«راسمو سياسات اقتصادية» مع وقف التنفيذ!
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

«راسمو سياسات اقتصادية» مع وقف التنفيذ!

تداولت وسائل الإعلام المحلية، خبراً مفاده: صدور تعميم موجه إلى أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة دمشق، يمنعهم بموجبه من المشاركة في الندوات أو المحاضرات دون «موافقة الجهات المختصة»!.

 

وفي المضمون، حسب ما تم تداوله، يحظر على جميع أعضاء الهيئة التدريسية المشاركة في أي نشاط علمي، مثل الندوات والمؤتمرات أو إلقاء المحاضرات أو التقدم بورقة عمل، أو غير ذلك من النشاطات العلمية الأخرى، وذلك قبل الحصول على «الموافقة».

وقد تم تبرير ذلك بضرورة تدقيق مضمون ورقة العمل أو المحاضرة من مجلس القسم أو الكلية، من أجل منع ورود أية مخالفة أو إساءة بحق الجامعة، وبما يتوافق مع قانون تنظيم الجامعات والأنظمة الجامعية الأخرى.

تضارب يؤكد المضمون!

يشار إلى أن هناك تضارباً في الأخبار المتداولة حول مصدر التعميم أعلاه، فبعض المصادر الإعلامية قالت: بأنه صدر عن وزارة التعليم العالي مطلع آذار، والبعض الآخر قال إن التعميم صدر عن جامعة دمشق مطلع نيسان الحالي، في حين لم يكن هناك من تضارب بمضمون المنع والحظر والتقييد.

وفي تصريح لنائب رئيس جامعة دمشق لشؤون البحث العلمي د. محمد غريب حول التعميم قال: «إن الغاية من هذا التعميم إلزام أعضاء الهيئة التدريسية بعدم التصريح باسم الجامعة بما ليس من اختصاصهم، وبمعلومات تحدث بلبلة وتكون غير دقيقة».

وتابع بالقول: «إن طرح معلومات غير دقيقة أو إطلاق تصريحات باسم الجامعة، كما حصل في أكثر من مرة، يعد أمراً خطيراً»!.

لجم الكفاءات!

على الرغم من تباين ردود الفعل، على مضمون التعميم، بين التأييد والرفض والصمت، سواء على مستوى الكادر والهيئة التدريسية نفسها، أو على مستوى بقية النخب، من دكاترة الجامعات السابقين، أو بقية الدكاترة الاختصاصيين من خارج أعضاء الهيئة التدريسية، إلا أن هذا المضمون يعتبر أسلوباً جديداً في كم الأفواه، ولجم كفاءات ذوي الاختصاص، عن مجريات الواقع السوري البائس ومسبباته وتداعياته، منذ ستة أعوام وحتى الآن بالحد الأدنى.

ولعل الأهم في هذا المجال هي تلك الرؤى النقدية التي يمكن أن تقدمها بعض هذه النخب، في تقديم بعض الحلول، أو في صياغة بعض الأفكار والخطط، كخطوات باتجاه تطوير وتحسين آليات العمل والسياسات المعمول بها لتعزيز إمكانات الوقع، سواء من أجل الخروج من الأزمة الراهنة بأقل الخسائر الممكنة، أو من أجل  المضي قدماً نحو واقع أفضل، وهي ما تعكف عليه عملياً، ولو بالشكل النظري، الندوات والمحاضرات والمؤتمرات والفعاليات العلمية، بعناوينها العريضة حالياً.

الأمر الذي لا يمكن أن يكون فيه ذاك الخطر، أو تلك المخالفة، خاصة وأن ما يتم التقدم به من قبل هؤلاء، كدراسات أو أوراق عمل أو محاضرات، يقدم باسمهم الشخصي وليس باسم مؤسستهم العلمية، والاستثناءات على ذلك تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

طبعاً مع عدم إغفال، مدخلات ومخرجات، بعض الفعاليات، وهو ما يندرج ضمن إطار التقييم العام والخاص لكل فعالية على حدة، والتي يجب أن تبدأ من الرعاة والتمويل والغايات، وليس من الأكاديميين أنفسهم، بل لعلها تنتهي عند البعض منهم فقط، وهذا موضوع بحث آخر.

