عادل الملا عادل الملا

من «السور الواقي» إلى «الجدار الأمني»: تعددت الأسباب والفشل واحد

ردت المقاومة الوطنية الفلسطينية على العدوان الإسرائيلي المتواصل بسلسلة من الأعمال الفدائية وكالت له الصاع صاعين.
فقد هزت عمليتان استشهاديتان في مدينة القدس يومي 18 و19 من شهر حزيران الجاري الحكومة الإسرائيلية هزا ًعنيفاً وأعادتا الوضع إلى ما كان عليه قبل قيام إسرائيل بغزوها لأراضي الحكم الذاتي في أواخر شهر آذار المنصرم والتي أطلقت عليه اسم عملية «السور الواقي»، وقد أسفرت العمليتان عن مقتل 26 إسرائيلياً وأكثر من 100 جريح.

فماذا تعني العمليتان؟
1. إنهما تعنيان أن المقاومة الوطنية الفلسطينية مازالت قوية رغم كل الضربات التي وجهت لها وهي قادرة على القيام بعمليات استشهادية وإلحاق الخسائر الكبيرة في صفوف العدو.
2. إن كل الإجراءات الأمنية و التدابير القمعية التي اتخذتها حكومة شارون وسوف تتخذها عاجزة عن وضع حد للمقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال، وأن «السور الواقي» لم يجلب الأمن للإسرائيليين، كما أن «الجدار الأمني» الذي تنوي إسرائيل بناءه لن يكون بأفضل من سابقه، لأنه باعتراف الإسرائيليين أنفسهم مدنيين وعسكريين لا يمكنها أن تمنع المقاومين الشجعان من اختراق هذه الحواجز والضرب في العمق الإسرائيلي وأن خطط شارون قد فشلت ولم تتحقق الغاية المرجوة منها بل أخذت تلاقي الانتقاد في داخل إسرائيل وخارجها.

الاعتراف الغربي
ومع أن الغرب لم يصل ولن يصل إلى حد تأييده للعمليات الاستشهادية أو التصفيق لها، لكن ثمة ما يوحي بأنه اضطر  إلى البحث عن تفسير عقلاني لسبب هذه  العمليات، ومن باب الخوف على الدولة الصهيونية فقد شن وزير العمل الألماني السابق نوربرت بلوم في أعنف هجوم سياسي على إسرائيل بأنه «لا يمكن وصف تصرفات الجيش الإسرائيلي بأنها دفاعية ضد الإرهاب بل هي حرب إبادة». وقال: على الرغم من أنه يدين العمليات الاستشهادية الفلسطينية فإنه يحمل الإسرائيليين مسؤولية ذلك وأن على الإسرائيليين أن يفهموا بأن تصرفاتهم الانتقامية هي التي تشجع هذه  الأعمال والتي تبعد «أصدقائهم، وهو واحد منهم،عن تقديم الدعم لسياسة كهذه».
إضافة إلى ذلك ما يتردد يومياً على لسان مسؤول غربي وزوجته أومساعده أو مستشاره، أو في مقال صحفي أو في تعليق إذاعي.

أسلوب نضالي جدي
لقد صارت العمليات الاستشهادية الفلسطينية نمط عمل يومي وأسلوباً لقتال جدي وسلاحاً أخيراً يلجأ إليه الفلسطيني المحكوم عليه بالموت في كل لحظة والذي يأبى أن يذهب إلى حتفه وحيداً، وإذا كانت العمليات الاستشهادية لم تقلب ميزان القوى عسكرياً وسياسياً، إلا أنها قلبت بقدر ما، موازين القوى النفسية في المعادلة.
إن الغرب اضطر إلى الإقرار بضرورة تبديد دوافع اليأس  الفلسطيني وحاجة هذا الشعب المعذب والمضطهد والمشرد منذ نصف قرن إلى الحرية والعدالة والاستقلال.

