_

اجتماعات كانكون ودبي: اختراقات إسرائيلية جديدة… وجعجعة تصب في طواحين الشمال الغني… وبيع للعراق في مناقصة سرية!

شكل المؤتمر الثامن والخمسون لمجالس محافظي صندوق النقد والبنك الدوليين في دبي وما سبقه من المؤتمر الخامس لمنظمة التجارة العالمية في منتجع كانكون المكسيكي حلقة جديدة من سلسلة الصراع المتواصل شبه المكشوف بقالب بروتوكولي بين دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير حول جوهر واحد يتمثل في رغبة الطرف الأول في زيادة تمكين الشركات الاحتكارية الدولية الكبرى والعابرة للقارات ومتعددة الجنسية من الإمساك بلا منازع بعصا قيادة الاقتصاد العالمي وتدفقاته المالية الرأسمالية وخاصة إلى الدول النامية وفيها، وفي رغبة الطرف الثاني في المقابل بإقامة علاقات اقتصادية دولية أكثر عدلاً مع تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة ومستقلة نسبياً عن مفاهيم وأساليب الاستلاب والهيمنة التي يفرضها الطرف الأول.

خطابات بلاغية تكرس إفقار الشعوب

ففي دبي، وعلى الرغم من أن اجتماعات هذه المجالس التي أصطلح على تسميتها اجتماعات «الدوليين» لا تنطوي على صيغة اتخاذ قرارات وإنما تقتصر على مناقشة التقارير الدورية لصندوق النقد والبنك الدوليين المعروفين بوصفهما أدوات تنفيذية لسياسات واشنطن الاقتصادية والمالية الدولية، إلا أنها، وإلى جانب توفيرها منبراً لتنظير رموزها من شاكلة مدير البنك الدولي «جيم ولفنسون» حول ضرورة قيام عالم قائم على العدالة الاجتماعية وأقل فقراً ودموية بسبب الحروب والصراعات وانتهاك حقوق الإنسان، شكلت أرضية خصبة لبروز عدة معطيات خطيرة ميدانياً، أولاها تجاهل هذا النمط الخطابي الاستهلاكي الدعائي لدور هاتين المؤسستين سيئتي الصيت في قيام ذلك، أي دور الوصفات الجاهزة لدى صندوق النقد والبنك الدوليين الداعية إلى الاستمرار في رفع يد الدولة في البلدان النامية عن الاقتصاد المحلي كلياً وفتح الباب واسعاً أمام حرية حركة الرساميل الاحتكارية منها وإليها تحت لافتة «فتح المجال أمام قوى السوق في إدارة عملية التنمية»، وهو ما يؤدي إلى تكريس سياسة إملاق ونهب متعمدة تسهم بدورها في تعزيز كوامن مواجهة غير متوازنة طرفها الأول رغبة الشعوب في العيش بدرجة مقبولة من الرخاء والأمن والثاني نهم الاحتكارات نحو المزيد من الهيمنة لضمان الاستمرارية وهي مواجهة غالباً ما تحل عسكرياً من قبل معسكر الدول الصناعية السبع بقيادة واشنطن لتكرس في نهاية المطاف العداء السياسي والاجتماعي بين الشمال والجنوب مع الإبقاء على حالة اللاتوازن واللاعدل في العلاقات الدولية على مختلف الصعد والمقاييس وتحديداً الاقتصادية، وذلك في تجاهل سافر ليس فقط لفشل وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين في دول مثل النمور الآسيوية والأرجنتين وتركيا بل حتى لتحذيرات منظمة الأمم المتحدة التي انتقدت هاتين المنظمتين بسبب تراخي جهودهما وإخفاقهما في تنفيذ مقررات قمة الألفية حول «خفض عدد الفقراء في العالم إلى النصف بحلول عام 2015».

«لا داعي للديمقراطية»…!

والمعطى الثاني الذي برز في دبي كان، وخلافاً لاجتماعات قطر مثلاً، يتمثل في التغييب القسري للمتظاهرين من مختلف أنحاء العالم والذين منعوا من القدوم إلى الإمارات العربية المتحدة وحرموا من أبسط حقوق التعبير عن رأيهم المناهض للسياسات المالية الدولية ونمطها المذكور أعلاه وهو حرمان يشكل ترجمة حقيقية لزيف ادعاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتشدق بها قادة هاتين المنظمتين والغرب عموماً.

تطبيع من الباطن

أما الأخطر في اجتماعات دبي فقد تمثل في أنها شهدت مشاركة إسرائيل فيها دون ضجة حيث ارتفع علم الكيان الإسرائيلي بوضوح سافر فوق أرض عربية أخرى إلى جانب بقية أعلام الدول الـ184 المشاركين في الفعالية مع ما تنطوي عليه تلك المشاركة و«الاستضافة» لجهة تكريس حالة تطبيع غير معلن مع إسرائيل. وتزامن ذلك مع القنبلة التي خرج بها إثر اجتماعه بالمندوب الأمريكي وزير المالية العراقي والتي تعلن استعداد العراق لتمليك الأجانب والشركات الأجنبية ما نسبته مائة بالمائة من القطاعات الاقتصادية والاستثمارية والخدمية العراقية باستثناء قطاع النفط وهو استثناء شكلي إذا ما أخذ في عين الاعتبار حجم التغلغل الاقتصادي الأمريكي الإسرائيلي المستجد والمعلن على ساحة عراق ما تحت الاحتلال عبر الصفقات التجارية وعقود ما يسمى إعادة الإعمار، بما في ذلك الاستيلاء على قطاع النفط العراقي. 

