_

موسم انتظار الدعم الحكومي.. من يدعم الفراغ؟ محطات وقود خاوية لمواطن خاوٍ وبردان.. والعيد على الأبواب!!

منذ أكثر من شهرين والنقاش يدور بين أطراف مختلفة في الحكومة حول الكيفية التي ستقدم فيها للمواطن قروش الدعم.. والمواطن المنتظر يمني النفس بقرار يفك عقدة (المازوت) التي أضيفت إلى بقية ما لديه عقد.. فلديه ما يكفيه من شهور الخيبة المتلاحقة وعداد الدفع الذي لا ينتهي.. وحال البؤس التي أوصله إليها الفريق الاقتصادي الذي يخطط لـ«سعادته»!!.
الحكومة مصرة على تسمية ما تقدمة بـ«توزيع دعم الوقود».. وهذا يجعل المواطن في انتظار كومة (الدفء)، ويعتقد أن ما ستقدمه له هو الضمانة الأكيدة من شتاء غير واضح الملامح.. الحكومة اجتمعت.. الحكومة شكلت لجان إعادة توزيع الدعم.. اللجان اجتمعت وستقرر.. اللجان تقترح.. الحكومة تستمع.. مجلس الشعب يطالب الحكومة بتخفيض سعر المازوت.. مجلس العشب يستعد لسماع وجهة نظر النائب الاقتصادي.. النائب الاقتصادي يشرح وجهة نظر الحكومة في عدم التخلي عن المواطن.. والمواطن ينتظر.

فلسفة الدعم الحكومي

مند أن تبنت الحكومة دون إعلان صريح رفع الدعم عن أساسيات المواطن ومفردات حياته، أرادت أن توصل فكرتها لمواطنيها رويداً رويداً.. هي بالتأكيد لا تريد أن تصدمه بما تخطط له.. هي لا تريد أن تفصح عن فهمها وسياستها لفتح السوق والتخلي عن التزاماتها أمام المواطن بقلة الحيلة وقصر اليد.
هي لا تستطيع أن تقول له إنها لا تريد استمرار دعمها للقطاع العام.. وبالوقت نفسه لا تريد أن تعترف بأن يد الفساد والإهمال وعدم المحاسبة أسباب أنهكت بنيان الشركات التي كان عماد اقتصاد الشعب.
هي لا تستطيع أن تكون فجة، رفع الدعم أنكرته، سمته فيما بعد إعادة توزيع الدعم، والوقوف في وجه التهريب، ومقاربة أسعار دول الجوار، وأن دعم المازوت ينهك الاقتصاد، وإنتاج النفط السوري مهدد خلال الـ /25/ سنة القادمة، جملة أسباب قدمتها الحكومة على دفعات للمواطن كي لا تفجعه لأيامه القادمة.
الأزمة المالية العالمية جاءت لتساعد الفريق الاقتصادي على إنجاز فكرته... زادت أسعار الوقود إلى /150/ دولاراً للبرميل، رفعت الحكومة أسعار الوقود، ثم قدمته مدعوماً للسوريين عبر قسائم الـ/1000/ لتر، وبالسعر الذي كان مدعوماً، قدمته للمواطن الذي رأى في القسائم فرجاً لضائقات أخرى، فك أزمته في العيد والمونة والمدارس ورمضان.. باع الدعم، وأبقى القليل لشتاء غير مدعوم.
نام المواطن «المدعوم» على أمل العام القادم، مثقلاً بحكايات تزوير القسائم وبيعها.. حالماً بالطريقة الجديدة التي ستدعمه فيها الحكومة في السنة المقبلة.. إشاعات عن حجم الدعم، شكل الدعم، دفاتر جديدة لا تزور... دعم مادي مباشر، من هي الشرائح التي سيتم دعمها.. من هم السوريون الذين يستحقون الدعم.. والحكومة حتى تاريخه تسرب ما تريد من احتمالات... تاركه الباب مفتوحاً على موعد الدعم، وطريقته.. الشتاء جاء ماطراً.. والبرد حل حول المدافئ الخاوية.

