جرائم قتل روح العاصمة دمشق تستمر!

جرائم قتل روح العاصمة دمشق تستمر!

أعادت محافظة دمشق إحياء مشروع المرائب الطابقية القديم على حساب حدائقها ومنتزهاتها، رغم تكرار الفشل فيه لأكثر من مرة خلال السنين الماضية!

إذ كشفت المحافظة أن مشروع مرائب السيارات تحت الحدائق العامة لم يتم طيه أو التراجع عنه، حيث أعلنت المحافظة عن طلب عروض لإنشاء واستثمار مرأب للسيارات تحت حديقة المدفع، وفق نظام الاستثمار (BOT).
وبحسب الإعلان فقد تم تحديد مدة العقد للمشروع بـ 25 سنة، منها سنتان للتنفيذ بدءاً من تاريخ تبليغ المستثمر أمر المباشرة، و23 سنة مدة الاستثمار!
وكذلك حدّد الإعلان تاريخ 13 تموز المقبل موعداً لفض عروض المشروع، مع التأكيد على وجوب تسديد تأمينات أولية بقيمة 50 مليون ليرة كشرط للتقدم، تُدفع بموجب شيك مصدّق لأمر المحافظة أو بموجب كفالة مصرفية.
لن نخوض بأهمية وضرورة وجود مرائب للسيارات في العاصمة، فهذه مشكلة قديمة ومزمنة سببها الرئيسي المحافظة نفسها التي لم تعر هذا الموضوع الأهمية الكافية خلال العقود الماضية، لا بمشاريعها ولا بمخططاتها التنظيمية ولا ببعض الأماكن التي يمكن الاستفادة منها لهذه الغاية!
لكن ما يعنينا من أمر حديقة المدفع المستجد الآن أن حق المواطنين في هذه الحديقة سيعلق لمدة عامين على أقل تقدير، طبعاً هذا في حال استكمل تنفيذ المشروع خلال المدة المحددة ولم يتوقف لسبب أو لآخر، كما حدث في حديقة السبكي التي قلبت رأساً على عقب تحت العنوان نفسه سابقاً!
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تركز المحافظة على الحدائق العامة لإقامة مثل هذه المشاريع، وهي المتنفس الوحيد لأهالي دمشق، وتعتبر جزءاً من إرثهم وتاريخهم؟
وهل سألت الجهات الرسمية نفسها عن مشروعية حقها بالتصرف في الملكيات العامة، أو عن إمكانات وبدائل أخرى غيرها لمشاريعها؟

التعدي على الملكيات العامة لتحقيق الأرباح!

وضعت محافظة دمشق منذ عام 2007-2008 خارطة متكاملة لإنجاز مرائب تحت الحدائق وتحت الساحات العامة في العاصمة، وتم حينها توقيع مذكرة تفاهم مع شركة ماليزية أجرت دراسة كاملة للمواقع المختارة، ووضعت التصاميم الأولية للمرائب الأرضية وللحدائق التي سيعاد تأهليها لتصبح حدائق نموذجية وفق المعايير العالمية، وقد توقف المشروع بعد ذلك قبل أن يبدأ، إلى حين عهدت محافظة دمشق لشركة خاصة عدّة حدائق لإقامة مرائب طابقية تحتها، ووقّعت مذكّرة تفاهم معها لبناء 11 مرأباً تحت الحدائق والساحات العامة، مثل حدائق الصوفانية والسبكي وعرنوس وطلائع البعث في المزة والبرامكة وغيرها!
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض مواد مذكرات التفاهم التي رشحت تعتبر مطاطة- بذريعة تشجيع المستثمرين- فهي تتيح للمستثمر تحويل الحديقة إلى كتل بيتونية من أكشاك ومطاعم وفعاليات تجارية واستثمارية وترفيهية أخرى، في حين تبقى بعض الشجيرات اليتيمة في الحديقة، لكن المشروع توقف لاحقاً هو الآخر!
وهذا ما أكده محافظ دمشق السابق عادل العلبي خلال اجتماع لمجلس محافظة دمشق عام 2020، حيث قال: «سيتم السماح للمستثمر بإنشاء طابق تجاري أسفل الحديقة، وعدة طوابق تحته تستخدم كمرائب، وذلك لتحقيق عائد مالي جيد ممّا يشجع المستثمرين على التقدّم للمشروع»!
فمن الواضح من خلال توجهات المحافظة وآليات عملها بهذا الشأن أنها لا تعتبر الحدائق العامة، وما تبقى من منتزهات محدودة داخل العاصمة، أنها أملاك عامة بعهدتها، بل ملكيات خاصة بها يحق لها بذريعة زيادة العائدات أن تضعها بالاستثمار، بغض النظر عمّا سيصيب هذه الحدائق والمتنزهات من تشوه أو تقليص بالمساحة المخصصة فيها للمواطنين، وطبعاً كل ذلك يصب في مصلحة بعض أصحاب النفوذ والمال، الباحثين عن أعلى وأسرع ربح، على حساب حقوق المواطنين بهذه الحدائق، ومن جيوبهم أيضاً، فقد أصبحت هذه الحقوق في مهب رياح الاستثمار الربحي، استغلالاً وفساداً!

جزء من التاريخ والتراث!

