_

رمضان.. من المعاني الروحية السامية.. إلى الجشع والاستغلال

اتصف شهر رمضان طوال السنين الغابرة، وحتى وقت قريب، بالخير واليمن والبركات، وكان العالم ينتظره بفارغ الصبر، لما يمثله من الرحمة والمغفرة، أما في السنوات الأخيرة فقد تحوّل عملياً عند البعض إلى فرصة للربح الفاحش والاستغلال البشع، والاحتكار اللامعقول في التعامل مع المواطن، تشهد عليه وتعززه ما تشهده حركة السوق من ارتفاعات غير عادية في أسعار جميع السلع الاستهلاكية، وفوضى عارمة في جميع منافذ البيع، لتصبح المناسبة مبرراًً لهؤلاء وللكثير من التجار لجمع المال السريع، وتشريعاً يكاد يكون قانونياً في طرق الغش والتدليس والحرام، واحتكار السلع التي يحتاجها الناس، وعرض وبيع ما يرغبون بالتخلص منه، من المواد غير الصالحة للاستعمال البشري.

التجارة الخارجية والوعود 

كالعادة وكما في كل السنوات التي مرت، أعلنت وزارة الاقتصاد أنها لن ترحم المخالفين والمتلاعبين بالأسعار، وكررت جملتها المعهودة، والتي حفظناها عن ظهر قلب، بأنها ستضرب بيد من حديد، والمؤسف أن المواطن لم يعد يقتنع بتلك الوعود، وملّ ويئس من انتظار تنفيذها، وبدورها فإن مديرية التجارة الخارجية وقبل أيام من المناسبة، أعلنت خطتها لضبط الأسواق، بما هو لصالح المواطن، إلا أن أسعار المواد وبشكل مخالف تماماً لتصريحاتها، قد تسللت متصاعدة بشكل تدريجي يوماًً بعد آخر، حتى وصلت في بعض المواد إلى زيادة عما كانت عليه أسعارها، المرتفعة أصلاً أكثر من 35%، لتتجاوز بذلك الحد الاعتيادي الذي بالكاد استطاع المواطنون المسحوقون تحمله.

الأسعار المخفضة سمعنا بها ولم نلمسها 

قبل يوم واحد من قدوم شهر رمضان أعلنت الحكومة، عبر وزرائها ومن خلال الصحف المحلية الثلاث، أنها خفضت أسعار بعض السلع الرئيسية كالرز والسكر والبرغل والزيت والعدس إلى النصف، وبعضها بنسبة 25 بالمائة والآخر بنسبة 15 بالمائة، لكن التصريحات جاءت فقط للتغرير بالمواطن المسالم وللتقليل من غضبه ورفضه لما يجري على الساحة السعرية والاقتصادية عموماً، فعندما توجهنا، في اليوم التالي للتصريح، إلى مؤسسة الخزن والتسويق التي تزامنت وعودها مع وعود الوزراء بإعلان قائمة من المنتجات الغذائية لبيعها بأسعار تقل بنسبة 25% عن القطاع الخاص، لم يسمع موظفوها بتلك التخفيضات، حتى أن أحدهم ذكر لنا بأن المدير العام مسافر، وهم لم يتلقوا تعليمات بهذا الخصوص على الإطلاق، والأسعار المعروضة مازالت كما كانت عليه قبل أسبوع من حلول الشهر الكريم، وهذا يؤكد أن التصريحات والوعود والقرارات شيء، وما يجري على أرض الواقع شيء مختلف، وأن أسواقنا أصبحت بحاجة إلى نظريات خاصة بها في الدراسة والتحليل. 

2008 عام النكبات للشعب السوري 

ما زلنا نتذكر أحاديث آبائنا وأجدادنا عن السنوات العجاف التي مرت بها البلاد في العقود الماضية، وكيف احتجبت أبواب مؤسسات الدولة ومنافذ بيعها خلف طوابير طويلة من البشر المتصارعين للحصول على علبة سمنة أو كيلو غرام واحد من السكر، ويبدو أننا سنروي للأجيال القادمة ما فعله الفريق الاقتصادي في عام 2008  بالشعب السوري، الذي تحولت حياته إلى جحيم لا يطاق، بعد أن تلقى في هذه السنة ثلاث نكبات دفعةً واحدة، أول هذه النكبات كان قيام الحكومة برفع الدعم، وثانيها قدوم شهر رمضان وموسم الأعياد وافتتاح المدارس، وثالثها اضطرار المواطن إلى البدء بتخزين مؤونة الشتاء. وما يربط تلك النكبات الثلاث مع بعضها هو الارتفاع المتواصل والجنوني للأسعار، وخاصةً أسعار المواد الأكثر حيويةً بالنسبة للمواطن السوري ذي الدخل المحدود، الذي سقط بالضربة القاضية مع اختلال معادلة تناسب الأجور مع الأسعار.

