مكافحة الفساد في الأراضي المحتلة.. الحرية تبدأ من هنا

يبدو أن احتفاء الشارع في الأرض المحتلة بكشف أوراق الفساد أعلى وأوسع من احتفاله بنتائج الانتخابات الأخيرة. وإذا ما تم دفع هذه المسألة إلى مداها الأوسع، فإنها ستكون مسألة عالمية بحجم القضية الفلسطينية نفسها. بعبارة أخرى، سنكتشف جميعاً أن الفساد مرتبط بالسياسة، وأن هذا الفساد العظيم هو قمة جبل الجليد لمشروع التسوية الذي هدفه في التحليل النهائي تقويض حق العودة. لا نقول هذا تحويلاً للنقاش والعمل عن رموز الفساد وتوابعهم من الفلسطينيين، ولكن لأن الأمر أكبر من هؤلاء وحدهم بالفعل.

لن نتحدث هنا عن تفاصيل الفساد في فترة سلطة الحكم الذاتي، فهذه لها ملفاتها وأرقامها وشخوصها وضحاياها بالطبع. وما نأمله أن لا يتم بأي حال من الأحوال طيّ هذا الملف، وهو ملف معظم رموزه من رجال السلطة الفلسطينية. لكن التحالف في السياسة يعكس نفسه ويتجلى كتحالف في الفساد. فالشراكة هنا شراكة هناك. وبتحديد أكثر، قد يكون معظم من طالهم التحقيق والضبط وإلقاء القبض من حركة سياسية معينة، هي الحزب الحاكم، ولكن هذا لا يعني أن من شاركوا في هذه السلطة، ولو بأعداد صغيرة، لم يلمسوا الفساد أو لم تلحقهم كما يقول المثال "مصِّة إصبع". ولو كانوا ضد وخارج عملية الفساد لكانوا فضحوها وتركوا مناصبهم أو تلك الشراكة. ومع ذلك، يستطيع البريء إثبات نظافته.

لم ينحصر الفساد في السلطة، ولكن كان كل فساد بحجم الطرف وحجم إمكانياته. ومن يعرف بنية البلد كان يسمع من هذا التنظيم أو ذاك أن قيادياً أو كادراً سرق أموال التنظيم وأقام مشروعا أو بنى فيللا، لكن التنظيم حفاظاً على سمعته "بلعها".

وحتى الأشخاص من التشريعي الأول أو من خارجه الذين تحدثوا عن الفساد وفتحوا بعض ملفاته، نسألهم : لماذا سكتوا عن طي الملفات وعن ذريعة «نقص الأدلة». مع أن الأدلّة متوفرة تماماً!!  لقد قرأت الكثير من الأدلة، وكتبت للأخ حسن خريشة تحليلي الاقتصادي لحالتي بنك فلسطين الدولي والأسمنت بناء على الأدلة.

وبعيداً عن أوساط السلطة وحلفائها، هناك فرقاء أخرون شركاء في الفساد:

الفريق الأول: أنظمة عربية وإفساد منظمة التحرير الفلسطينية

ليست التسوية ومشروع أوسلو هما مصدر فساد السلطة الفلسطينية. لقد كان تركيب وعلاقات منظمة التحرير الفلسطينية مدرسة في الفساد المالي. ولكن المقاومة نفسها كانت غطاء لهذا المستور، أي أن شرف المقاومة وقدسيتها ساهمت في إخفاء تلك المسلكيات وجوهرها الفضائحي.

ويكون من قبيل التسطيح والشكلانية نسب الفساد إلى الحكام العرب، فلولا القابلية الفلسطينية لما استشرى الفساد هكذا. وهذا يفضي إلى سؤال: لماذا كانت الأنظمة العربية معنية بإفساد م. ت. ف؟

     يجد هذا السؤال إجابته في طبيعة الأنظمة العربية وارتباطها بالمشروع الإمبريالي الصهيوني وعدائها لمشروع المقاومة وقرارها الداخلي الذاتي الاعتراف بالكيان الصهيوني الأشكنازي، وفي النهاية شطب حق العودة واجتثاث البعد القومي العربي للصراع. هذه الأسباب لا شك كافية لتقف الأنظمة العربية في خندق تقويض المقاومة بطرق شتى، إحداها احتواء المقاومة بالمال بما يفضي إلى ثراء هذه المقاومة وفسادها وهو على أية حال ما انتهى إلى تحول المنظمة إلى دولة (وليس فقط حكومة) منفى ليكون مصيرها اتفاق أوسلو.

