_

بعد باكستان وأفغانستان: الهند«ستان» تدخل الشَرك الأمريكي

رغم إجراءات تخفيف حدة التوتر العسكري التي وعدت بها نيودلهي، تتواصل في شبه القارة الهندية لعبة شد الحبل الكشميري بين الهند وباكستان وسط سيناريو يقوم بشكل أساسي على ربط البحث عن مخرج للأزمة المتصاعدة بين البلدين بخصوص الإقليم المتنازع عليه وغيره من المسائل بزيادة الضغوط الهندية والأمريكية والدولية على حد سواء على القيادة السياسية والعسكرية في إسلام آباد ممثلة بشخص الرئيس برويز مشرف وتنفيذه للوعود التي قطعها على نفسه فيما يتعلق بما يسمى مكافحة الإرهاب عبر الحدود.

وتكاد تجمع كافة الأطراف الدولية التي تدخلت للتوسط في حل النزاع على أن المخرج يتعلق بتنفيذ تعهدات مشرف، وبرز ذلك مؤخراً ومن جديد في المساعي البريطانية واليابانية، وحتى الروسية التي لم تنجح في جمع زعيمي البلدين في العاصمة الكازاخية عندما انعقد مؤتمر أمني إقليمي شاركت فيه إسرائيل وخرج ببيان يتحدث عن ضرورة مكافحة الإرهاب الدولي(!!)
ثم فجأة ووسط ما يشاع عن فشل المساعي الدولية للتوسط بين الطرفين، ورغم استمرار المناوشات الحدودية في كشمير والكلامية بين الطرفين، وعشية زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى المنطقة وبالتزامن مع تصريحات مماثلة لمساعد وزير الخارجية الأمريكي الذي سبقه إلى هناك، أعلنت مصادر مقربة من الحكومة الهندية أن نيودلهي التي «لا تثق كلياً بمشرف تريد إعطاءه فرصة»، وأنها بصدد دراسة مجموعة من خيارات تخفيف التوتر، ومن بينها إعادة تعزيز التمثيل الدبلوماسي الهندي في إسلام آباد وإنهاء منع تحليق الطائرات الباكستانية في الأجواء الهندية وإعادة ربط الاتصالات عبر السكك الحديد والطرق البرية أي التراجع عن بعض الخطوات التصعيدية التي اعتمدتها نيودلهي بعد الثالث عشر من كانون الأول الماضي تاريخ الهجوم على البرلمان الهندي الذي نسب لجماعات كشميرية تنطلق من باكستان.

وعلى الرغم من هذه التصريحات لا يعتقد أن نيودلهي، التي تعتبر كشمير قضية سيادية غير قابلة للنقاش أو التدويل، دخلت التصعيد وفعّلته لتخرج منه سريعاً دون حصد أكبر مكاسب ممكنة ضمن محاولتها فرض شروطها في لعبة ازدادت فيها الأصابع الإقليمية والدولية بعد الحادي عشر من أيلول وتداعياته…
فإسلام آباد اعتقدت أنها دخلت نادي النخبة الدولية عندما قدمت تنازلاتها الرهانية لواشنطن إبان إعلان الأخيرة حربها العالمية على ما تسميه الإرهاب بدءاً من أفغانستان، حيث توهّم مشرف أن الإقدام على فتح مطارات بلاده وأراضيها أمام القوات الأمريكية، وإن قوبل بمعارضة شعبية داخلية واسعة، سيجعل منها محظية تحت الحماية الأمريكية ضد الهند خصمه اللدود ولاسيما بعد أن رُفعت إسلام آباد من القائمة السوداء الأمريكية مع ما رافق ذلك من إغداق للمساعدات المالية عليه من قبل واشنطن وتلقيه وعوداً عسكرية منها. غير أن مشرف لم يكن يتوقع فيما يبدو أن ثمن ذلك سيكون جملة مطالب بإجراءات داخلية وتغيير في سياسات كانت تشكل حجر الزاوية في رسم اتجاه العلاقات الداخلية مع الهند في الخارج، أي دعم الجماعات الكشميرية المناهضة للسيادة الهندية فوق كشمير الذي تتقاسمه الهند وباكستان والصين، بل لم يكن يتوقع أن تنقلب الأمور عليه بهذه السرعة لتتحول بلاده من موقع حليف الولايات المتحدة الجديد المستقوي إلى مستجدِ للدعم وهدف على دريئتها، كما سبق وأكدت «قاسيون» منذ البداية ضمن استقرائها لسيناريو أيلول الأمريكي الهادف إلى إعادة تفصيل بلدان العالم بحسب مقتضيات خارطة المصالح الأمريكية ومستجداتها.

وكما كانت الحال ولا تزال مع إسلام آباد يبدو أن نيودلهي، التي عملت على إبراز نفسها كيلا يجري إغفالها في أي ترتيب في المنطقة مع بدء الحرب الأمريكية ضد أفغانستان والتودد الأمريكي لإسلام آباد، يبدو أنها دخلت في الشَرك الأمريكي في مرحلة ما بعد أفغانستان، رغم التباين النسبي في المقارنة بين الهند وباكستان لصالح الأولى من ناحية التعداد السكاني والقوة العسكرية والاقتصادية، ورغم الدخول الإسرائيلي على خط دعم الهند الساعية إلى لعب دور قوة إقليمية يحسب لها حساب في العالم.

ففي نهاية المطاف، وضمن حساب واضعي السياسة الاستراتيجية الأمريكية فإن كلاً من الهند وباكستان يعدان من دول العالم الثالث والجنوب الفقير، وكلاهما يمتلكان مجمعاً صناعياً عسكرياً كبيراً، ويمتلكان أسلحة نووية دون أن يكونا في نادي القوى النووية الكبرى رسمياً، والأولى كانت حليفة موسكو فيما كانت الثانية حليفة بكين ضمن تجاذبات حقبة ما كان يسمى بالحرب الباردة، وكل ذلك لا يلائم واشنطن ونهم سياساتها نحو بسط المزيد من الهيمنة لإطالة عمر القطبية الأحادية…

والملاحظ في كل الأحوال أن المساعي الدولية، والأمريكية تحديداً، لم تنتقل مثلاً إلى مستوى التلويح بالعقوبات لردع البلدين عن تصعيد احتمالات المواجهة بينهما مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانياتهما النووية والانعكاسات الكامنة في ذلك تجاه أمن المنطقة والعالم واستقرارهما.
ومن هنا نجد أن واشنطن التي تعمل على تحييد موسكو وبكين أكثر فأكثر، لا تتدخل ولا تطرح نفسها بقوة كما في أماكن أخرى من العالم كطرف ثالث في النزاع وهو ما يغازل المطالب الهندية..

وهذا صحيح أمريكياً، فالبيت الأبيض لا يتدخل لنزع فتيل الأزمة عملياً وبالتالي فإنه يجلي رعاياه من البلدين بما يؤكد بنظر معظم المراقبين احتمال تفجر الحرب بين الجارين النوويين، ويضعهما كليهما هذه المرة على الدريئة الأمريكية مباشرة…

معلومات إضافية

العدد رقم:
177