فأسعار المستلزمات المدرسية قد أصبحت مرتفعةً جداً، ومن لديه ثلاثة أو أربعة أولاد في المدرسة والجامعة لن يستطيع تأمين نفقاتهم حتى لو عمل لمدة ستة عشر ساعة في اليوم، بعد أن وصلت (صرعات) الموضة حتى إلى لباس المدارس الحكومية، التي لم تستطع أن تقضي على الفروق الطبقية بين الطلبة، ليبقى الصراع دائماً ومستمراً، نعيشه منذ طفولتنا وسني دراستنا وحتى شيخوختنا إن وصلنا إليها، ولم ينقصف عمرنا ونحن في ميعة الشباب.. 

وزارة الاقتصاد والركض وراء الأسعار 

لم تكن الجولة التي نظمتها وزارة الاقتصاد والتجارة على بعض أسواق دمشق بهدف الوقوف على واقع الأسعار وحركة البيع والشراء، بمستوى الآمال المعقودة عليها، فهذه الجولة التي ترأسها عبد الخالق العاني معاون وزير الاقتصاد والتجارة لشؤون التجارة الداخلية، بمرافقة بعض عناصر مديرية حماية المستهلك في الوزارة، ومديرية تجارة دمشق، ومديرية الأسعار في الوزارة، شاهدت بأمهات عيونها بورصة أسعار المواد الغذائية بمختلف أنواعها من خضار وفواكه وبيض ولحم وفروج، وهي المواد المرتبطة مباشرة بموائد رمضان، دون أن تحرك ساكناً لرفع الغبن الواقع على المستهلك الفقير.

في السوق كان المواطنون يتدفقون على المسؤولين للإدلاء بآرائهم، مؤكدين أن الأسعار في أي سوق شعبي تفوق قدرتهم الشرائية، والأسعار قد ازدادت أضعافاً مضاعفة عن الأيام السابقة، بسبب عدم التزام التجار وأصحاب المحلات بسعر محدد مع غياب الرقابة التموينية الفاعلة والصارمة.

إلا أن اللافت في الموضوع أن الأسعار قد عادت إلى ما كانت عليه بعد ساعات قليلة من جولة الوزارة، والتي كانت حصيلة غنائمها من هذا السوق عشرة ضبوط تموينية فقط، بسبب البيع بسعر زائد، فالبقدونس عاد سعره إلى 15 ل.س، والخيار إلى 25 ل.س، والليمون إلى 75 ل.س، كذلك الأمر بالنسبة للفواكه، فالدراق بـ65 ل.س، والتفاح بـ70 ل.س، والعنب بـ40 ل.س، والبطيخ بـ12 ل.س، أما بالنسبة للحوم فارتفع سعر كيلو الفروج المنظف إلى 145 ل.س، وكيلو لحم الفخذ إلى 175 ل.س، والمستغرب أيضاً ارتفاع أسعار الأجبان والألبان التي يخف تناولها في هذا الشهر، فجبنة القشقوان ارتفع سعرها من 220 ـ 255 ل.س، وجبنة الشلل من 190 ـ 235 ل.س، وعلبة اللبن التي تزن كيلو غراماً واحداً إلى 40 ل.س.

