_

على أبواب صيف ساخن.. المواطن السوري المعدم يبيع حتى الدعم!

شهر واحد يفصل بين عام من الاستحقاقات القاسية التي عاشها المواطن السوري في رحلة الانحناء الطويلة التي كسرت ظهره، من أزمة إلى أخرى، من مطب إلى آخر، من اختبار حكومي لصبره المميز، من رفع الدعم إلى دعم منقوص، من طوابير في البرد، إلى تزاحم مرير لاستلام البون الورقي، ولهاث ليلي نهاري للبحث عن ثمن وجبة الغداء التي صارت عبئاً على الأسرة السورية.

آخر المرارات

ليس أمراً مفاجئاً ما يجري في الحسينية والذيابية في أقاصي الريف الدمشقي، الناس على حافة الفقر، السكان هناك قسمان، سكان المنطقة الأصلية، والوافدون إليها من كل المحافظات، موظفون، عمال فعالة، باحثون عن رزق عابر.. ثم القسم الثاني، وهم الأهالي الجدد الذين منحتهم محافظة دمشق ما يعرف بالإيواء، وهم على سبيل المثال (سكان كفرسوسة) الذين هدمت منازلهم ولم يستطيعوا أن يثبتوا ملكيتهم، وكلٌّ صار شريكاً في الفقر المدقع، وكان شريكاً في فقر محتمل عندما كان هناك سقف يؤويه.

آخر المرارات أنهم باتوا يبيعون الدعم الذي قدمته لهم الحكومة، فعلى عينك يا تاجر بدأ بعض الذين يعيشون على الأزمات بشراء دفاتر الوقود المدعوم، ويعرضون أسعاراً مغرية، والبعض يستغل حاجة من يعرف حالته الفقيرة ويعرض على الأكثر زيادة  ليرة سورية واحدة فقط. 

خيارات بيع الدعم

لماذا يبيع السوري دفتر الدعم؟ وكيف سيعوض البرد ببعض الآلاف التي سيحتاجها هذا الصيف الساخن؟.

أبو أحمد: لن أبيع كل القسائم، 500 لتر من المازوت تكفيني في الشتاء، وباقي التدفئة من دعم مختلس من الدولة (الكهرباء)، فما سأبيعه سأفرج نفسي به قليلاً في هذه الأزمة الخانقة.

أم ياسر أرملة: سأبيع كل القسائم، وحتى يأتي الشتاء القادم (يفرجها الله)، نحن نعيش على مبدأ: عيّشني اليوم ولأمت غداً.

فاروق (ش)، وافد من كفر سوسة: حتى اللحظة لا أدري ما سأفعله، لكنني سأبيع كل الدعم والذي بالأساس لم أستفد منه، فعندما كان سعر اللتر 7 ليرات لم أكن قادراً على شرائه، والمحافظة المصونة أنذرتنا بالإخلاء، وهذه المرحلة ستكون قاسية جداً لأنني وأولادي سنكون في الشارع، هل سنأكل القسائم.

أحمد(م): لا تلم أحداً، الفقير لا يلام، الفقر كفر، أنا موظف مثل بقية الشريحة التي أنتمي لها، أعمل سائق سرفيس بعد الظهر، ومع ذلك لا أستطيع أن أعيل أسرتي المكونة من ثلاثة أولاد وأمهم، في المحصلة وعند مرض أحدهم سأرضخ للبيع. 

من يشتري الدعم؟

سؤال ببساطته، يحمل أبعاداً خطيرة، يقول البعض إنهم تجار، مواطنون ميسورين، بعض الفلاحين الذين لم تدعمهم الدولة، أصحاب مصانع خاصة، مهربون..الخ.

* الفلاحون الذين أبقتهم الحكومة خارج الدعم، بدأ يعضهم بعد أن فاض به الكيل بالتفكير بشراء القسائم ممن يحتاج لسواها، لماذا والفلاح مع الدعم كان خاسراً، فكيف بعد أن صار يشتري المازوت لجراره، ولضخ المياه بمحركات تعمل على وقود غير مدعوم.

أحد الفلاحين: الحال التي وصلنا إليها لم نعشها حتى في الحلم، بماذا سأبيع المحصول الذي كان يعين الأسرة وصار كالجبل على صدري، سعر لتر المازوت 25 ليرة، الماء الذي سأسقي به صار يكلف ضعف ما يمكن أن أجنيه منه، خاسر سلفاً، إذا وجدت من يبيع قسائمه سأشتري دون تردد.

