_
«السّيادي السوداني» ومفاتيح قراءة المستقبل
علاء أبو فراج علاء أبو فراج

«السّيادي السوداني» ومفاتيح قراءة المستقبل

دخل السودان– على ما يظهر- مرحلة جديدة ابتداءً من تاريخ (17-08-2009)، مع التوقيع النهائي على الإعلان الدستوري والتوافق على عبد الله حمدوك لرئاسة الوزارة، وكذلك قيام أعضاء المجلس السّيادي في السودان بأداء اليمين الدستورية لتنطلق أولى جلساته الرسمية، بالترافق مع جلسات لمحاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ولكن واقع الحال لا يزال يحمل في طياته كل الاحتمالات السابقة بمخاطرها وآمالها...

نحاول فيما يلي الإضاءة على المفاصل الأساسية لهذه التطورات:

«فرح السودان» مرحلة جديدة

انتقل التوقيع بالأحرف الأولى، الذي جرى في 4 من شهر آب الجاري، إلى اتفاق نهائي، وجرى ذلك في حفل رسمي تحت اسم «فرح السودان». أعلن بعده المجلس العسكري عن مرشحيه للمجلس السّيادي الذي يحوز فيه على 5 مقاعد بالإضافة إلى صلاحياته في اختيار رئيس هذا المجلس منذ إطلاقه ولمدة 21 شهراً من أصل 39 شهراً هي مدة الفترة الانتقالية المتفق عليها، على أن تنتقل الرئاسة بعد ذلك، ولمدة 18 شهراً، إلى شخصية مدنية تختارها قوى إعلان الحرية والتغيير. وجرى انتقال عبد الفتاح البرهان من رئاسة «المجلس العسكري» إلى رئاسة «المجلس السّيادي».
ظهرت على السطح بعض الخلافات التي تدور بين القوى المكوّنة لـ «إعلان الحرية والتغيير» حول تسمية المرشحيين المدنيّين للمجلس السّيادي، والتي انتهت بعد اجتماعٍ استمر لأكثر من 15 ساعة بأداء الأعضاء 11 لهذا المجلس اليمين الدستورية في يوم الأربعاء 21 آب، وبدت الأجواء- بعد تجاوز العقبات التي واجهت تشكيل المجلس- أجواءً إيجابية واتسم خطاب «المجلس العسكري» في هذه الفترة بجملٍ موزونة، معتبراً قوى المعارضة «شركاء في التغيير»، وقال البرهان في تصريحِ له «كشفت الأيام الماضية المعدن النفيس لكافة أطياف الشعب السوداني، والذي تجلّى بكل القوى الموجودة في الساحة».

القاهرة «وتقليص الفجوة»

في خطوات رافقت تطورات السودان السياسية الأخيرة، قامت القاهرة بدعوة رسمية لكل من «الحرية والتغيير» و«الجبهة الثورية»، وجاءت هذه الدعوة في محاولة مصرية لـ «تحقيق السلام في السودان» ودعم «للوثيقة الدستورية». وكانت «الجبهة الثورية» قد رفضت في وقتٍ سابق هذه الوثيقة، معتبرةً أنها لا تتضمن بنود «اتفاقية السلام» التي جرى التوقيع عليها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 1972. إلا أن هذه المفاوضات- والتي اختُتمِت في 12 آب- لم تصل إلى نتائج واضحة، وقال جبريل إبراهيم أحد قيادي «الجبهة الثورية» في تصريحات تلت مفاوضات القاهرة: إن «الصراع في السودان هو صراع سياسي حول السلطة، وإذا كان يجوز للآخرين أن يحكموا، فما الذي يمنع أن تكون (الجبهة الثورية) جزءاً من مؤسسات الفترة الانتقالية». وفي بيانٍ لها قالت الخارجية: إن «مصر تؤكد مواصلة اتصالاتها مع الأشقاء في السودان، ودول الجوار للسودان والإقليم من أجل تحقيق السلام والاستقرار هناك، ودعم الحكومة السودانية الجديدة في سعيها لتحقيق تطلّعات الشعب السوداني الشقيق».