حدائق العاصمة، بالإضافة إلى كونها متنفّساً لسكان دمشق والوافدين إليها يومياً، فهي تمثل جزءاً من تاريخ وتراث المدينة يجب الحفاظ عليه وعدم التفريط به، ولا فضل للرسميين بإبقائها بعيداً عن الاستثمار وأوجه التخريب عبر تحويلها إلى بوابات للتربح!
فقد سبق أن صرح فيصل سرور عضو المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق لقطاع التخطيط والإحصاء بقوله: «إن المحافظة ترفض يومياً عروضاً تقدم إليها لاستثمار الحدائق العامة أو أجزاء منها، والتي تأتي من داخل البلد وخارجه ومن شركات خاصة ومشتركة، حتى تبقى متنفساً لأهل دمشق، رغم أن ذلك يعود عليها بالمليارات».
الرفض المعلن السابق يؤكد أن المحافظة تعتبر الحدائق العامة جزءاً من ممتلكاتها الخاصة التي يحق لها التصرف فيها بما يناسب أهواءها، وفوق ذلك فإن التصريح أعلاه يحمل بطياته التمنين على أهل دمشق بما تبقى من متنفسات فيها!
ومع ذلك فإن هذا الرفض والتمنين يعتبر لغواً ليس إلا، فمشاريع الاستثمار التي طغت على متنفسات العاصمة أكثر من أن تعد، ناهيك عن التخريب الذي طال بعضها!

هل تذكرون؟؟

لن نبتعد كثيراً فمدينة المعارض القديمة، الممتدة من ساحة الأمويين إلى جسر الرئيس، وما حصل بحقها من تشويه وإعدام، خير دليل على حسن نوايا ومساعي الجهات المعنية في تجميل المدينة وتحسين واقعها الخدمي!
فقد تم تحويلها من منطقة خضراء ظليلة، تحمل ذكريات ليالي معرض دمشق الدولي وحفلات فيروز وفسحات أهل دمشق ووافديها، إلى كتل بيتونية قبيحة ومتفرقة وغير متجانسة ولم تستكمل، وإلى مناطق جرداء بغالبيتها، إرضاءً لمستثمرين ومتنفذين يريدون ابتلاع كل ما يشي بالحياة في المدينة لزيادة ثرائهم وبطرهم فقط لا غير، وكذلك لتنفيذ رغبات من لهم مصلحة بمحو ذاكرة دمشق وتراثها وتاريخها!
كذلك مشروع إقامة مرأب طابقي للسيارات تحت حديقة السبكي، الحديقة التي أنشئت منذ ما يزيد عن 67 عاماً بمستوى هندسي ومعماري لائق وجميل، حيث تم تسليمها لمستثمر قام بقطع أشجارها المعمرة التي يصل عمر بعضها إلى أكثر من مئة عام، وتم تدمير سورها وسور بحيرة البط فيها، وتحويل ملجئها إلى استثمار تجاري لم يكتمل رغم سوئه، إذ توقف المشروع فجأة بعد تخريب بيئتها وحرمان السوريين منها، حتى جاء عام 2016 وأكملت المحافظة ما بدأ به المستثمر استكمالاً لتشويهها المتعمّد، تحت الذرائع ذاتها التي تتغنى بها الحكومة والرسميون «الاستثمار مع الإبقاء على المساحات الخضراء»!
وأي مساحات؟! فقد تم عن سابق إصرار تغيير معالم المدينة وطمس هويتها، والآن جاء دور حديقة المدفع لتدخل مرحلة التشويه والإعدام على ما يبدو!
ونتذكر أيضاً حديقة الصوفانية التي أعلنت المحافظة عن رغبتها بإنشاء واستثمار مرأب طابقي للسيارات تحتها لمدة 25 عاماً، الأمر الذي كانت تخطط له منذ العام 2018، رغم اعتراض الأهالي على أي تغيير في معالم الحديقة الأثرية!
ولا ننسى طبعاً التكية السليمانية ومحطة الحجاز والقائمة تطول وتطول... كما لا يغيب عن الذهن حال ومآل بيوت دمشق القديمة وحاراتها!
ففي كل المشروعات التي جرى تنفيذها سابقاً، ونالت من معالم دمشق الجميلة وتاريخها وتراثها، لم يستشر سكان العاصمة بأي منها، ولم يفكر أحد ما من الرسميين بفتح حوار مع الناس لسماع آرائهم ووجهات نظرهم بتلك المشاريع التخريبية!
ومن المفروغ منه بعد كل ما سبق أن كل المشروعات الشبيهة، التي وصفت بأنها تجميلية وخدمية، بغايات استثمارية وبذرائع ومسميات مختلفة، هي مشاريع باهتة وبلا روح، ولا تستهدف إلا شريحة محددة من ميسوري الحال القادرين على تكاليفها، فليس لها ولن يكون لها مكان في ذاكرة السوريين، ولو بقيت ألف عام!

انعدام الثقة بالتجريب!

هل تساءلت الجهات الرسمية، على المستويات كافة وبجميع المحافظات، يوماً عن سبب الفشل في اكتساب ثقة المواطنين ودعمهم؟!
لأن المواطنين ببساطة باتوا بحكم التجارب المريرة، على قناعة تامة بأن جميع ما ينفّذ من مشاريع، بغض النظر عن تسمياتها وقطاعاتها، ليست لهم، ولا لمصلحة مدنهم وخدماتهم واقتصادهم ومعاشهم، بل هي مجرد فرص للتكسب والفساد والنهب، لتصب بمصلحة قلة قليلة من كبار حيتان الاستثمار وداعميهم!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1160
آخر تعديل على الأربعاء, 14 شباط/فبراير 2024 11:03