_
التعليم سلعة في سوق الاستثمار
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

التعليم سلعة في سوق الاستثمار

للعام الثالث على التوالي يقام معرض ترويجي للتعليم الجامعي في الجامعات الخاصة، فقد أقيم معرض بهذا الشأن مؤخراً، ولمدة ثلاثة أيام متتالية، في أحد الفنادق الضخمة في العاصمة دمشق، من سوية النجوم الخمسة.

وقد شارك العديد من الجامعات الخاصة والمعاهد والمؤسسات التعليمية في معرض هذا العام، كما غيره من الأعوام السابقة، بغاية التعريف بهذه الجامعات والتخصصات المتوفرة بكل منها، وغيرها من القضايا التي تدخل باطار التسويق التنافسي والترويجي، لهذه الجامعات والمؤسسات، وفيما بينها، حيث شارك فيه أكثر من 80 جامعة ومؤسسة تعليمية، محلية ودولية.

تسليع التعليم
وكغيره من السلع أصبح التعليم العالي الجامعي في الجامعات الخاصة سلعة قابلة للترويج والتسويق والمنافسة، وأصبحت المعارض فرصة من أجل استقطاب أكبر عدد من الطلاب وذويهم، وتحديداً للطبقة الميسورة والأثرياء، عبر الدعاية والبروشورات التعريفية، وغيرها من أساليب الترويج والتسويق المتعارف عليها في سوق المنافسة والإعلان.
ولم لا؟ طالما الغاية الربحية هي الهدف الأول والأخير بالنسبة للمؤسسات التعليمية الخاصة، باعتبارها مؤسسات استثمارية، بغض النظر عما تروجه وتسوقه عن نفسها على مستوى العلم والمعرفة، أو ما تقدمه فعلاً بهذا الصدد والمجال، وبظل الدعم الحكومي والسياسات الليبرالية المتبعة، وانعكاساتها السلبية على نواحي الحياة الاقتصادية الاجتماعية كافة، بما في ذلك ما جرى ويجري على القطاع التعليمي، حيث أصبح مفهوم تسليع التعليم واقعاً ملموساً في سوق البضائع والسلع، بغض النظر عن أي حديث رسمي أو غير رسمي يمكن أن يصف مثل هذه المعارض على أنها ظاهرة علمية حضارية، تترافق مع بداية كل عام دراسي، أو غيرها من العبارات التي لا تصب بالنتيجة إلا في جيوب المستثمرين أرباحاً متراكمة عاماً بعد آخر.

ترويج تضليلي
وكما هي عادة الدعايات لأي منتج أو سلعة تجارية، فقد كان نمط التضليل لافتاً على مستوى الترويج والتسويق للجامعات الخاصة بهذا المعرض، فقد كان من الملاحظ أن بعض الجامعات الخاصة اعتمدت في بروشوراتها المطبوعة صوراً لمقراتها الأصلية، من أبنية حديثة وقاعات محاضرات مزودة بالتقانات والمخابر والتجهيزات والوسائل التعليمية، والملاعب والساحات الواسعة، قبل انتقالها إلى العاصة دمشق، أو غيرها ربما، حيث واقع الحال يقول: بأن هذه الجامعات حالياً توزعت أبنيتها في أحياء دمشق، وهي تفتقر للكثير من التقانات والتجهيزات والمخابر، بالإضافة إلى ضيق المساحات والقاعات الدرسية، وغيرها الكثير من الشروط الفنية الواجبة من أجل العملية التعليمية وجودتها، سواء حسب التراخيص الممنوحة لهذه المؤسسات التعليمية الخاصة، أو حسب ما هو واجب من أجل البنية التعليمية نفسها وجودة مخرجاتها بالنهاية.
من كل بد لسنا ضد الترويج والتسويق بمفهومه العام الإيجابي، خاصة كونه يتعلق بالمنافسة التي تستقطب المستهدفين من هذه الحملات، ناحية المواصفة والجودة والسعر بالنسبة للمنتج المعروض والمسوق، وبما يلبي احتياجات وإمكانات الشرائح المستهدفة ويحقق مصلحتها، لكننا نقف مشدوهين عندما تتدخل آليات التسويق والترويج الدعائية عبر بوابات التضليل إلى القطاع التعليمي الجامعي الخاص، كغيرها من السلع والبضائع، ناحية المواصفة والجودة والتكاليف، والمؤسف أكثر أن ذلك يتم برعاية وتغطية الدولة عبر وزارة التعليم العالي، وعلى مرآها ومسمعها.