الشروط السبعة.. لمواطن عارٍ

من يستحق الدعم من المواطنين يجب أن يحقق وضعه المعاشي شروط الدعم، الحكومة أرادت في شروطها مواطناً متهالكاً.. من سيصله الدعم لا يحيا في وطن وعده الفريق الاقتصادي بسنوات سعادة قادمة، بعالم مفتوح على الضحك والابتسامات، مواطن بمرتبة مواطن حقيقي، بنهاية عام 2010 سيولد سوري جديد سعيد، لكن المفارقة هي أن شروطها في الدعم لمواطن تعيس بامتياز.
السوري المدعوم لا يملك سيارة، ولا بيت آخر لولده، ولا دخل يتجاوز ثمن الأكل والشرب، ولا يتحدث ويثرثر على (الموبايل) والهاتف الأرضي، وليس لديه سجل تجاري أو صناعي أو زراعي.... الخ.
السوري المدعوم على الأرض فقط، لا حول له ولا قوة.. مواطن يحتاج شفقة الحكومة ودعمها، أما من لديه بعض الدخل الذي يحفظ ماء وجهه (من عمل آخر) لن يستحق الدعم، وسيشتري بدل الدعم من جيبه، وبالتالي يلتحق بمشروع المدعومين العراة.
لكن في الطريق للحصول على الدعم المشروط والذي عدلته الحكومة فيما بعد (أن لا تكون لديه أية سيارة ومن أي نوع)، سيمر المدعوم بعجلة الانتظار من أول هذا الشهر.. إلى وعد من الحكومة في أول الشهر القادم، أي بعد العيد مباشرة... وستمر أمامه ذكريات القسائم وكم كانت جميلة، وبيع القسائم كم كان حلاً لألبسة الأطفال وحلويات العيد، ثم سيأتي الدعم بعد أن يقبض المواطن (الشيك) الأول وقيمته (5000) آلاف ليرة، مرفقاً بتعهد موقع منه أن حقق شروط (التعري).

أنا الموقع أدناه..

سيتعهد المواطن بأنه حقق شرط عريه، دخل لا يتجاوز الـ/400.000/ ليرة سنوياً، فواتير هاتف وماء وجوال وكهرباء لا تتجاوز /4500/ ليرة سورية، ولا يمتلك واسطة نقل غير عامة، ولا أرض  أو بيوت أو سجلات من أي نوع.
من أجل ثمن برميل واحد بعد بدء موسم الشتاء والبرد سيتعهد المواطن بأن لا حول له ولا قوة، وماذا عن بقية الشهور.. من سيتعهد للمواطن بالدفء.. وعدم الحاجة، هل سيتعهد له الفريق الاقتصادي بإنجاز السعادة التي وعد بها؟!

محطات خاوية.. لمواطن خاوٍ

تثير محطات الوقود الاطمئنان لدى المرور أمامها، محطات مضاءة بالألوان، سيارة أو اثنتين تملأ خزانات وقودها، لا طوابير كالسنوات السابقة، لا مواطنين في رتل طويل، لا تدافع من أجل الحصول على كالون /10/ لتر، لا أطفال ولا نساء أو عجائز... لا شرطة تنظم الدور المتعرج، المحطات مضاءة ومطمئنة.
سنوات الدعم الماضية كانت غير سعيدة.. وأثبتت سنوات رفع الدعم إمكانية إزالة المناظر غير الحضارية للطوابير المتدافعة، سنوات الدعم كان المواطن يحمل (كالونه) بيد، وثمنه بيد الأخرى.. وينتظر... سنوات رفع الدعم ملأت المحطات بالوقود.. والمواطن في بيته ينتظر صرف استحقاق توزيع الدعم.. حتى تاريخه المحطات خاوية، والمطر يهطل.. والسيول على غير عادتها، عادت للتدفق بين البيوت، كذلك الجيوب خاوية بانتظار (الشيك).. مع التعهد.

• أحد أصحاب الكازيات: «المازوت متوفر بكثرة، ولا يوجد زحام على الإطلاق، كأن (الشتوية) لم تأتي.. الناس تنتظر أن تدفع الحكومة استحقاق الدعم، عندها (إن شاء الله) سيتحرك (الشغل)، نجلس طوال النهار كما ترى، سيارة أو أكثر، اشتقنا لأيام الزحمة».
بالوقت نفس كل من تلقاهم من مواطنين يتحدثون عن انتظار الدعم الحكومي.. وأن بالإمكان الصبر حتى نهاية الشهر.. والله سيكون معنا، الله يعين، ولكن ذعراً يتوجس في داخل الناس عن الأيام القادمة بلا دعم.
• أحد المواطنين: «في السنة الماضية /1000/ لتر، هكذا قدرت الحكومة استهلاك المواطن، هذه السنة قدرته بـ /10.000/ ليرة أي برميلين مازوت.. في السنة القادمة (كالونين)، ربما بعد ذلك سندفع للحكومة، ربما سيطلب من المواطن أن يدعم الحكومة.