مقدرات العراق في مناقصة سرية

ولا يغيبن عن البال هنا أن هذا الإعلان الذي صادق عليه لاحقاً بعد خلاف عرضي مجلس الحكم العراقي المعين من قبل الاحتلال الأمريكي يعني من الناحية العملية استعداد ذلك المجلس لبيع العراق، ورميه مع مقدراته التي بناها بعرق ودم أبنائه عبر عقود طويلة فريسة سهلة أمام تنافس وجشع الشركات الاحتكارية الدولية على حساب العراقيين المنشغلين حالياً باستعادة حريتهم واستقلالهم السياسي وليشكل بذلك مثالاً صارخاً على الأشكال الجديدة من فرض أنماط «التنمية» التي تريدها واشنطن عبر ثالوثها منظمة التجارة العالمية والصندوق والبنك الدوليين، أي تحقيق التحولات الاقتصادية الاجتماعية المطلوبة قسراً بعد اللجوء لسياسات الغزو وشن الحروب ثم الخروج عسكرياً في وقت مناسب بعد ترتيب صيغ الاستعمار الاقتصادي الليبرالي الجديد بما يبقي على حالة التبعية والنهب بالمحصلة.

كانكون: تجارة حرة تصطدم بمفاهيمها

وكانت اجتماعات المؤتمر الخامس لمنظمة التجارة العالمية في منتجع كانكون المكسيكي شهدت جولة أخرى من تلك المواجهة بين دول الشمال والجنوب وهو المؤتمر الذي كان من المفترض به أن يتابع تنفيذ خلاصات أعمال ما عرف باسم نتائج محادثات جولة الدوحة التجارية في إشارة إلى المؤتمر السابق الذي استضافته العاصمة القطرية حول سبل الوصول إلى التحرير الكلي للتجارة العالمية. غير أن مؤتمر كانكون كسابقيه اصطدم بمفاهيمه الأساسية وترجمتها العملية من جانب دول الشمال الغني وتحديداً واشنطن لجهة الاستمرار في فرض رسوم جمركية حمائية لمنتجاتها وأسواقها وفي تقديم الدعم لمنتجاتها الزراعية وحتى الفولاذية مع فرض توريد منتجاتها المعدلة وراثياً على الدول الأخرى خلافاً لما تطالب به هي ذاتها من بقية دول الجنوب وحتى من حلفائها في الاتحاد الأوربي.

جدلية الاستلاب والمقاومة…

ويزيد من حدة المواجهة، وتحت ذات اللافتات التي تتحدث عن وقف الحروب وثقافة العنف ودعم حقوق الإنسان تلك المطالب التي تريد أن تفرض على دول الجنوب نمطاً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ومعرفياً وذوقياً وتعليمياً وسلوكياً وحياتياً محدداً يأخذ بالنمط الغربي وخاصة «الأمريكاني» بما يبتغي أيضاً تكريس حالة من الخضوع والاستلاب والتبعية المطلقة لدول الشمال الغني وبما يفضي إلى إذكاء كوامن النزاع المولدة لعناصر مقاومة هذا النهج الليبرالي المتوحش وهي ذات المقاومة التي يريد الغرب الآن أن يسميها عنفاً.

فشل المؤتَمِرِين يوازيه انتحار مجاني

وبينما انتهى بعدم الاتفاق على إطلاق مباحثات جولة الدوحة شهد الاجتماع ضغطاً بارزاً من قبل مجموعة الدول النامية التي ركزت على أولوية التنمية على التجارة الخارجة عن عقال الحدود، في حين شهد محيط الاجتماع تظاهرات واحتجاجات شعبية عارمة ومتعددة الأشكال ضد السياسات المالية الدولية وسياسات الحروب المنهجية التي تلجأ إليها المراكز الإمبريالية لتحقيق مآربها كما هو الحال مع العراق. وفي بعض التظاهرات التي جابت كانكون وبعض المدن المكسيكية وسط إجراءات أمنية مشددة حمل بعض المتظاهرين نعشاً يجسد منظمة التجارة العالمية في حين بلغت ذروة الاحتجاجات في إقدام متظاهر قادم من كوريا الجنوبية على إحراق نفسه عل ذلك يحرك شيئاً في ضمائر الشعوب وأفئدة المؤتَمِرِين ولكن خطوته تلك جاءت في وقت قد تحتاج فيه الحركة الدولية الصاعدة والمناهضة للعولمة الليبرالية المتوحشة إلى شهداء من صفوف مناضليها وقد تضطر إلى تقديمهم ولكنها في كل الأحوال لا تحتاج إلى ضحايا جدد ومنتحرين مجانيين.

■ عبادة بوظو

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.