* أصحاب المصانع: لماذا لا يستحقون وقوداً مدعوماً؟ أليست الخسائر التي وقعوا بها نتيجة الكساد الذي لاقته بضائعهم في السوق المحلية، والخسائر الناجمة عن عدم رغبة من كانوا يصرفون بضائعهم إليه في الخارج بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج وبالتالي ارتفاع ثمن المنتج؟

أما في داخل المعمل فانعكس ذلك على العمال، لم يعد (الحجي) يصرف لهم المكافآت على رأي أبو صالح العامل في القطاع الخاص.

* الميسورون: وهم من شاءت ظروفهم أن يجمعوا وقود الشتاء في الصيف، وهؤلاء لن يكون شتاؤهم بارداً.

رستم (ف): هؤلاء، كانوا قبل الدعم يملؤون خزاناتهم في الصيف، ولا يعرفون طابور الكازية، ولا يملؤون الكالونات الصغيرة، هم أبناء العز قبل الدعم وأثناءه.

* المهربون والتجار: هم من يعيشون على الأزمات، على أزمات الناس البسطاء، الذين ابتلوا مع الدعم وبدونه.

الخزانات والأنابيب التي تتباهى الجمارك بمصادرتها يوماً بعد آخر من يملؤها؟ الذين ساهموا في وصولنا إلى حد الأزمة، وهم الذين يستثمرونها الآن!

الصيف الساخن حقاً

سنفترض الصيف الساخن على هيئة المستحيل، سوف ينتهي الأولاد من العام الدراسي، ومن ثم سيطلبون الذهاب لمدة أسبوع إلى اللاذقية أسوة برفاقهم، الوالد أو الأرملة التي باعت كل القسائم لن يكفيها ثمنها لهذه الرحلة المفترضة.

(المونة) التي ستبدأ ربة المنزل بالتفكير بها، ستحسب ماذا ستمون، العدس، البرغل، المكدوس، ورق العنب، الزيتون.. لن يكفيها ثمن القسائم المبيعة.

الموظف الذي يحتاج أبناؤه دورات في اللغة الانكليزية والرياضيات والفيزياء، أو سيجلب أستاذاً واحداً للغة العربية لابنته التي ستدرس الثانوية العامة العام المقبل.. لن يكفيه ثمن القسائم.

بقليل من البطر، الأب الذي اعتاد أن يدلل صغاره في الصيف الساخن بقليل من الماء البارد في مسبح تشرين أو في صالة الجلاء، وابنته الصغيرة في دورة لعزف البيانو، أو الرسم في معهد أدهم إسماعيل؛ سيعدل عن الفكرة.

في العادة تقضي أم رياض جل الصيف في بيت أهلها في الغوطة، المكان هناك واسع، الجدة في شوق للأولاد، الأرض الخضراء، بردى الممتلئ ماءً، اللعب مع أولاد الأخوال، كل ذلك لن يكون ممكناً في هذا الصيف الساخن.

لن تسافر أم محمد مع أبنائها الثمانية إلى إدلب، فأهل إدلب ينجبون ويتفاخرون، كان جدهم يلاعبهم، وينصح ابنته بكثرة العيال، في هذا الصيف الساخن سيقول لها: يا ابنتي أيامنا غير أيامكم، الحياة صارت صعبة.

في الصيف الساخن سيحمد الله (الأعزب) رغم عدم حصوله على دفتر الدعم العظيم، ورغم قسوة الحياة عليه، سيدخن أرخص أنواع الدخان الوطني، لن يدخل إلى السينما، لن يفكر بالزواج، لن يصادق أحداً، سيبر والديه في الحدود الدنيا كي لا تقول له أمه: الله يغضب عليك. 

دون أحلام

كل الوعود التي قطعها السوري على نفسه في العام الماضي، أمام أبنائه، زوجته، أصدقائه، هذا الصف يبدو ساخناً جداً، الكلام الذي أسمعه لأبنائه في العام المنصرم، طلب منهم بكل صرامة نسيانه، لا مكيف، لا براد ماء ساخن وبارد، لا ثياب إلا في عيد واحد.

أمام زوجته: لا غسالة أوتوماتيك ولو بالتقسيط الممل، لا غرفة جديدة للضيوف، لا أواني جديدة للمطبخ.

