_
عبودية مقنعة تستعيد عافيتها محلياً
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

عبودية مقنعة تستعيد عافيتها محلياً

«لكل يلي عبيدور على عاملات فلبينيات صغار ومرتبين وأوادم والأهم من هاد كله بيعرفوا حالهن جايين على سورية بعقد ثلاث سنوات الكمية محدودة».. «لحقو حالكن وصول دفعة جديدة والكمية محدودة».. «بشرى سارة متل ما عودناكم دائماً متميزون والأفضل تم بفضل الله فتح الخط السيرلانكي بالإضافة للفليبيني».

هذه العبارات الترويجية أعلاه منسوخة من إحدى صفحات «فيسبوك» الخاصة بأحد مكاتب استقدام العاملات للعمل في المنازل من غير السوريات، كما يوجد الكثير غيرها من الصفحات التي تعمل للترويج لمكاتب وشركات أخرى داخل البلد، فكل من هذه الإعلانات يتبعه رقم هاتف للتواصل، سواء كان أرضيّاً أو جوالاً، مع فتح ميزة التواصل عبر «واتس أب» أيضاً للمزيد من المعلومات.

بريستيج ومنافسة

هذه الخدمة ومكاتبها ليست ظاهرة جديدة في سورية، فقد راجت خلال العقد الأول من الألفية الجديدة كظاهرة مستجدة نقلاً وتقليداً للظواهر المشابهة في بعض الدول المحيطة العربية بحينه، والتي لم تتخلص أصلاً من نماذج العبودية لديها، وتزايد انتشارها مع بروز شريحة الأثرياء الجدد خلال تلك الفترة، وظهور لوثة العاملات الأسيويات في المنازل كنوع من البريستيج لدى هذه النخبة، والمنافسة فيما بينها، وصولاً لأن يكون عندهم أكثر من مستخدمة بنفس الوقت، مع تعدد جنسياتها، برغم من التكاليف المرتفعة المقابلة لهذه الخدمة، سواء على مستوى الأجور الشهرية التي يتقاضينها هؤلاء العاملات، أو على مستوى النسب المضافة إلى هذه التكلفة لمصلحة مكاتب الاستقدام من أجور وسمسرة وتأمين وغيرها من التكاليف الأخرى.
وقد انخفضت هذه الخدمات خلال سني الحرب والأزمة، وصولاً إلى توقفها تقريباً، ليس بسبب إقلاع هذه النخب عن الرغبة في الحصول على العاملات، أو بسبب التخلي عن البريستيج والتصنع والتقليد والمنافسة فيما بينها بهذا الشأن، بل بسبب الأوضاع الأمنية التي حالت دون إمكانية استمرار الخدمة، وبسبب تخوُّف العاملات أنفسهن من القدوم إلى سورية في ظل هذه الظروف.
ومع تحسن الأوضاع الأمنية مؤخراً، عادت هذه المكاتب للعمل مجدداً، كما عادت ظواهر ومظاهر البريستيج والمنافسة لدى النخبة الثرية والطبقة المخملية، والتي تزايد عددها مع بروز شريحة تجار الحرب والأزمة من دون شك، ولعل تزايد أعداد المكاتب التي بدأت تستعيد نشاطها على هذا المستوى، مع دعاياتها وأساليب ترويجها التي بدأت تظهر عبر صفحات «فيسبوك»، يعتبر مؤشراً على ذلك.

سلعة مُؤمَّنة ومُؤمَّن عليها

الطريقة التي يتم الترويج من خلالها لهؤلاء العاملات المستقدمات من دول آسيا، لا تختلف عن الترويج لأي منتج أو سلعة أخرى، فالمواصفات والسعر والضمانة والكفالة وغيرها من الأمور تعتبر من أساسات الترويج والتسويق، مع الصور الإيضاحية أيضاً.
فبعض الإعلانات تتضمن صور العاملات، مع بعض التفصيلات عن العاملة المروج لها، (جنسيتها- سنها- دراستها- معرفتها للغات- خبراتها السابقة-..) وغيرها من التفصيلات الأخرى التي تهمُّ صاحب الشأن الذي سيتم استقدام هذه العاملة لمصلحته وعلى اسمه للعمل في منزله أو مزرعته، وبحسب الغاية والمهمة المطلوبة منها (رعاية مسنين- رعاية أطفال- الاهتمام بالنظافة- الاهتمام بالطبخ-..)، وأرقام الهواتف المعروضة مع الدعاية والترويج هي بغاية التواصل مع المكتب المستقدم من أجل التفاصيل المتعلقة بشروط عقد الاستقدام والاستخدام، وخاصة السعر والمدة، بما في ذلك رسوم التأمين والتعويض عند اللزوم أيضاً.

