الأمم المتحدة تتسول باسم سورية وتعطيها «الفتات».. ووزارة الشؤون الاجتماعية تجمّد لجنة «التحقيق بالتجاوزات»

الأمم المتحدة تتسول باسم سورية وتعطيها «الفتات».. ووزارة الشؤون الاجتماعية تجمّد لجنة «التحقيق بالتجاوزات»

رغم دخول الأزمة عامها الرابع، ووصول الوضع الاقتصادي لبعض الأسر السورية إلى حالة «يرثى لها»، بظل فقدان مصادر رزقها، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، بالإضافة إلى رفع أسعار بعض المواد المقننة رسمياً، لم يتم وضع حد جدي لحالات السرقة والتجاوزات في عمل بعض الجمعيات الخيرية المعنية بتوزيع المعونات والمساعدات على المحتاجين.

اشتكى عدد من المواطنين لـ«قاسيون» من «تفاقم قضية التلاعب بمستحقات الأسر المحتاجة من المساعدات الإنسانية المقدمة عبر الجمعيات الخيرية»، مؤكدين «وجود حالات سرقة وتجارة علنية بحقوقهم».

 

المعونة لمن ليس بحاجة

وقال البعض «إن هناك جمعيات تمنح من هم ليسوا بحاجة، معونات شبه دورية على حساب أسر محتاجة»، مبررين ذلك بأن «هؤلاء من أصحاب المحسوبيات و(الواسطات)». وأكدوا أن «الجمعيات تعاني بظل هذه المحسوبيات من نقص في مخصصاتها، ما يدفعها لتأجيل المحتاجين لأشهر حتى يحصلوا على مستحقاتهم، مع أنهم بأمس الحاجة لها».

وأضافوا «هناك ملامح لتجارة دنيئة داخل هذه الجمعيات التي تقوم ببيع الحصص للتجار بأسعار زهيدة، ليقوموا بدورهم ببيعها في الأسواق، التي انتشرت علناً ومكانها معروف للجميع منها مخيم جرمانا، عدا عن محال تجارية تعرض هذه المعونات للبيع في الأماكن القريبة من مقرات الجمعيات».

والجمعيات الخيرية، لا تدفع ثمناً للمساعدات التي تحصل عليها باسم الأسر النازحة المحتاجة، وتزود بها عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية وفقاً لكشوف ترسل إليها، أو عبر بعض المنظمات العاملة في سورية، منها الهلال الأحمر، بظل عدم وجود طرف رقابي جدي على عمل هذه الجمعيات اليومي، حيث تكتفي الجهات الرسمية بالكشوف الورقية للرقابة والتحقيق.

شكاوى كثيرة طالت عمل الجمعيات الخيرية العاملة في سورية فيما يتعلق بتوزيع المساعدات الإغاثية.

 

الوعود المعسولة

رئيسة دائرة الجمعيات التابعة للإدارة المركزية بوزارة الشؤون الاجتماعية سوزان جمول، عبر إذاعة ميلودي اف ام، اتهمت منظمات الأمم المتحدة بالمسؤولية عن التقصير والسرقات التي تتعرض لها المساعدات والمعونات المرسلة إلى الأسر المحتاجة في سورية، قائلة «الأمم المتحدة تتسول باسمنا من الدول المانحة لكنها لا تعطينا إلا الفتات».

وقالت «وعدتنا الأمم المتحدة بتوزيع ما قيمته مليار و41 مليون دولار على أن يستفيد منها 9.3 ملايين سوري، لكن للأسف منذ شهر كانون الثاني من العام الماضي وحتى شهر كانون الأول من العام ذاته كانت نسبة التنفيذ لا تتجاوز الـ28%، بينما من المفترض أن تصل إلى 50%» مؤكدةً أن «ما نفذته الأمم المتحدة خلال نصف العام الحالي لم يتجاوز الـ8%».

