_

ماذا عن مؤتمر دول التعاون الخليجي؟

ترافق مؤتمر دول التعاون الخليجي الأخير مع حملة من التهويش الإعلامي الكبير، عمدت إلى تحويل هذا المؤتمر إلى حدث سياسي ينبغي له أن يقف في وجه انطلاق مشروع إيران النووي، وذلك بالاعتماد على عدة محاور تمت مناقشتها خلال المؤتمر.

 كان من أبرز هذه المحاور، طرح مشروع الوحدة بين دول التعاون الخليجي، كشكل من أشكال المواجهة الذاتية بعد وضوح تراجع الدور الأمريكي في المنطقة، إلا أنه من الواضح أن هذه الوحدة صعبة الإنجاز في بلاد تعاني من التبعية السياسية، ناهيك عن كم التناقضات السياسية والاقتصادية التي تعيشها دول الخليج العربي فيما بينها، إذ ينفرد كل بلد من بلدان الخليج العربي بواقع سياسي واقتصادي منفصل ومتباين إلى حد ما وذلك بسبب تقاسم الأدوار الوظيفية لدول الخليج في إطار الصراع العالمي والمنطقة و المرسوم غربياً منذ بدايات القرن العشرين.

 لا تقبل السعودية على سبيل المثال أن تتحد مع اليمن المصنفة بالترتيب الثاني دولياً بسوء التغذية، وخصوصاً في ظل الظروف التي يعيشها هذا الأخير بعد تفجرالوضع السياسي فيه، ونشوء حراك شعبي فيه يعد نموذجاً متقدماً من الناحية السياسية في منطقتنا.

الكويت أيضاً تملك حركة سياسية متقدمة نسبياً عن بقية دول الخليج، ناهيك عن مصلحة الولايات المتحدة التي لا تتناسب حالياً مع هذه  الوحدة بسبب عدم وجود الضمانات الكافية لاستمرار أي نموذج جديد بتقديم ذات المهمات بالتكاليف نفسها.

يَعْتَبر الغرب أن السعودية ممول مالي ونفطي رئيسي و موثوق عبر عائلته المالكة الحالية في ساحات الصراع الدولية ، أما قطر فهي مركز منافس  للسعودية أيضاً ، وهي منتج رئيسي للغاز كما أنها تملك وزناً مالياً ودوراً إعلامياً وثقافياً برز بوضوح في الفترة الأخيرة، كما ظهرت أيضاً بعض التناقضات بينه وبين الدور السعودي وإن استمرا بعملية تكامل الأدوار.

أما الإمارات العربية المتحدة التي تمارس سياسة النأي بالنفس وذلك لضرورات الاستقرار المالي، فهي إحدى أهم مراكز تبييض الأموال على المستوى الدولي. تظل الحلقة الأضعف تلك الأسرة الحاكمة في البحرين والتي سعت لطرح مشروع الوحدة بشدة على أمل ابتلاع الحراك الشعبي الذي فجرته تناقضات سياسية واقتصادية مختلفة جرى نسبها زوراً إلى أسباب طائفية.

 جاء البيان الختامي ليُعلّق ويُسوف بالقضايا التي تخص الوحدة بين دول الخليج التي تعتبر صعبة الحصول فعلياً في ظل حاجة الإمبريالية العالمية لتفتيت المفتت.  وتم إعتماد أولوية ملاحقة إيران دولياً، كما اُتخذت إجراءات لتطوير دور القطاع الخاص في اقتصاداتها المحلية.

هاجم المؤتمر علانية مشروع المفاعل النووي الإيراني في بندين ناقشا البيئة والثروة السمكية، حيث تم تحميل التردي البيئي وتراجع الثروة السمكية في الخليج ليس للحروب التي أشعلتها الولايات المتحدة في المنطقة، ولا للمناورات التي تقوم بها الولايات المتحدة في قواعدها العسكرية على امتداد سواحل الخليج العربي، بل حمّلتها للمشروع النووي الإيراني على وجه الخصوص، وهو المشروع الذي يقلق راحة الأمريكيين منذ زمن.

 ليس جديداً القول إن الولايات المتحدة باعتمادها على سياسة الدفع من الخلف تحاول استخدام كل الأوراق السياسية لديها للتخلص من هذا المشروع، وهذا ما بدا فعلاً في قمة مجلس التعاون الخليجي، والتي طرحت من حيث الشكل موضوع الوحدة الخليجية، بعد أن طرحت سابقاً عدة مشاريع لتوسيع هذا المجلس، حيث باءت محاولات ضم الأردن والمغرب بالفشل، كما لم تنجح محاولات استيعاب مصر حتى اللحظة. يضاف هذا الفشل إلى الفشل المتكرر لتطوير الاتحاد، فمشروع الوحدة النقدية على سبيل المثال تم تأجيله لعدة سنوات إلى أن أُلغي مؤخراً.

أما من الناحية الجوهرية فقد بدا أن المطلوب من هذا الاجتماع هو الاستمرار في تجميع كل القوى الاقتصادية والسياسية بوجه الجمهورية الإيرانية. فالنتيجة الأبرز هي إنشاء قيادة عسكرية موحدة لدول المجلس ليس للتصدي لإيران فحسب بل لتكريس القمع بوجه احتمالات تغيرات شعبية كبرى، حيث تمت تجربة هذا النموذج في البحرين وشرق السعودية وقد لانستبعد وصولها إلى الكويت أو اليمن قريباً.

إن الأهداف السياسية لهذه القمة لم تغادر الإطار التاريخي لدور دول الخليج في منظومة الإمبريالية العالمية، بل هي استمرار لها وتعبير عن أزمتها التي تتزايد يومياً.