أمام الأصدقاء: سينسحب من كل ما قاله عن المرتشين واللصوص، سيعذر قاطعي الطريق، القوادين، وكل أصحاب الآثام، لا سيرانات ذكورية، لا أرجيلة على حسابه عند ما تبقى من بردى، لا بحر، الوظيفة، البيت، الحساب الدقيق، سيبيع القسائم، لن يتزوج على امرأته. 

مرارات أخرى

خارج بيع القسائم، خارج شرائها، في المحيط الذي يطوق النهار على المواطن السوري، ويجعل من ليله كابوساً طويلاً، الأسعار رغم تدخل مؤسسات التدخل الحكومية لم تزل في أوجها، الغلاء يقضم راتب العملين الأساسي والإضافي، ما زال البيض على حاله بـ150 ليرة، سعر طن الحديد 63 ألف ليرة، الاسمنت 10 آلاف في السوق السوداء، العقارات التي أطار صوابها الأخوة العراقيون كما يدعي المسؤولون والسماسرة، ما زال صوابها طائشاً بعد أن غادروا.

الصيف الساخن ما زال في أوله، بانتظار أزمة جديدة يحملها لنا في شهوره الباقية، ربما لشتاء أكثر سخونة. 

ملحق لابد منه:

على مبدأ (إن عجبك خذ) هكذا تتدخل الخزن والتسويق

لم تزل بعض المؤسسات الحكومية تجلدنا بدورها، وتقرعنا كتلاميذ لا يسمعون نصيحة أساتذتهم، ويوماً بعد آخر تصدق تلك المؤسسات أنها تمارس دورها في حياتنا، وأننا لم نشب على الطوق بعد، وأنها هي من ستأخذ بيدنا إلى حيث مصالحنا التي هي وحدها أدرى بها.

 في أزماتنا الأخيرة تدخلت الدولة لحل بعضها بعد أن ألقت باللوم على التجار وبعض ضعاف النفوس، وصرح بعض أعضائها أن الأزمة مفتعلة، وأنهم سيضربون بيد من حديد الذين افتعلوها، لكن الأمر لم يعدُ كونه إيعازاً لبعض المؤسسات بطرح بعض السلع المحتكرة في صالاتها وبسعر ليس رخيصاً، إنما أرخص من سعر السوق.

وبالفعل تدخلت الدولة عن طريق مؤسسة الخزن والتسويق، ولكن كيف كان هذا التدخل إذا كانت جل هذه المؤسسات مستثمرة، وبعض المستثمرين يشكو من الغلاء كصاحب دكان، أصابه الغلاء بمقتل، إضافة إلى أخلاق هؤلاء المستثمرين الذين يشبهون (البلطجية)؟؟.

صالة قطنا التابعة لمؤسسة الخزن والتسويق هي إحدى تلك المؤسسات، في درج المستثمر مدير الصالة يقبع الدخان الوطني ماركة الحمراء القصيرة (الورق)، وبعد سريان إشاعة أن الدخان الوطني سيرتفع سعره، وهذه القصة تتردد بين الحين والآخر من قبل بعض المحلات والموزعين لزيادة السعر من قبلهم، دخل أحد المواطنين إلى مؤسسة التدخل وسأل المستثمر عن الدخان. أجاب المستثمر: نعم، ولكن بـ 20 ليرة، لماذا؟ سأل المواطن بدهشة. أجاب المستثمر بوقاحة:  هيك.. إن عجبك خذ.

الأمر يتعدى اللغة الوقحة، إلى درجة الشكوى من أسعار الدولة، عندما واجهه المواطن أن هذه الصالة للدولة وليست قطاعاً خاصاً، لم يوفر المستثمر الدولة، قال: هل تعلم أن الدولة تنزّل لي البطاطا بسعر 25 ليرة؟ كيف تريدني أن أبيعها.. بالسعر الذي تضعه الدولة؟؟.

زيادة على ذلك تبيع الصالة بطاقات الموبايل، بنوعيها الوحيدتين، بالإضافة إلى هاتف عمومي، والخبز السياحي والسكري.. وبأسعار تضاهي سعر السوق.

هكذا تتدخل المؤسسات الحكومية لإنقاذنا، وإذا ما اقترب أحد منها بنقد يصرح مسؤولوها بأن هذا النقد يصب في خانة الهجوم على القطاع العام.. من فضلكم عرّفوا لنا القطاع العام، عرّفوا أنفسكم.. نحن نعرف القطاع العام.