من يدعم الفراغ؟

المازوت ليس هاجساً وحيداً.. ربما يكون الأهم لدى الناس. لكن الهواجس الأخرى (وإن كانت دون دعم أن تعهد) مهمة؛ العيد الذي يدق الأبواب مهرولاً، الأطفال الذين ينتظرون الأراجيح والألبسة الجديدة، حلويات العيد، الغلاء الذي يفرض نفسه على كل شيء، الراتب المحدود التي سيقبضه الموظفون قبل العيد ليملأ الأسواق بالحركة، الأسواق الخاوية حتى اللحظة، المواطنون المتفرجون على الواجهات التجارية  العريضة، الأرقام الخيالية لأسعار الألبسة.. حتى الأسواق الشعبية دب فيها الغلاء.
الفراغ حتى اللحظة يسيطر على الجيوب والأسواق وحتى الآمال، والمواطن يهيئ نفسه للاحتمالات الأسوأ.. الأكثر واقعية، عيد أضحى سعيد على (قد) الحال، سيعقب العيد شهر طويل وقاسٍ... وإذا نفذت الحكومة وعدها بدفع استحقاق الدعم على الأقل سيملأ المواطن برميله لكن بعد ماذا؟!
أصحاب المحلات الذين ينتظرون حركة العيد ليسوا متفائلين بموسم حقيقي لأنهم يدركون هواجس الناس الذين لن يقامروا برواتبهم، حتى لو هبطت الأسعار نتيجة عدم الطلب.
في العادة وفي موسم مشابه تتسابق المحلات والماركات في كسر الأسعار، في إعلان التخفيضات على أسعارها، وإن كانت في حقيقتها وهمية، حتى الآن لم تتزين الواجهات بشعارات /50% SOLD/، بعض محلات (المولات) الكبيرة على خجل «اشتر قطعتين والثالثة مجاناً»، البعض الآخر اكتفي بالشعارات دون إعلان تخفيض واضح «نحن الأفضل والأرخص»، والأغلبية تنتظر.
أما محلات (الحلويات) التي تعد مطابخها (ما لذ وطاب) ليست بأقل تشاؤماً... هل تصنع للعيد القادم ما كانت تصنعه في أعياد مشابهة، أو سيكون هذا الموسم موسم انكسار.. أم تتريث حركة السوق، أو مفاجأة من عيار ثقيل تنقذ السوق من الركود؟!

على الأرصفة

زحام العابرين والمتفرجين لا يخلق حركة ذات نفع.. أو حركة مجدية، لكن من فرشوا الأرصفة يبدون أكثر تفاؤلاً عن من هم في المحلات، الأرصفة الدمشقية وخصوصاً أمام الازدحام في الكراجات هي أسواق متحركة ومتنوعة، الأحذية والألبسة والمأكولات والدخان والكهربائيات، ماسحو الأحذية وبائعو اليانصيب.. سوق مفتوحة على الشارع لا زبون ذو هوية لديها.. كل العابرين زبائن محتملين.
الأيام التي ستسبق العيد ستكون عامرة بالبضائع، ربما حتى أصحاب المحلات سيلجؤون إلى بعضهم لعرض بضائعهم الكاسدة، ليس من وقت محدد لفتح البسطة أو إغلاقها.. ربما ستزعجهم شرطة المحافظة، ثم يعود الوضع إلى ما هو عليه.. في الأغلب تعودوا هذه المضايقات والمطاردات.. أمام وكالة سانا ستنتشر كما العادة بسطات القمصان والبنطلونات، يعلق الباعة قمصانهم على عربات متنقلة، وبالمقابل سيارات تحمل الفواكة والخضراوات.. وباعة (CD) يفرشون الأرض، وفي ظل جدار الوكالة ماسحو الأحذية، وباعة اليانصيب، وعلى سكة قطار (الربوة) القديم ستقف سيارة (حلويات) تحمل «الوربات، مشبك، العوامة» حلويات الفقراء والدراويش، في زاوية الشارع ستقف عربات الموز، والموالح، ويقابلها بائع الصحف الأزلي.
سيناريو الأرصفة سيتكرر كما في كل موسم يشابه الموسم القادم، هنا يجلس من لا ينتظرون أن تصنفهم الحكومة ضمن أية شريحة.. واضحون.. شريحة لا تحددها هوية أو دخل أو تصنيف.
أما العابرون فربما ينتمون إلى شرائح، لكن أكبرها هي الشريحة العارية، التي بالكاد تستطيع أن تعبر أمام الشريحة غير المصنفة دون أن يرف لها جفن.. هنا تتباهى الشرائح غير المحددة، هنا يمكن أن لا تختنق بعريك.