حكومة جديدة لمهام كبرى

اتفقت قوى «الحرية والتغيير» على تسمية عبد الله حمدوك رئيساً للوزارة، والذي قدم من العاصمة الإثيوبية وأدى اليمين الدستورية في 21 آب، وأكد بعد هذا كونه «رئيس وزراءٍ لكل السودانيين» ووضّح أنّه، وعلى الرغم من أنّ «التركة ثقيلة، لكن مع إجماع الشعب السوداني نستطيع العبور إلى برّ الأمان». ويستطيع المراقب العادي أن يرى حجم القضايا المطروحة على الطاولة السودانية اليوم، التي تتوزع بين قضية السلام وإنجاز التغييرات الاقتصادية- الاجتماعية المطلوبة، ورغم أنّ هذه العناوين العريضة لا تغيب عن رئيس الحكومة الجديد، إلا أن الخطوات الملموسة لا تزال ضبابية بطبيعة الحال؛ فقد صرح حمدوك أنّ السودان بحاجة إلى مساعدات خارجية تصل إلى 8 مليارات دولار خلال العامين القادمين، وأضاف مخاطباً البنك وصندوق النقد الدوليين بأن عليهم «مساعدة السودانيين عبر تفهم أولوياتهم» مؤكداً في التصريح ذاته: أن السودان «لن يلجأ لخصخصة المؤسسات العامة الحيوية، بغضّ النظر عن موقف صندوق النقد»، وفي تصريحات لاحقة أعلن أن السودان دخل في مفاوضات مع واشنطن لرفعه من قائمة الدول الداعمة للإرهاب.
من الجدير بالذكر، أن حمدوك شغل مناصب سياسية وعمل في العديد من المنظمات الدولية، منها: «المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية» IDEA، ومستشاراً في منظمة العمل الدولية، بإلإضافة إلى تعيينه من بان كي مون في 2016 قائماً بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا.

البشير وملايين «ليست للدولة»

بدأت الجلسة الأولى من محاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير في 19 من الشهر الجاري، وكان القضاء السوداني قد وجّه له مجموعة من التهم منها: الثراء الحرام، ومخالفة أمر الطوارئ، وحيازة نقد أجنبي، وتهم تتعلق بغسيل الأموال بالإضافة إلى اتهامات عديدة أخرى، منها ما هو مرتبط بقتل المتظاهرين السلميين.
وقال البشير في اعترافاته أمام المحكمة: إن جزءاً من المبالغ التي وجدت في حوزته ما هي إلا «عطايا» من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، استلمها عِبر مدير مكتبه طه عثمان، ومدعياً أن هذه المبالغ - والتي تجاوزت 23 مليون دولار - «ليست من أموال الدولة» وبأنها «صُرفت في أعمالٍ خيريةٍ». وأفاد البشير بأنه سلّم جميع المبالغ لشقيق نائب رئيس المجلس العسكري، عبد الرحيم دقلو.

مفاتيح لقراءة المستقبل

لاقى التوقيع على الإعلان الدستوري، استحساناً دولياً، وحضر بعض ممثلي الدول «فرح السودان». وعلى الرغم من تأييد الولايات المتحدة للتوقيع، إلا أنها أكدت على ضرورة «تسوية بعض المسائل مع السودان قبل أن تستطيع النظر في حذفه من القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب»، ونشرت الخارجية السعودية على حسابها على «تويتر» العديد من الصور الملونة والمزركشة لتذكّر بأهمية العلاقات بين البلدين، وبأن أمن واستقرار السودان «غايتهم»، بالإضافة إلى إحصائيات دقيقة حول حجم المساعدات المالية التي قدمتها السعودية للسودان. لذلك نستطيع و«براحة بال» أن نرى التصريحات التي أوردناها بأنها أحد أشكال الضغط والابتزاز الذي تحاول تلك الدول من خلاله قولبة التغيير الجاري في السودان، ونرى أيضاً ثماره الأولى، إذ أعلن «المجلس العسكري» و«الحرية والتغيير» على لسان إبراهيم الأمين- أحد قياديه– عن وجوب قتال جماعة أنصار الله في اليمن، وندد الأمين بما سمّاه «محاولات طهران اختراق المنطقة»، وهذا يعني القيام بخدمات تدفع بالدم السوداني في اليمن.
من جانب آخر، يمكن النظر إلى «فرح السودان» بوصفه تسوية دولية- إقليمية وداخلية في وقت واحد؛ فعلى الصعيد الدولي الإقليمي، يمكن اعتباره «انتصاراً مؤقتاً» سعودياً إماراتياً مصرياً، وأمريكياً، في وجه تركيا وقطر (أول الإجراءات بعد عزل البشير كانت التراجع عن الاتفاق مع تركيا على إنشاء قاعدة تركية في جزيرة سواكن السودانية)، حيث جرى حتى اللحظة الحفاظ على النظام السابق مع تعديلات لا تزال بعيدة عن المساس بجوهره، مع شيء من تغيير الطرابيش، ومع نافذة أمل تتمثّل بجزء من قوى إعلان الحرية والتغيير.
إنّ الذاكرة السياسية السودانية حافلة باتفاقات (عسكرية- مدنية) شبيهة، ولم يصل أيُّ منها إلى التغيير المطلوب، بل كانت جميعها التفافاً على إرادة التغيير، ولكن ذلك لا يعني أنّ الاتفاق الحالي سينتهي النهاية نفسها، فهذا الاتفاق لن يغلق باب التغيير الذي فُتح في السودان، ولا يمكن لبقايا النظام السوداني السابق- والتي تستند إلى «حلفاء» باتوا أضعف شأناً اليوم على المستوى الدولي والإقليمي– إلا وضع بعض العوائق المؤقتة في وجه التغيير الجذري القادم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
928
آخر تعديل على الثلاثاء, 27 آب/أغسطس 2019 18:55