وبهذا المعنى، يكون أحد أطراف الفساد هي أنظمة عربية. ولا نقول هذا لمطالبة النائب العام في غزة باستدعاء الحكام العرب، من ماتوا ومن ظلوا، ولكن على الأقل لوضع الإصبع على مجمل مسببات الداء.

الفريق الثاني: المانحون

وحدهم المانحون هم الذين يعرفون كم حولوا للسلطة الفلسطينية من أموال. وهم بالطبع أوّل من لاحظ الفساد وهدر الأموال وسرقتها. ووحدهم الذين أتوا متأخرين للحديث عن الفساد. يقول البعض ان الأوروبيين تحدثوا عن فساد السلطة بعد إقامتها بعامين. لا بأس، ولكنه كان حديثاَ شكلياَ لم يتخذوا على ضوئه أي قرار فعلي أو أي نقد حقيقي. وحينما كان يتحدث بعض الأوروبيين عن الفساد، كان يقوم آخر بامتداح آليات الإنفاق المالي للسلطة ليمسح ما قاله سابقه.

ليس من السهل التصور بأن المانحين لم يسجلوا مقادير تحويلاتهم إلى سلطة الحكم الذاتي، وليس من السهل القول إنهم كانوا عاجزين عن متابعة هذه الأموال. والحقيقة أن هدف التحويلات كان سياسياً استراتيجيا بالتحديد. فما يريده الغرب الرأسمالي بمجموعه هو تقديم ريع مالي مقابل موقف سياسي اتخذته قيادة الحكم الذاتي وهو الاعتراف بالكيان الصهيوني. لذلك أطلقوا يد هذه السلطة، وأطلقت هي يدها في نهب الأموال التي قُدمت "شكلياً" لمساعدة الشعب الفلسطيني وهي عملياً منحة لمن وقعوا اتفاق أوسلو، وتشجيعا لهم على الاستمرار وتثبيتا لهذا الاتفاق. فموقف الغرب الرأسمالي من القضية الفلسطينية ملخصه ما يلي: «خُلقت إسرائيل لتبقى وطُرد الفلسطينيون كي يُوطنوا بعيداً عن حدود فلسطين». وعليه، فلا بأس من بعثرة بضعة مليارات من الدولارات طالما تقود إلى تحقيق هذا الهدف. فبوسع دولة نفطية عربية دفع هذا المبلغ، وبوسع ثري صهيوني في أمريكا دفعه أيضاً.

الفريق الثالث: فريق الأنجزة

تعج المناطق المحتلة بالمنظمات غير الحكومية الممولة من الغرب الرأسمالي نفسه. وتزعم هذه المنظمات أنها تقوم بأعمال تنموية في هذه المناطق، وأنها «تبني» المجتمع المدني والديمقراطية وتحرير المرأة....الخ ويتم تمويل هذه المنظمات بتحويلات هائلة من الغرب الرأسمالي نفسه. ولأن الغرب هو مصدر تمويل السلطة من جهة، ولأن السلطة نفسها فاسدة من جهة ثانية، لم يكن بوسع السلطة مساءلة هذه المنظمات عن أسباب ومصادر وآليات تمويلها.

وعليه، فإن فتح ملف فساد السلطة، يجب ألا يعني التغاضي عن ملف هذه المنظمات. فهي جميعاً حصلت على ما حصلت عليه باعتباره مساعدات للشعب الفلسطيني. وبالطبع كان بوسع المانحين مساءلة هذه المنظمات، وبوسعهم كذلك توجيه المساعدات إلى مؤسسات مجتمعية وليس إلى مكاتب فردية أو شخصية. فبدل تمويل مكتب لسيدة يمكن التوجه إلى اتحاد المرأة، وبدل تمويل مؤسسة لطبيب يمكن التوجه إلى نقابة الأطباء...الخ.

