_
نواقيس الإنذار أعلى من أي تصفيق؟!
عادل إبراهيم عادل إبراهيم

نواقيس الإنذار أعلى من أي تصفيق؟!

لم نعد نستغرب حديث المساومة المكرر والممجوج، على المستوى الرسمي وغير الرسمي، الموجه لنا نحن المفقرين والمتعبين والمهمشين حول زيادة الأجور ربطاً مع إلغاء الدعم، وكأننا لا نعلم أن مسارب الدعم الموجودة تستفيد منها شبكات حيتان المال والفساد أكثر مما تستفيد منها شرائح المفقرين وأصحاب الحقوق، فهذا النوع من المساومات لم يعد يجدي حتى على مستوى التخدير الموضعي.

أما الشاذ في هذا النوع من المساومات، أنّه بطرفي معادلته يتناول الحقوق، فالأجور حقّ ومن الطبيعي أن تكون متناسبة مع تكاليف المعيشة، والدعم حقّ، ومن الطبيعي أن يتم توفيره في بعض القطاعات، وأن يمنح على بعض السلع والخدمات، ولا يمكن أن يقال حيالها إما هذا أو ذاك، تكريساً للإجحاف والظلم المعمم، وكأنه من الممكن أن يعيش الإنسان بالشهيق دون الزفير أو العكس.

تناغم وتوافق

كثيرة هي الأحاديث التي تناولت المساومة على الحقوق، وخاصة فيما يتعلق بالأجور والدعم، خلال السنوات الماضية، سواء على لسان الوزراء وممثلي الحكومة الرسميين، أو عبر بعض الجهات غير الرسمية، أو على ألسنة بعض الأفراد بصفاتهم الاعتبارية المحسوبة على بعض الشرائح الاجتماعية.
فالحديث الأخير لرئيس الحكومة أمام مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال ورغم الاعتراف الرسمي بأن «الرواتب قليلة ولا تقاس مع تكاليف المعيشة» وبأن «الواقع المعيشي صعب جداً»، لم يخرج عن حدود المساومة أعلاه حول «الدعم»، مع الإشارة إلى أن رفع الدعم يمكن أن يزيد الأجور بمقدار 200 ألف ليرة شهرياً، مع التأكيد على استمراره.
كذلك ما نُقل عن أحد «رجال الأعمال» مؤخراً عبر بعض وسائل الإشارة، بقوله: «أنا مع وقف الدعم الحكومي للمواطن بكل أشكاله لأنه عبارة عن كُتل هدر مال عام.. وتحويل مليارات الدعم لتكون زيادة في رواتب الموظفين والمتقاعدين.. مع وقف الدعم يجب فتح الأسواق وفرص إجازات الاستيراد للمواد الواجب استيرادها من الخارج عوضاً عن تهريبها وعدم تمويلها..».
تناغم المساومة أعلاه على موضوع الأجور والدعم لا يعني التوافق على الغايات والأهداف بطبيعة الحال، مع الأخذ بعين الاعتبار أن النتيجة واحدة، وهي ألّا زيادة على الأجور، ولا تحسين للمستوى المعيشي.

