تظل سرية. وهذه علامة قد تشير إلى أن زيلينسكي بات منكسراً [...] لم تعجب السلطات الأوكرانية حقاً حقيقة وصف الوضع على خطوط المواجهة بأنه طريق مسدود».
وفي ثنايا ذلك، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة منتدى فالداي للحوار، أن خسائر القوات المسلحة الأوكرانية خلال هجومها العسكري المضاد– لـ 5 أشهر- قد تجاوزت 90 ألف قتيل، مشيراً أيضاً إلى أنها فقدت بنفس الفترة 557 دبابة، وقرابة 1900 مركبة مدرعة من مختلف الفئات.
ومن داخل الأوساط السياسية الأوكرانية، اعتبر مستشار الرئاسة السابقة أوليغ سوسكين، أنه من الممكن عزل الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، وقال تعليقاً حول إمكانية عقد مفاوضات: «لا يستطيع زيلينسكي القيام بذلك [...] من الضروري تحييد الرأس، وبعد ذلك سيصبح هناك من يتفق على صيغة لسلام مؤقت». وهو الذي اعتبر في وقت سابق أن الجيش الأوكراني لن يستطيع الصمود ومقاومة الجيش الروسي بخرقه لخطوط الجبهة قريباً.

لا طريق سوى المفاوضات

تدل جميع المؤشرات العسكرية والسياسية والاقتصادية من داخل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، أن إمكانيات مواصلة دعم كييف مالياً، وإمدادها عسكرياً ولوجستياً باتت تصل نهاياتها، والحقيقة، أن أي تخفيض بهذا الدعم سيعني على الفور هزيمة صريحة وواضحة لكييف، وتجري الآن زيادة الأحاديث حول مفاوضات أوكرانية روسية مستقبلاً، ويجري تحضير المجتمع الغربي لها عملياً بأكثر شكل يحفظ ماء الوجه لهم، وأكثر من ذلك كان من الملفت الأحاديث التي تتعلق بانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، بالاستناد إلى الأراضي الخاضعة تحت سيطرتها حالياً فقط.
إن مصلحة الولايات المتحدة هي نفسها كما كانت عليه منذ عام ونصف: إطالة أمد الصراع مع روسيا لأطول فترة ممكنة، بغية زعزعة الاستقرار والاستنزاف، وتأجيل إعلان الهزيمة لأكبر قدر ممكن من الوقت، أما بالنسبة للأوكرانيين، بقيادتهم الحالية، تتقاطع مصلحتهم مع واشنطن بإطالة أمد النزاع إلى ما لا نهاية، بمقابل ألا يجري إعلان الهزيمة، إلا أن مثل هذا الوضع يفرض انعكاسات داخلية: ففي الولايات المتحدة فرض الكونغرس تقليص الدعم لكييف، وفي كييف بدأت الانقسامات تظهر بوضوح، ما قد يدفع الأمور إلى عزل زيلينسكي بالفعل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1148