_
يوسف البني يوسف البني

إجراءات رسمية وشبه رسمية لتهريب المازوت السارق يأكل الدجاج، والحارس يقع في السياج

طوابير طويلة من الباصات والشاحنات وسيارات النقل العام نجدها تصطف يومياً أمام محطات توزيع الوقود، بانتظار قدوم صهريج مازوت، وقد لا يأتي، وغالباً ما تبيت هذه السيارات منذ الليلة السابقة أمام المحطة أملاً في الحصول على كمية من الوقود تسمح لها بمتابعة العمل في اليوم التالي، وإذا لم يحالفها الحظ فالتعطل عن العمل نصيبها، وأزمة نقل محتملة ومتوقعة بانتظار الفرج القريب،

وقد امتدت هذه الظاهرة الأزمة لتشمل في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أيام الخميس والجمعة والسبت بتاريخ 21-22-23/7 محافظةً بأكملها انقطع فيها وقود محركات السيارات لتعيش ثلاثة أيام مقطوعة عن العالم الخارجي، معزولة عن عما يجري في البلاد، وتوقفت حركة السير وشركات النقل والتواصل مع المحافظات الأخرى، والسبب: لا يوجد مازوت، فهل يتم تحويل مخصصات المحافظات التي لا تتم فيها عمليات تهريب مازوت إلى المناطق التي تتم فيها عمليات التهريب على مرأى ومسمع من الجميع؟! وهل هو مخطط مدروس ومحمي؟ 

إذا كانت مصافي النفط المحلية تنتج 4 مليارات ليتر من المازوت سنوياً، ويتم استيراد 5 مليارات ليتر لاستكمال احتياجات السوق الداخلية السورية من الوقود، فأين تذهب هذه المليارات؟! ولماذا لا يستفيد منها المواطن السوري؟ يبرز إلى الأذهان مباشرة السبب المتمثل في عمليات تهريب المازوت، والتي فتحت قاسيون لها عدة ملفات، وأشارت إلى أماكن الخلل المحتملة، وطالبت بالتحقيق والتفتيش حول الموضوع والمتورطين فيه والقائمين عليه، ولكن دون تجاوب من أحد، بل على العكس وردت معلومات جديدة إلى الجريدة تفيد بمحاولة بعض المسؤولين التستر على الموضوع، وأخذ المشكلة باتجاه آخر، بعيداً عن التفتيش والتحقيق للوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المخالفين. 

التهريب بين الإعلام الرسمي

والمعاملات الرسمية

كثيراً ما طالعتنا وسائل الإعلام المحلية في الأيام الأخيرة بأنباء عن مصادرة وتوقيف صهاريج مازوت في طريقها إلى التهريب خارج القطر، وكان معظمها في مناطق قارة والنبك من ريف دمشق، ومن المناطق المجاورة للحدود اللبنانية من محافظتي حمص وطرطوس، ومن المنافذ الحدودية التركية في محافظة حلب.

ففي قارة وفي عملية واحدة تمكنت ضابطة جمارك المكافحة من حجز ومصادرة ثلاثة صهاريج يحمل كل منها كمية 23 ألف ليتر مازوت، معدة لتهريبها إلى لبنان، وبالتدقيق في وثائق الصهاريج المذكورة تبين أنها قامت بتحميل مادة المازوت من مستودعات شركة سادكوب في عدرا لنقلها إلى محطات وقود محددة بمهماتها، ولكن تم تحويل نقلها إلى المنطقة الحدودية قارة مخالفين بذلك تعليمات رئاسة مجلس الوزراء رقم 7818/1 تاريخ 14/9/2004 التي تحدد آلية نقل مادة المازوت وغرامات المخالفة.

وفي حلب وللمرة الثانية خلال يومين فقط ضبطت جمارك حلب 20300 ليتر من المازوت على طريق حلب ـ منبج معدة للتهريب عبر الحدود السورية التركية، كما تمكن عناصر المكافحة والجمارك في حمص وخلال عملية واحدة من مصادرة 120 ألف ليتر مازوت معدة للتهريب خارج البلاد.