وبالإجمال، ليست هذه المنطقة وحدها التي واجهت ظاهرة الفساد وكشف هذه الظاهرة تحت دولة «رخوة» حسب تعبير الاقتصادي السويدي جونار ميردال. فلا شك أن من قاموا بالسرقات قد اكتسبوا مهارات الإخفاء وتزوير الملكية ونقلها إلى زوجاتهم وأقاربهم وأصهارهم وربما أسماء أخرى لا تمت بصلة قرابة تثير الشبهات. وهذا يعني وجوب التنبه إلى أمور من هذا القبيل والاستماع إلى من يعرفون علاقات هؤلاء وارتباطاتهم.

الفريق الرابع: اقتصاد بلا رصيد

قد تكون هذه الفئة هي الأوسع من بين فرقاء الفساد. وقد تكون هي الأوضح والتي لا تحتاج إدانتها إلى شواهد. لقد عاث الفساد بالأرض المحتلة إلى درجة أصبح فيها كل مواطن بانتظار الواسطة التي ستجلب له سيولة مالية وهو في البيت. أصبح الناس بين فاسدين ومفسدين وبين من يتمنى لو يلحق به شيء ما، وتضاءل عدد الذين رفضوا «عَرَضَ الدنيا» لدرجة تهيأ للمرء أن الكل متورط. والحقيقة أن التورط كان واسعاً. كان هدف الفاسدين إفساد كل الناس كي لا يبقى من يعترض أو يلمس في نفسه الثقة بالذات ليقوم بالتغيير. فانتشرت الواسطة والمحسوبية، واستخدام مختلف الأساليب للوصول إلى الغايات المالية. ولعل أحد أوضح المظاهر إشكالية الديون بين مختلف أفراد المجتمع. ففي حين كان عدد فروع البنوك محدوداً قبيل مجيء السلطة وكانت البنوك بنوكاً تجارية صهيونية، تضاعف عدد البنوك وفروعها لتقوم في معظمها بضخ المدخرات المحلية إلى الخارج بحيث لا يتم توفير سيولة للإقراض إلا بشروط تعجيزية. الأهم من هذا أنه أصبح بوسع كل مواطن فتح حساب وكتابة شيكات للمواطن الآخر. وجرياً على كون الفساد هو جوهر الاقتصاد السياسي للضفة والقطاع، لم يقم معظم الناس بتغطية شيكاتهم جرياً على القول: « كله فاسد فلماذا ادفع»؟

وهكذا قلبنا معادلة «كل مواطن دائن ومدين» إلى معادلة كل مواطن مكشوف لكل مواطن، وكأن كل ما في البلد مجرد قطعة عملة واحدة أصدر كل مواطن شيكاً للآخر لتحصيلها، وفي النهاية أصبحت حالة «صنمية- فيتيشية» بالنسبة لكل صاحب حق! أما السلطة، فابتعدت كليا عن محاولات التحصيل طمعاً منها بأن يشتبك وينشغل كل مواطن ضد الآخر.

هناك الكثير مما يمكن أن تقوم به السلطة الجديدة. فعشرات الآلاف من الأجهزة الشرطية والأمنية يمكنها ضبط لصوص الشيكات وهم بعشرات الآلاف (صغارا وكبارا) وخاصة كبارهم الذين سرقوا أموال العباد وما زالوا يرتعون تحت حماية فاسدين في السلطة. لقد توجه كثير من المواطنين إلى مكاتب "البلطجية" لتحصيل شيكاتهم التي لم يكن لها رصيد، أما البلطجية فخصموا عمولات وصلت إلى خمسين بالمائة مما حول البلطجية من «فئة رثة» إلى قطط سمان. أما القانون فهو في غفوة أهل الكهف!

لا شك أن ما على حماس القيام به هو أثقل من تنظيف «إسطبلات أوجياس» ولكن من يتنطح لمهمة عليه القيام بها، وإذا ما سارت السلطة الجديدة في هذا المسار، فإن الالتفاف الشعبي وراءها سيكون واسعاً لا ريب. فكل المطلوب قرارات وتنفيذ.

 

■ د. عادل سمارة