فوارق أجرية واستغلال

لن نخوض بالروادع الأخلاقية والنواهي الدينية والقضايا الإنسانية والطبقية وغيرها من النقاط الكثيرة الأخرى التي تعتبر من التبويبات الثابتة اجتماعياً برغم كل محاولات دفنها، خاصة وأنَّ الطبقة المستغِلة المتحكمة بمصائر البلاد والعباد قد أعفت نفسها منها وتسعى لوأدها، كما لن نخوض بضرورات الاستخدام للعمل في المنازل في بعض الأحيان، أو بموضوع جنسية المستخدمات في المنازل وظروف عملهنَّ وظروف اضطرارهن للعمل بهذا المجال، فظروف الحرب والأزمة فرضت على الكثير من السوريات لأن يكونّ عاملات منازل مقيمات بسبب ضيق ذات اليد والفقر والعوز بنتيجة سني الحرب والأزمة وتداعياتها السلبية الكبيرة والكثيرة بالإضافة إلى جملة السياسات التي كانت نتائجها وبالاً على الغالبية المسحوقة من الشعب، لكن لعل ما يلفت النظر هو وجه المقارنة من حيث الأجور والتكلفة النهائية بين العمالة الآسيوية والعمالة السورية بهذا المضمار.
فالعاملة السورية التي تتفرغ للإقامة والاستخدام في المنازل، ومهما كانت مهمتها، يتم احتساب أجرها بالمقارنة مع الأجور المتعارف عليها محلياً، وهي بالحد الأعلى لا تتجاوز 100 ألف ليرة شهرياً بأحسن الأحوال، طبعاً مع عدم وجود أية ضمانات أو تعويضات، بالمقابل فإن المستقدمات للعمل من دول آسيا يتقاضين أجورهن بالدولار، وهو لا يقاس بما يتقاضينه مثيلاتهن من السوريات، مضافاً إليها عمولة المكتب ومبلغ التأمين والضمانة وغيرها من الرسوم والنفقات الأخرى، ناهيك عن عوامل الضغط المضاف على السوريات استغلالاً لظروفهن وواقعهن البائس، مع الأخذ بعين الاعتبار أن كليهما بالنتيجة مستغل ومستنزف لأبعد الحدود.

عبودية واستغلال

يبقى أن نشير إلى أنَّ مظاهر البريستيج والتصنُّع والتشبُّه والمنافسة في أوساط النخبة المخملية، وخاصة أثرياء الحرب الجدد والمستغلين والفاسدين من كل صنف ولون، تعتبر فرصة بالنسبة لمكاتب استقدام العمالة التي استعادت نشاطها مؤخراً، على حساب استغلال المستضعفات والمفقرات، وعلى حسابهن، بغض النظر عن جنسايتهن، وكأن هؤلاء جميعاً لم يكفهم كل أوجه الاستغلال والتجُّبر والاستعلاء والنهب التي يمارسونها بحق السوريين ككل، بل تطاولوا وامتد استغلالهم على حساب الآسيويات وظروفهن القاسية أيضاً، فبمطلق الأحوال، ومهما جرت من ضمانات عقدية وتفصيلات بهذا الشأن، فإن شروط العمل وظروفه وفقاً لما يجري على أرض الواقع تحت أيدي من لا يرحم من المستغلين بمختلف تسمياتهم وتوصيفاتهم لا يختلف من حيث النتيجة عن كونه نموذجاً معدلاً من نماذج العبودية دون التسمية الحرفية لها، مع شكل قانوني للإخراج ليس إلا، فكما أن رأس المال لا وطن له كذلك أوجه الاستغلال وأشكال العبودية المرافقة له.

معلومات إضافية

العدد رقم:
943
آخر تعديل على الإثنين, 09 كانون1/ديسمبر 2019 12:50

قد يهمك قراءة إحدى المقالات التالية