وأكدت ضبط أكثر من 13 حالة لتجاوزات في الجمعيات الخيرية خلال 3 سنوات، مشيرةً إلى أنه «في حال وجود مخالفات يتم قطع مخصصات الجمعية، أو يرسل شخص من الوزارة ليكون ضمن اللجنة الإغاثية في الجمعية، وفي حال وجود مخالفات مالية يتم تحويل المعنيين للرقابة والتفتيش ويحول الملف إلى القضاء».

 

تبرير أقبح من ذنب

وبررت جمول امتناع بعض الجمعيات عن توزيع المعونات بأنه «ليس ذنبها» بظل وجود تقصير من قبل الجهات المانحة، مشيرةً إلى «وصول شكاوى بشكل يومي، لكن يجب أن نفهم الموضوع من زاوية أخرى، فالكادر المتطوع في الجمعيات الخيرية يتراوح ما بين 8 أو 10 أشخاص ويتم توزيع 10 آلاف سلة يومياً».

وحول اتهامات البعض بسرقة المعونات من قبل الجمعيات الخيرية، قالت جمول إن «التوزيع يتم على أساس قوائم تزود بها الوزارة واللجان الإغاثية بالمحافظات، وعند الانتهاء من التوزيع ترفع الجمعيات كشوفات بالمدخلات والمخرجات للتدقيق».

وتابعت «السلل الغذائية توزع كل شهرين تقريباً، وإذا لم توزع بالكامل تبقى السلل الزائدة عند الجمعية وتحسم من حصتها الشهر التالي».

وأردفت «لدينا مشكلتان تعاني منهما الجمعيات، فإذا دققت بالأوراق المطلوبة لتوزيع السلل الغذائية يشتكي المواطنون الذين هجروا من منازلهم وفقدانهم للأوراق الرسمية، وإن لم يتم التدقيق، يتم التوزيع لأشخاص لا تشملهم المعونة، لا يوجد وقت لتشكيل برنامج متكامل فالوضع الإغاثي يضطرنا للتنفيذ مباشرة» مضيفةً «هناك جمعيات تخدم 6000 أو 7000 أسرة ولا يجوز إبخاسها حقها مقابل بعض الأخطاء».

 

الرقابة الورقية

وحول التجاوزات في مراكز الإيواء، قالت جمول «يوجد مطبخ في كل مركز إيواء هو الأساس، وتقوم الجمعيات القائمة على هذه المراكز بتزويدنا شهرياً بكشوفها، ومن الصعب جداً وجود رقابة يومية من الوزارة على التوزيع».

وبناء على ذلك، يتبيّن بأنه ليس هناك أي دور رقابي من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية على عمل الجمعيات عند توزيع المعونات والمساعدات الاغاثية، بينما يقتصر العمل الرقابي على ما ترفعه هذه الجمعيات من أوراق، ما قد يفتح باباً لضعاف النفوس للتلاعب بهذه المساعدات غير مدفوعة الثمن والتي لا تخضع للرقابة.

وتحصل هذه الجمعيات على المعونات، عبر كشوف بأسماء وأرقام ترفعها لوزارة الشؤون، توضح عدد المستفيدين منها، والتي من المفترض أن يتم توزيع المساعدات عليها، وهنا تقوم الوزارة بدراسة هذه الأسماء ورقياً وتزويد الجمعيات بما تريده.

وكانت هناك تقارير سابقة، أكدت بأن مراكز الإيواء وغيرها من جمعيات، تعمد على تسجيل أسماء وهمية لأسر سورية، بهدف الحصول على حصصها والمتاجرة بها، حيث قال مصدر مطلع  لصحيفة «قاسيون» سابقاً بداية العام الحالي، إنه «كانت تصادفنا بهذا الصدد مفاجآت كثيرة منها الفرق الكبير بين عدد العائلات الموجود حقيقة في المراكز وعدد العائلات المسجلة في تقارير قسم الإغاثة وعلى سبيل المثال في مراكز إيواء الحرجلة لم نشاهد ما يزيد عن 200 عائلة والرقم المسجل لدى قسم الإغاثة تجاوز 2300 عائلة».