تكاليف ورسوم خيالية!
هذا التضليل المشار إليه أعلاه يمكن اعتباره ما زال ضمن الحالة الشكلية المرتبطة بالدعاية لهذه الجامعات، أما الغائب الأكثر وضوحاً فقد كان على مستوى بعض ما يرافق هذا الشكل، والمتمثل بالرسوم والتكاليف المرتبطة ببعض جوانبها بالأبنية والمنشأت والخدمات التعليمية والخدمية، حيث كان لافتاً غياب تكاليف الدراسة في بعض هذه الجامعات، وعند السؤال عن هذه التكاليف تكون الإجابة بوجوب مراجعة الجامعة بمقرات إداراتها، وكأنها سر الأسرار، علماً أن بعض الجامعات فقط هي من وزعت بعض البروشورات التعريفية بتكاليف الدراسة لديها، حسب الاختصاصات والفروع في كل منها.
فعلى سبيل المثال فإن تكلفة دراسة الطب البشري في إحدى هذه الجامعات يصل لحدود 2.5 مليون ليرة للطالب في السنة الدراسية الواحدة، وربما مع بعض التكاليف الإضافية التي تقدر ببعض الملايين بحال الاضطرار لإعادة بعض المواد خلال سنوات الدراسة الخمس، بينما تنخفض تكاليف دراسة بعض الفروع والكليات الأخرى بنسب قليلة ومتفاوتة، ولكن بمجملها لا تقل عن مليون ليرة سنوياً، بالإضافة لبعض النفقات الأخرى، وقس على ذلك بالنسبة للجامعات الأخرى ناحية التكاليف، وإن لم تعلن عن ذلك عبر بروشوراتها التعريفية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن  الرسوم السنوية وأجور الساعات الدرسية يتم رفعها من قبل الجامعات الخاصة بشكل سنوي، علماً بأن تكاليفها لم ترتفع بمقدار تلك الزيادات السنوية المطردة، ناهيك عن التكاليف والنثريات الأخرى من قيم محاضرات مطبوعة، أو الإنفاق على الطعام والمشروبات في ندوات هذه الجامعات، وهي نفقات دائمة لا يمكن الاستغناء عنها، وكأن لا رقابة على هذه التكاليف والنفقات.
كل هذا ولا زلنا بالشكل والتكاليف، فكيف الحال عندما نغوص بالمضمون، وبجوهر العملية التعليمية، بمدخلاتها ومخرجاتها وغاياتها في هذه الجامعات، وهو حديث طويل ربما لا يمكن إشباعه من خلال بضعةِ سطور.

أين دور التعليم العالي؟
الصادم هو أن هذه المعارض تقام برعاية وزارة التعليم العالي، التي كان من المفترض أن تقف عند هذا النمط من التضليل التسويقي، ولو بحدوده الشكلية، إن لم نقل بوجوب تدخلها على مستوى التكاليف التي تتقاضها هذه الجامعات، وما زالت، حسب تراخيصها بأبنيتها ومنشآتها ومقراتها الأصلية قبل انتقالها إلى مقراتها المؤقتة، فكيف الحال بالانعكاسات السلبية لهذه المقرات على جودة العملية التعليمية نفسها كمخرجات نهائية، أو على مستوى دور الوزارة بالنسبة للكادر التدريسي والمناهج المعتمدة، وغيرها من القضايا الأخرى التي تم تلمُّس بعض سلبياتها خلال السنوات السابقة في الجامعات الخاصة، وكأن دور التعليم العالي ثانوياً، أو مغيباً على الكثير مما يجري في هذه الجامعات.
والسؤال الذي يتبادر للأذهان من خلال مثل هذه المعارض وبظل سياسية الخصخصة الجارية على قطاع التعليم، المعلنة والمستترة منذ سنين طويلة، ما هي النتائج التي تم حصدها من خلف هذه الخصخصة طيلة السنوات السابقة وحتى الآن؟
ولنصل للسؤال الأهم، بظل التراجع المطرد لمستوى التعليم العام في مراحله ومستوياته كافة، ما هي الاستراتيجية المرجوة من السياسة التعليمية المعمول بها عموماً؟
الواضح والجلي أنها لم تتعد كونها فرصة للتربح على حساب الطلاب وذويهم، بغض النظر عن ملائة هؤلاء المالية، والشرائح الاجتماعية التي ينتمون إليها، لمصلحة أصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين، وعلى حساب المصلحة الوطنية بالنتيجة والمآل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
821