المدعومون

كانت للتندر.. أو للتميز.. «مواطن مدعوم».. أي أن له صلات مع جهات ذات نفوذ.. مواطن لا يخاف من أحد، ويجد دائماً من يدعمه، الآن صارت الكلمة للتفكه، للضحك.. «المواطن المدعوم» هو المواطن الذي لا ظهر له ولا سند.. المواطن الذي ينتظر أن تفرج له الحكومة عن (برميل) مازوت، وآخر بعد شهرين، المواطن المدعوم هو الذي يسكن خارج فنادق الخمسة نجوم والشوارع الهادئة، والشوارع النظيفة. هو الذي لا يمر دون نظرة مستغربة في أماكن الأغنياء، هو المواطن الذي لا يجرأ على الوقف أمام أحد المحلات (الفورسيزون)، محلات الألبسة أو حتى (كافتيريات) الراحة والمتعة. المواطن الذي يمر سريعاً ومطاطئاً.
بالمقابل هناك مدعومون لا ينتظرون دعماً.. دعمهم (منهم وفيهم)، النائمون على الملايين، الموظفون الفاسدون، مرتشو القطاع العام القطاع الخاص الذي ربما (يزكي) عن استلاب العامل على مدار الشهر بآلاف قليلة عن أرواح أمواته، ومؤسسي ثرائه، الأثرياء الجدد الذين ولدوا من رحم القطاع العام المتداعي، أصحاب الفعاليات الجديدة.. والمهن الوافدة.


مخطط مفترض

السنوات القادمة... ربما في عام 2010، العام التي تنتهي فيه خطة الفريق الاقتصادي العاشرة، وعلى أبواب الخطة الحادية عشر، ربما سيكون السيناريو المتوقع للدعم كما يلي:
- /1000/ ل.س لدعم المواطن بالكهرباء بعد أن بدأت ملامح خصخصتها جلية وواضحة.
-  /500/ ل.س لدعم المواطن بالماء بعد أن تتالت مواسم الشح التي ربما ستفرز شركات تعبئة الماء المعد للدعم، لمواطن مدعوم لا تصله الماء.
-  /500/ل.س دعم أعياد.
- /300/ ل.س دعم تلوث وبيئة.
- /200/ ل.س دعم بطالة.
- /100/ ل.س دعم تحديد نسل.
- /50/ ل.س دعم أدوية.

في انتظار الدعم الممهور بتعهد المواطن بأنه لا يملك إلا أن يكون فقيراً.. سيمر العيد.. ويستدين.. ينتهي الدعم ويستدين.. تبدأ دورة دعم جديدة أقل بعد إنجاز الخطة الخامسة، ويستدين؟
في زحمة الحديث عن الدعم.. والمناسبات التي ستليه.. شركات القطاع العام  الـ/17/ التي تنتظر مصيراً يشبه مصير (بردى) في الاستثمار أو البيع، ذاهبة أيضاً إلى التقاعد.. أما آلاف العمال الذي ربما تدعمهم الدولة بنقلهم إلى شركات أخرى ستتحول بعد فترة إلى شركات خاسرة، هؤلاء العمال إلى مصير مجهول، واتحاد عمال لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ونقابات خائرة.. وقانون عمل يعامل العامل نداً لصاحب العمل.. في هذه الزحمة... يصبح الحديث عن الدعم مقدمة لمخاوف قادمة أكثر هولاً...