الهروب إلى الأمام
ولذلك ليس مستغرباً أن يدفع هذا الفشل إسرائيل والولايات المتحدة للهروب إلى الأمام، وذلك بتهديد سورية ولبنان ووصفهما بأنهما قاعدتان للمقاومة الفلسطينية وإن هذا التهديد محاولة لتغطية الإخفاق الشديد في وضع حد للمقاومة الوطنية وإن «الجدار الأمني» الذي ينوي شارون بناءه حالياً هو أبلغ دليل على مأزقه وفشله في ضرب الانتفاضة، وإن هذا الجدار سيتحول إلى جهنم عندما سيركز الفلسطينيون جهودهم ونضالاتهم على المستوطنات والجنود حماة الجدار.


الصمود السوري وتصليب الجبهة الداخلية
لا شك أن الصمود السوري لعب وسيلعب دوراً كبيراً في إعطاء المقاومة الفلسطينية قوة دافعة لمواصلة النضال، كما أن سورية العربية لعبت دوراً هاماً في هزيمة الإسرائيليين بجنوب لبنان وخروجهم منها على يد المقاومة الوطنية وإن سورية ستتابع صمودها أمام أي ضغوط أمريكية لزحزحتها عن موقفها الثابت، ولن تستطيع إي قوة منعها من تقديم الدعم للأشقاء الفلسطينيين.
ولاريب أن الصمود السوري يجب أن يستند إلى جبهة داخلية متراصة وقوية قوامها إطلاق الحريات الديمقراطية، والاعتماد على الجماهير الشعبية لمواجهة أي تهديد بالعدوان مدعوم أمريكياً، وإن من أهم مقومات هذا الصمود هو تحسين الوضع المعاشي للجماهير الشعبية، لأنها القوة الأساسية المستعدة للتضحية في سبيل الدفاع عن الوطن، غير أن الخطوة الأخيرة التي اتخذت بإلغاء الدعم عن المواد الأساسية ورفع أسعارها، والتي كانت مكسباً للجماهير الفقيرة قد زادت أثقالاً جديدة على عاتقها، وسببت استياء واسعاً جداً في صفوف 17 مليون مواطن سوري، وإن المصلحة الوطنية والقومية تقتضي دعم الجبهة الداخلية السورية حتى تكون على مستوى المهمة الأساسية ألا وهي الصمود واستعادة الحقوق المستلبة في فلسطين والجولان ومزارع شبعا.

إعادة احتلال المدن الفلسطينية
إن إعادة احتلال المدن الفلسطينية لن يفيد شيئاً وخصوصاً جنين البطلة التي لعبت دوراً هائلاً بصمودها في إفشال خطط شارون وفضحت الدولة الصهيونية في العالم أجمع. وصارت هذه المدينة أشبه بالحيوان الخرافي الذي كان كلما قطعت له ذراع نبتت له سبع أذرع.

التوسل العربي الرسمي
إن ذهاب الحكام العرب إلى واشنطن للتوسل لدى قادتها والرأفة بأحوالهم أمام شعوبهم، لم تجد أذناً صاغية. فالولايات المتحدة ماضية في السبيل الذي رسمته لنفسها حتى قبل أحداث 11 أيلول وهو شن حرب على شعوب العالم لحل الأزمة الاقتصادية الداخلية، وإن دعمها لإسرائيل بهذه الوقاحة هو جزء من هذا المخطط باعتبار أن هذا الحليف يؤيد خططها وعلى استعداد لتنفيذها.

ولذلك فإن الشعوب العربية وقواها الوطنية والتقدمية، والمقاومة الفلسطينية في مقدمتها ليس أمامها غير الصمود ومتابعة النضال الذي لا هوادة فيه حتى استرداد الحقوق، ولم نجد في العالم شعباً قدم له أعداؤه حقوقه المشروعة على طبق من ذهب، فالحقوق لا تسترد إلا بالقوة والمقاومة ولا سبيل غير هذا السبيل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
178