والسؤال: إذا كانت هذه أسعار سوق شعبي، فكيف ستكون الأسعار في أسواق المناطق «الراقية»؟ً 

موائد الرحمن والأيام الخوالي 

حتى ظاهرة موائد الرحمن، التي كنا نشاهدها في السنوات الخمس الماضية، تلاشت على ما يبدو في هذه الدورة الرمضانية. وقد يكون هذا الأمر صحيحاً من الناحية الإنسانية والاجتماعية، لكن كان وما يزال المطلوب إيجاد البديل الإنساني المناسب لمن لا يجد ما يأكله بسبب انفلات الأسعار، وإذا كنا ضمنياً ضد فكرة هذه الموائد التي كانت تقام كل سنة، بسبب الطريقة المجحفة التي كانت تقدم بها، والأسلوب المجحف والمهين الذي يعامل به من هم بحاجة إلى هذه الموائد، إلا أننا نستنكر أيضاً الطريقة الجديدة التي ابتكرها البعض للإساءة لفقراء هذا الوطن، والتي تتجسد بتوزيع أكياس تحوي مواد تموينية مختلفة في عدد من الساحات العامة، أمام أعين الذاهب والقادم، والغريب والقريب، هذا المنظر المسيء الذي يجعلك بمجرد النظر إليه تظن بأننا نعيش في حالة حرب أو في يوم القيامة!!

إن هذا المنظر يدحض بالدليل القاطع أقوال السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، حول عدم وجود فقراء في سورية، وللتأكد من ذلك ننصح الوزيرة بأن تمرَّ مروراً خاطفاً أمام هذه الطوابير من المواطنين الفقراء الذين أضنتهم الحاجة لرغيف خبز يسدون به جوعهم وجوع أطفالهم. 

الدردري ورمضان والليالي الملاح 

سيتذكر المواطن السوري هذا الشهر من عام 2008 جيداً، ولعل ما قاله المواطن سمير محمد، الذي التقيناه لدى تجوالنا في أحد الأسواق، ينضوي على الكثير من الحقيقة، فقد قال: «لن ينسى أي مواطن سوري صغيراً كان أم كبيراً هذا العام، وهذا الشهر، الذي يستحق أن يسمى بجدارة (رمضان الدردري)، فما يجري الآن هو خطوة أخرى من الخطوات المتكاملة التي يخطوها الفريق الاقتصادي، والتي حولت حياتنا إلى كابوس لا يطاق».

فيما أكدت المواطنة أمينة عبد الكريم لقاسيون: أن «الأغنياء لن يشعروا أبداً بما يعانيه الفقراء، وكل ما يجري هو على حساب لقمة عيشنا وفرحة أولادنا»، مضيفة بأنها في السوق منذ أكثر من ثلاث ساعات، وذلك من أجل شراء المواد الغذائية ذات السعر الأقل، حتى لو كانت من نوعية رديئةً.

أما أحمد صاحب إحدى البقاليات فقد قال: «لم نعد نعرف من الذي يضع الأسعار، المهم أننا نبيع بضاعتنا على كيفنا» وأكد أحمد أن كل شيء في هذا البلد يمشي بقدرة قادر، وارتفاع الأسعار لا يهمه لأنه ليس المسؤول عنه، وإن لكل مشكلة حل مهما كان نوعها، والذين يزورونا لهم دواؤهم.

بينما أكد أبو طارق وهو صاحب محل في باب الجابية: «إن ما يجري في هذا الشهر بعيد كل البعد عن معناه، وإن كل البضاعة المكدسة طيلة أيام السنة والمنتهية الصلاحية تباع في هذا الشهر الذي أصبحت سمته الغش والاحتيال، ونصب التجار على العباد، والمواطن هو ضحية كل ما يحصل.

هذه بعض الشهادات من أناس ما زالوا يؤمنون أن الحكومة ما تزال تملك النية (وهو أضعف الإيمان) على تقديم يد العون لهم، ولا يدركون أنها عبر فريقها الاقتصادي أحد أهم المساهمين في إيصالهم إلى هذا المستوى من التدهور المعيشي.. 

رمضان كريم يا ناس 

إن ما يحدث يؤكد غياب الرقابة بكل أشكالها، ويؤكد أيضاً خطأ الحكومة الجلي في التعامل مع آليات العرض والطلب، ولن يفيدها بعد الآن التسويف بشيء بعد فوات الأوان، وإذا كان رمضان كريماً، فإن التجار وأصحاب القرارات لم يتركوا له مجالاً لإظهار كرمه وبركاته، بل جعلوه فرصة للربح غير الشرعي، والاستغلال، على حساب كرامة الوطن والمواطن.

ali@kassiounorg

آخر تعديل على الأربعاء, 14 كانون1/ديسمبر 2016 15:01