وتتالت الأنباء عن مصادرة وتوقيف صهاريج المازوت المعدة للتهريب خارج البلاد، حتى  وصلت خلال أسبوعين فقط إلى ما يزيد عن عشرين صهريجاً، وهذا الرقم المصرح به من أصل الرقم الحقيقي أو الصهاريج التي لم يتم ضبطها وتوقيفها، فكيف تتم عملية تحويل الصهاريج إلى التهريب، مع أنها تكون موجهة ضمن أمر مذكرة شحن رسمية إلى محطة محدده؟

وقَعَت «قاسيون» على بعض المعلومات الخطيرة والتي لا يتعامل معها أحد من المسؤولين بجدية كاملة، وهذا يساعد على استمرار ظاهرة تهريب المازوت دون محاربة حقيقية للوصول إلى القضاء عليها نهائياً، وحصلنا على بعض الصور الضوئية لعدد من مذكرات شحن مادة المازوت، وكان في معظمها طلبان يتضمنان حوالي 45 ألف ليتر من المازوت، محوَّلة من الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية /محروقات/ فرع المنطقة الجنوبية، مستودعات البترول في عدرا، إلى محطات الوقود في قارة والكسوة ومناطق ريف دمشق، وتضمنت المذكرة الأختام الرسمية لمراقبة البيع وقسم الشحن وتصريح الخروج، ولكنها لم تحمل ختم استلام الكمية من المحطة، بل تم التسجيل حرفياً على المذكرة (لا يوجد ختم استلام) وهناك مذكرات شحن كثيرة تتضمن الإشكالية نفسها. 

من يتستر أو (يطنش)

عن  عمليات التهريب؟

بناء على مخالفة مذكرات الشحن لاستكمال إجراءات التسليم وعدم تضمُّنها ختم المحطة المستلمة للشحنة، قام رئيس شعبة أجور النقل برفض تسليم أجور الشحن لأصحاب الصهاريج المخالفة، فقام رئيس جمعية سائقي الصهاريج برفع شكوى إلى الرقابة الداخلية بتهمة الفوضى وسوء المعاملة من رئيس شعبة أجور النقل لأصحاب الصهاريج. فجاء في تقرير الرقابة الداخلية الذي أيدته الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، أنه بناء على معلومات عن أخطاء في تصفية فواتير أجور النقل للصهاريج، وصدور شيكات مختلفة بالقيمة عن الفواتير، وقيام رئيس شعبة أجور النقل بإرغام بعض السائقين على توقيع طلبات يرغبون فيها باستلام مستحقاتهم من الحجاز وليس من عدرا، بعد أن أثارت الجمعية طلب نقل شعبة أجور النقل إلى عدرا لسهولة التعامل، لإبعاد رئيس شعبة أجور النقل بفرع محروقات دمشق عن العمل في الشعبة إبعاداً احترازياً، كما تضمن التقرير بعض التوجيهات الأخرى.

ورداً على التقرير الرقابي جاءت مذكرة رئيس شعبة أجور النقل، ورئيس اللجنة النقابية الثامنة، إلى رئيس مكتب نقابة عمال النفط لتوضح بعض الملابسات، وتشير إلى الكثير من التجاوزات وتضع إشارات استفهام وتساؤلات كبيرة. وجاء في المذكرة:

ـ تقوم شعبة أجور النقل باحتساب أجور الصهاريج الناقلة للمشتقات النفطية من مستودعات الشركة إلى المحطات الخاصة والعامة بموجب أذونات شحن «فواتير» ممهورة بأختام الاستلام والتسليم أصولاً، ولا يتم صرف هذه الفواتير إلا بموجب هذه الأختام حسب التعليمات رقم /3095/ تاريخ 19/8/2010 وغيرها، وقد اشتكى رئيس الجمعية التعاونية لسائقي الصهاريج بأن لا علاقة له بختم الاستلام على الفواتير، وأنه يجب صرفها دون ختم استلام، وأحيلت القضية عدة مرات إلى الجهات الرقابية التي أكدت مراراً على ضرورة استكمال الأختام والتواقيع على أذونات الشحن، ونحن نلتزم بالتعليمات القانونية ونوقف صرف الفواتير التي لا تحمل ختم استلام الشحنة من المحطة المحددة.

ـ قام رئيس جمعية سائقي الصهاريج أكثر من مرة بالتهديد والوعيد لضرورة صرف الفواتير غير المستكملة وغير الممهورة بالأختام، فرفضنا، فلجأ بالشكوى إلى إدارة الشركة التي تجاوبت مع الشكوى وسُطِّر الكتاب رقم /1209/ تاريخ 28/4/2011 من إدارة فرع دمشق، بالاستناد إلى هاتف مسجل من المدير العام، والذي ينص على ضرورة صرف الفواتير المخالفة ولكن مثل هذا العمل بصرف الفواتير غير الممهورة بختم استلام في المحطة يسهل عملية تهريب المازوت.