لمن ستترك ساحات الفعل العلمي والثقافي؟

وفي التفنيد الرقمي يمكن القول: إن مضمون التعميم أعلاه، يطال بحدود 2000 – 2500 أكاديمي، هم أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة دمشق فقط، حسب بعض المصادر، هذا بحال كان التعميم قد صدر عن جامعة دمشق، وبأضعاف مضاعفة لهذا الرقم بحال كان التعميم مصدره وزارة التعليم العالي إلى الجامعات في القطر كلها، ما يعني بالمحصلة لجم هؤلاء الآلاف، من الأكاديميين والاختصاصيين كلهم، عن أداء بعض من دورهم المأمول على ساحة عرض الآراء والرؤى وتبادلها، على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي العام، بما في ذلك من إيجابيات النقد البناء، المعتمد للعلم كمنهج وحكم، باعتبارهم من ذوي العلم والاختصاص.

والسؤال الذي يتبادر للأذهان، في ظلّ هذا الواقع المترهل والمتراجع أصلاً على مستوى المحاضرات والندوات، وغيرها من النشاطات على مستوى الفعل الثقافي والعلمي العام: لمصلحة من يتم تغييب دور هؤلاء كلهم، بل وتقييدهم بموافقات، مرجعياتها متعددة؟!.

والأهم من ذلك: هل يعني هذا التعميم أن وزارة التعليم العالي، أو جامعة دمشق، غير واثقة بكوادرها وأعضاء هيئاتها التدريسية، وبمقدرتهم العلمية، أو بمعرفتهم بقانون تنظيم الجامعات؟.

وهي تهمة لا نتوقع أن أحداً يرغب في تعميمها، من خلال هذا النمط من الحظر المعمم!.

ولعل الأهم من هذا وذاك، لمن ستترك ساحة العمل الثقافي والعلمي، بفي ظلِّ هذا النوع من التقييد والمنع والحظر للكفاءات الاختصاصية من أعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات السورية؟.

مع الأخذ بعين الاعتبار ما يصيب غيرها من كادرات وكفاءات علمية ومتخصصة، من أشكال للتغييب والتقييد والحظر، عن الفعل بهذه الساحة، بشكل مباشر أو غير مباشر، منذ عقود! 

وقد دفعنا، وما زلنا ندفع، ضريبة هذا التغييب المتعمد والمقصود، للكادرات العلمية والمؤهلة، كما للفعل والعمل الثقافي والعلمي العام، وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والمعرفية، حيث كان هذا الغياب واحداً من أسباب أزمتنا الراهنة من كل بد.

طبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار واقع الاستنزاف للمؤهلين، من ذوي الاختصاصات العلمية والأكاديمية، طيلة السنوات الست الماضية، موتاً ونزوحاً وتشرداً وهجرةً، بسبب الحرب والأزمة، والتداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لها.

بين الشعارات والتنفيذ:

بقي أن نشير إلى الاجتماع الذي عقد بتاريخ 9/4/2017 بين رئيس الحكومة والخبرات  الأكاديمية الاقتصادية في الجامعات السورية، في قاعة رضا سعيد بجامعة دمشق، تحت عنوان «تعزيز الحوار والنقاش»، وقد حضر الاجتماع أساتذة الاقتصاد في جامعة دمشق، وعمداء كليات الاقتصاد في الجامعات السورية العامة والخاصة، وبعض الإعلاميين الاقتصاديين في وسائل الإعلام.

ففي معرض حديث رئيس الحكومة في الاجتماع أعلاه، فقد وصف الحضور بأنهم: «راسمو السياسات الاقتصادية»، وقال: «إن مهمتكم مواءمة النظريات والسياسات الاقتصادية مع التنفيذ الحكومي، لتصبح حقيقةً أكثر من كونها شعاراً».

كي يطغى السؤال الأكبر بالنتيجة، أين هذا من ذاك يا حكومة؟.

أليس من الضرورة، بهذا الوقت بالذات، أن يفسح المجال أمام من تبقى من الكادرات العلمية المؤهلة لأن تدلي بدلوها في مجال رسم السياسات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، ونقدها وإعادة تصويبها، فعلاً لا قولاً، وبما يخدم المصلحة الوطنية العليا، وخاصةً بهذه الظروف من الحرب والأزمة الوطنية العميقة، عبر فسح جميع المنابر أمامها؟ بدلاً من هذه الأساليب الممجوجة، من الحظر والتقييد الرسمي، وسواها من الأساليب القمعية الأخرى، سيئة الصيت!.

أم أن عدم الرغبة في سماع الرأي المخالف والمنتقد ما زالت هي الطاغية، رغم كل ما مر بنا حتى الآن؟.

كما وما زالت الذرائع تحكّم عقلية «أولى الأمر» من أصحاب «العقد والحل»، عبر عبارة «الحصول على موافقة الجهات المختصة»! والتي يعلم الجميع أنها تمنح للقلة القليلة من أصحاب الحظوة والمقربين والمحسوبين، دوناً عن سواهم من الآخرين جميعاً!.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
806