وتحدث المصدر عن ذات التجاوزات في عدة أماكن تحوي مراكز إيواء بريف دمشق ووثقها بالأرقام ومنها (العدلية- زاكية- خيارة دنون- الغزلانية- والتل) مؤكداً أن «العاملين في كل من صحنايا وجرمانا- قسم الإغاثة- يمتلكون القدرة على تحريك الحصص كيفما شاؤوا حيث يكفي أن تعرف رقم أحدهم أو أن تعرفه شخصياً للحصول على حصة إغاثية».

جمول قالت إن «الوزارة تعمل حالياً على برنامج جديد لأتمتتة عمل الجمعيات الإغاثية بحيث يخفف من هذه المشاكل في توزيع المعونات».

 

رغم التجاوزات.. الباب مفتوح

ورغم قلة المساعدات المقدمة والتقصير الحاصل من قبل الجهات المانحة بحسب ما تقدمت به جمول، إلا أنها أكدت على أن «الباب مازال مفتوحاً لترخيص المزيد من الجمعيات الإغاثية الجديدة» مشيرةً إلى أنه «أسبوعياً يتم ترخيص جمعيتين على الأقل، والآلية جداً بسيطة، حيث يأتي صاحب الطلب إلى الوزارة لتأسيس جمعية، وبدورنا نقوم بدراسته من 30 حتى 35 يوماً، وتتم إستشارة الوزارة المعنية بقطاع عمل الجمعية (صحي، خدمي، ..)، وبعدها تتم الموافقة على الجمعية».

وعلى هذا، لا توجد آلية معينة لدراسة الأشخاص المتقدمين لترخيص الجمعيات الإغاثية، للحد من التلاعب بالمعونات لاحقاً، وعلى هذا اعترفت جمول  بـ«عدم وجود معايير دقيقة 100% لدراسة الأشخاص المؤسسين، كون المعاملة في النهاية تكون مع بشر، ومن الصعب دراسة تصرفاتهم مسبقاً».

 

تحقيق منذ عام ونصف ولم ينته

وحول قضية عمرها أكثر من عام ونصف، وفي كتاب صادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية برقم (ق/2/1699) تاريخ 1/12/2013، يشير إلى شكوك من قبل رئاسة مجلس الوزراء تدور حول بعض موظفي الهلال الأحمر والعاملين فيها «لقيامهم بتصرفات لا أخلاقية ومخالفة ولاسيما فيما يتعلق بتوزيع السلل الغذائية»، قالت جمول إن «التحقيقات لم تنته بعد، ولا توجد أدلة واضحة حتى الآن».

وتابعت «الهلال الأحمر منظمة تطوعية ببرامج بسيطة، وخلال الأزمة قامت بتأهيل كوادر جديدة، ومع ذلك لا ننكر وجود حالات فساد لكن يجب أن نقدر حجم العمل الكبير لديهم».

 

الشؤون الاجتماعية تعطّل عمل لجنة التحقيق!؟

في حين تحدث مصدر مطلع في وزارة الشؤون الاجتماعية لـ«قاسيون» عن مصير اللجنة المشكلة بقرار من وزيرة الشؤون الاجتماعية للتحقيق في مضمون الشكاوى المذكورة في الكتاب المذكور أعلاه، قائلاً «حتى الآن وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر لم تصدر عن وزارة الشؤون أي إجراءات متخذة بهذا الصدد، ولم تفعل اللجنة المشكلة برئاسة معاون وزير الشؤون الاجتماعية أي شيء يذكر، أي لم تنفذ مهمتها المكلفة بها. وهو ما يشير ضمناً إلى وجود تعطيل وتجميد لعمل اللجنة، واحتمال وجود أطراف ذات ثقل ومتنفذة لها صلة بهذه التجاوزات، خاصة مع ظهور مؤشرات جديدة في الوزارة تمثلت بنقل أحد أعضاء اللجنة المذكورة وهو مدير الخدمات الاجتماعية إلى وزارة العمل، وأيضاً صدور قرار بنقل عضو آخر، وهو مدير الدراسات القانونية، إلى مديرية شؤون ريف دمشق بشكل تعسفي وتحت مسمى مقتضيات المصلحة العامة».!؟