_
الجزائر وصراع إعادة تشكيل الدولة
عماد بيضون عماد بيضون

الجزائر وصراع إعادة تشكيل الدولة

في العادة يكون مركز القوة مستقراً، وعندما يتعرض لهزة ما، أو حركة ما، فإنه يتشتت وتقل مركزيته، وهنا تدخل عناصر المكوّن في صراع.

البعض يبدأ بالخروج والابتعاد عن المركز، والآخرون الذين كانوا بعيدين يبدأ بالسعي للاقتراب من مركز النواة، والبعض يحاول البقاء في مركزه ويعمل على إعاقة أو تسريع حركة الآخرين. هذا تماماً موصوف ما يجري في الجزائر، إن الحركة الشعبية التي تنتقل في أطوارها بسبب طبيعة النظام وشكل توزيع الثروة والسلطة الجائر على عامة الناس، والمختص فقط بخواص مراكز المال والفساد، كما هو الحال في كل البلدان، وفي كل أصقاع العالم، تتشتت المراكز التقليدية، وتدخل في أزمة ولن تستقر الأمور فيها إلّا بعد إعادة توزيع السلطات والثروة بالشكل الذي يرضي الجماهير، وكون مثل هذا الانتقال ليس بالأمر السهل، وهناك من يعيقه فإنه لخطورتهِ قد يدخل في طور الثورة المضادة، ويدخل بوابات العنف المعيق الرئيس لأيةِ حالة ثورية حقيقية.

أين هي المشكلة الجزائرية؟

الجذر العميق للمشكلة الجزائرية يكمن في الوضع الاقتصادي الاجتماعي الذي لا يسأل عنه فقط الرئيس المعزول عبد العزيز بوتفليقة، أو حتى الجيش، أو كل الأحزاب السياسية، بل جميعهم تحت ضغط وصايا صندوق النقد الدولي، الجزائر بحسب نشرة اقتصادية ل أ. بطاهر علي بعنوان سياسيات التحرير الاقتصادي والإصلاح منشورة في مجلة اقتصاديات إفريقيا، توجهت في عام 1989 برسالة حسن نوايا لصندوق النقد الدولي بسبب ارتفاع تكلفة الدَّين الخارجي للحصول على قروض، بعد وصول تكلفة الدَّين لأكثر من 70% من حصة الصادرات نتيجة انخفاض وارادات الدولة من قطاع النفط بعد تدهور الأسعار، ومن ذلك الوقت بدأت الجزائر بتنفيذ مقرارات صندوق النقد الدولي المتمثلة بتخفيض الإنفاق العام، وكل ما يطلبه صندوق النقد، وإن كان الاستقرار في الجزائر مبنياً على أسواق النفط فقط، فإن الوضع الدولي اليوم وسياسات تقييد الائتمان ضد الدول النامية التي ينتجها الغرب، تؤدي حتماً مع تراجع دور الدولة إلى عودة الناس مجدداً إلى الشارع لإعادة الأمور إلى نصابها، وهنا تنشأ الأزمة، فالطبقة الحاكمة لا تملك الكثير لتغيره والطبقة المحكومة تريد تغيرات عميقة.

الجزائر في ثالث طور للحراك

بعد موجتين للحراك أولاهما في العام 2011 وما نتج عنها من رفع لقانون الطوارئ وفتح مجالات للحياة السياسية وتكبير الهوامش للحراك والعمل السياسي، وبعد موجة طويلة من الإضرابات العمالية أكبرها إضراب قطاع الصحة، حتى الوقت الحالي. الأسبوع الماضي طالب الجيش الجزائري بتطبيق المادة 102 من الدستور لإعلان الشغور الرئاسي قام البرلمان بتطبيق المادة، وتم عزل الرئيس، وتوجه الرئيس برسالة يطلب من الشعب أن يسامحه، الجيش أعلن عن اعتقال أكثر من مئة متورط بعمليات الفساد، ومنع الطائرات الخاصة من الخروج من الجزائر ضمن إرهاصات عملية الخروج للمرحلة القادمة، ولكل طرف من الأطراف أهدافه من العملية، والاعتقاد الأقرب للواقع من خلال قراءة رد فعل الجيش والحزب الحاكم في الجزائر إنهما من يسعيان لإخراج السيناريو المناسب لهما، وهذا يلقى قبولاً من بعض الدول الغربية التي تدعي أنها لا تتدخل.

الشارع والقوى السياسية

لم يقبل الشارع الجزائري الإجراءات السياسية التي قام بها الجيش بتعيين عبد القادر بن صالح رئيساً بالوكالة وبدا الشارع الجزائري أكثر نضجاً من بعض القوى السياسية الجزائرية التي كانت ترفض الحوار، وطالبت الأحزاب الجزائرية بتغير كل رموز النظام السابق وحدثت مواجهات في الشارع أدّت إلى جرحى ومعتقلين، حيث لم تدع ولا قوة سياسية إلى حوار وطني، على العكس بدت هناك عدمية وضيق بالرؤية من خلال طرح رحيل الكل، لكن وعي الشارع تجاه القوى من أمثال الإخوان المسلمين كان واضحاً في رفضه لأن تركب هذه القوى موجة الحركة الشعبية وتتسلق عليها (كما حدث في مصر).

التدخل الأجنبي وإمكانية تطور الأمور

إنه بعيد جداً بحكم اللقاح الذي أخذته الجزائر بعد الحرب الأهلية في التسعينات من طرف، وبسبب موازين القوى الدولية أن تتدهور الأمور في الجزائر لحرب أهلية، القوة السياسية الأكثر عبثية في الجزائر، وهم الإخوان المسلمون أصدروا بياناً يرفضون فيه العنف والتدخل الخارجي رغم أنهم في الجمعة الأخيرة للتظاهر، بدأوا التلميح لإمكانية نقل السلطة لهم والإسراع في رحيل الكل، وطبعاً مثل هذه القوى لا يهمها إجراء عملية سياسية تعود فيها السلطة للناس، أكثر من استلامها هي السلطة.
أما على المستوى الدولي والإقليمي فالجار اللدود للجزائر المغرب أطلق مناورات مشتركة مع فرنسا على الحدود الجزائرية، وهي وإن كانت مناورات تؤكد الولاء المغربي للغرب في موجة الحراك الشعبي الرافض للفساد واعوانه الغربيين في المنطقة، فإن فيها محاولة للتأثير على سير الأمور في المنطقة المغاربية من دافع الخوف على النظام المغربي، الذي ما زال يريد أن يحجز لنفسه مكاناً في القطار الأوروبي السائر نحو التدهور إن بقي على الطريق الأمريكي. ولإن كان تحرك حفتر على الجبهة الشرقية للجزائر عاملاً إضافياً في توتير الوضع في الجزائر، المندرج ضمن الخطط الأمريكية في المسرح جنوب المتوسطي، إلا أنّ الوكلاء في فرنسا يقومون بواجبهم بلتوتير قدر الإمكان، مع العلم المسبق أن موازيين القوى الدولية لن تسمح لهم بدور كبير، أو حتى بأي دور مستقبلاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
909
آخر تعديل على الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2019 12:24