العجز وحصة أصحاب الأرباح

بالعودة إلى حديث رئيس الحكومة، ربما تجدر الإشارة إلى أن الملفت فيه، بحسب ما رشح عبر وسائل الإشارة، هو الإقرار بأن «هناك القليل من الفساد» فقط، مع إشارته بأن «الأسعار ما زالت في سورية هي الأرخص في كل المنطقة»، مع الإقرار بأن «أسعار السلع زادت 14 مرة عما كانت عليه قبل الحرب»، ولم يغب عنه إعادة سرد مبالغ الدعم «بالمفرق وبالجملة»، مع تأكيده أن «الحكومة على قناعة تامة أن الدخل الحالي لا يكفي المواطن»، مؤكداً أيضاً أن «الحكومة لا تريد التصفيق المؤقت لها من الشعب، من خلال إيقاف المشروعات وزيادة الرواتب مقابلها وهمياً، مضيفاً: ولن نفعل ذلك».
وربما لا داعيَ لشرح ما هو مشروح ومعاد الشرح مراراً وتكراراً حول مثل هذه الأحاديث والتوجهات بمضامينها المتناقضة.
لكن بمقابل حديث المساومة على الحقوق أعلاه، بما في ذلك الحديث عن التمويل بالعجز أو عبر سندات الخزينة، من أجل زيادة الأجور، لا بد من الإشارة إلى التغييب الكلي للحديث عن حصص كبار أصحاب الأرباح والفاسدين، والاستثناءات الكبيرة التي يحظون بها قانوناً، أو من خلال مراكز القوة وفرض الوجود والتحكم التي يتمتعون بها، كبوابة متاحة ممكن الاستفادة منها على هذا الصعيد بحال توفر النية والإرادة والقرار، بعيداً عن المساس بالدعم «الشماعة» الذي يعاد الحديث عنه في كل مرة يتم التطرق بها للواقع المعيشي والأجور المتدنية والمجمدة رسمياً، مع استمرار «المنية» فيه، أو عبر استنزاف الخزينة والتهويل بالعجز، علماً أنْ لا عجز أكبر من العجز الذي أنهك أصحاب الأجور والمفقرين في البلد، بل إن عجز هؤلاء مع عجز الخزينة واستنزافها يذهب تباعاً كأرباح في جيوب الشرائح الأكثر ثراءً من الحيتان والفاسدين.
مع الأخذ بعين الاعتبار، ومع كل الشكوك المشروعة، بأنه ربما لو لم يكن هذا الدعم بوابة استفادة وفساد كبيرة لكنا قد شهدنا وأده منذ فترة طويلة، وما استمراره المقزّم والمشوّه إلا لذر الرماد في العيون، ومن أجل الحفاظ على حصص الفساد الكبيرة بعمقه وعلى هامشه، استنزافاً للمواطن وللدولة وللوطن.

ذريعة الحرب وتزايد حدة الفوارق الطبقية

لم تعد ذريعة الحرب والأزمة مقنعة وكافية، برغم استمرار مفاعيلها الكارثية طبعاً، خاصة في ظل استمرار تداعياتها السلبية على الغالبية الساحقة من المفقرين والمهمشين فقط، في الوقت التي تُجيَّر بها هذه الذريعة من أجل جني المزيد من الأرباح في جيوب حيتان المال والفساد، ومن أجل فرض المزيد من الضغوط على المفقرين دون سواهم، حيث تتزايد حِدّة الصراع الطبقي وتتعمق الفوارق الطبقية وتتسع، في كل يوم ومع كل قرار جائر بحق الأغلبية الساحقة من المفقرين، ومع كل ممارسة من ممارسات اللامبالاة والاستهتار بحقوق هؤلاء، بمقابل تعزيز دور وحجم وفاعلية الطبقة المستغِلة المتحكمة بسبل الحياة وصولاً إلى تحكمها بتفاصيلها بما يحقق مصالحها ويحافظ على حصتها من الأرباح، بل والمزيد منها، ومن أية بوابة كانت، سواء كانت مشروعة ومقوننة أو غير مشروعة وخارج القوانين، كالتجارات السوداء ومساربها داخلاً وخارجاً وما أكثرها.
الغريب فعلاً هو محاولة إقناعنا بعد كل ذلك أنّ أية زيادة في الأجور المجمدة رسمياً لن تكون إلا زيادة وهمية، ولا ندري من المسؤول عن هذه «الوهمية» إن لم تكن السلطة والحكومة نفسها، من خلال استمرارها بنفس السياسات المفقرة للغالبية الساحقة من الشعب، والمحافظة على مصالح شريحة كبار أصحاب الأرباح.
والسؤال الذي يتبادر للأذهان: عن أي تصفيق مؤقت أو دائم يمكن الحديث ههنا، وممن ولمن، في الوقت الذي ما زالت تصفر فيه وتقرع نواقيس الإنذار؟!.

معلومات إضافية

العدد رقم:
932
آخر تعديل على الأربعاء, 25 أيلول/سبتمبر 2019 13:32