ـ اشتكى رئيس جمعية سائقي الصهاريج إلى الوزير، وتمت إحالة الشكوى إلى الإدارة العامة لشركة محروقات ـ مديرية الرقابة الداخلية، وكانت نتيجتها التوصية بإبعادي أبعاداً احترازياً عن عملي دون التحقيق معي أو سؤالي أو سؤال رئيس الدائرة المالية.

ـ إن ما ورد في التقرير الرقابي في البند الأول من وجود فوضى في عمل الشعبة وسوء المعاملة، فهو بسبب امتناعنا عن صرف الفواتير المخالفة التي تسهل عملية تهريب المازوت، وعدم تجاوبنا مع طلبات رئيس الجمعية غير القانونية. 

مخالفات وأسئلة

هكذا إذاً يجري التعامل مع هذا الأمر الخطير، في المؤسسة الأكبر المسؤولة عن هذه الثروة الوطنية الهامة! فبدلاً من التساؤل عن ختم المحطة المستلِمة للشحنة، ومن استلمها؟ وأين ذهبت الشحنة؟ يبعدون رئيس شعبة أجور النقل الذي رفض صرف أجور نقل الشحنات التي لا تحمل ختم الاستلام القانوني!

وقد علم السيد وزير النفط والمدير العام للشركة بالتجاوزات ولم يتم توجيه التحقيق نحو عدم وجود ختم الاستلام، ومن يستلم هذه الشحنات؟ وكيف يتم التعامل مع من يستلم الشحنة بتسديد ثمنها إلى صندوق الشركة العامة لتخزين وتوزيع المشتقات النفطية؟ ومن يدفع ثمن الشحنة؟ وكيف؟ وبناء على أية فواتير؟ نظامية أم غير نظامية؟

وحتى الرقابة الداخلية في الوزارة والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش نحت في المنحى نفسه، وبدلاً من التدقيق بعدم قانونية الفواتير وعدم استكمال الأختام، فتحت التحقيق بموضوع الفوضى وسوء المعاملة من رئيس شعبة أجور النقل بفرع محروقات دمشق، على رأي المثل القائل «يُبرَّأ خنجر القاتل، وتُشنَق جثة المقتول».

ـ نقابة عمال النفط تطلب من الوزير تشكيل لجان مشتركة من وزارة النفط وشركة محروقات والتموين، لمعايرة المازوت الموجود في المحطات بشكل يومي، لمقارنة كميات المازوت مع الفواتير الموجهة إلى كل محطة، للتأكيد هل تم استلام المازوت فعلاً من المحطة أم لا؟!

ـ هناك إشارات استفهام وتساؤلات، وربما اتهامات، لرئيس جمعية سائقي الصهاريج بأنه يساهم في تهريب المازوت وعدم إيصاله إلى المحطات، وهناك حديث حول أنه يجري الدفاع عنه من الوزير والمسؤولين الكبار في شركة محروقات، وحتى الجهات الرقابية والتفتيشية.

ـ في منطقة القلمون وحدها يوجد أكثر من سبع محطات، ويشكو المواطنون من انعدام وجود مادة المازوت فيها، علماً أنه يخصص لكل منها يومياً طلبين ضمن فواتير رسمية، وهذا يعني ضياع ما يزيد عن عشرة صهاريج يومياً في منطقة القلمون لوحدها، وإذا أضفنا لها منافذ التهريب في حمص وطرطوس إلى لبنان، ومنافذ التهريب من حلب إلى تركيا، فقد يصل العدد يومياً إلى أكثر من عشرين صهريجاً، حمولة الواحد منها 30 ألف ليتر من المازوت، وتبلغ تكلفته على الخزينة (حسب مصادر وزارة النفط) 1.5 مليون ليرة سورية، وبحسبة بسيطة نجد أن الكمية التي يفتقد إليها المواطنون السوريون قد تبلغ يومياً 600 ألف ليتر بقيمة 30 مليون ل.س، أي أنه في الشهر قد تضيع على احتياجات السوق الداخلية ما يقارب مليون و800 ألف ليتر بقيمة 900 مليون ل.س، وفي السنة ما يزيد عن عشرة مليارات ل.س.

نعم إن الوضع خطير وكبير إلى هذه الدرجة، ونهيب بكل المسؤولين عن هذا الموضوع أن يتعاملوا معه بجدية تامة، فليس الأمر مجرد تهريب ليترات من المازوت، بل هو استنفاذ لهذه الثروة الوطنية الهامة، والتي من حق كل المواطنين الحصول عليها والتمتع بها، لتعود فوائدها خدمة وراحة للمواطن، وحفظاً لثروات الوطن.

آخر تعديل على الأربعاء, 12 تشرين1/أكتوير 2016 14:29