_
يوسف البني يوسف البني

غذاءُ المواطن السوري رهنٌ بقرارات الحكومة.. السياسات الضريبية تقف وراء ارتفاع أسعار الفروج فجأة وبنسب عالية

 تعد تربية الدواجن من النشاطات الاقتصادية الهامة في سورية كونها توفر مادتي بيض المائدة ولحم الفروج، واللتين تشكلان جانباً هاماً من أساسيات المائدة السورية. وتعد سورية في مقدمة الدول العربية المنتجة للدواجن حيث يقدر عدد الطيور الداجنة المنتَجة فيها كل عام بحدود 400 مليون طائر، يتم من خلالها إنتاج 4.5 مليار بيضة، ونحو 200 ألف طن من لحم الفروج. وحسب إحصائيات وزارة الزراعة يكون نصيب الفرد الواحد في سورية من مجمل الإنتاج من لحم الدجاج نحو 7 كيلوغرامات وبحدود 180 بيضة سنوياً.

خسارات عديدة ومتكررة

وعلى الرغم من أهمية هذا القطاع في تأمين هاتين المادتين الغذائيتين الأساسيتين للمائدة السورية، فقد ساهمت السياسات الاقتصادية المتبعة والقرارات الحكومية في تعريضه لخسارات عديدة ومتكررة، كان أهمها وأخطرها رفع الدعم عن مادة المازوت، الذي يستعمل في تدفئة المداجن شتاء، ونقصه يؤدي إلى نفوق الكثير من الصيصان الفاقسة حديثاً، والتي هي أساس العملية الإنتاجية لهذه الصناعة واستمراريتها. ثم جاءت الضربة القاضية التي عرضت هذه الصناعة لخطر حقيقي، وهي قرار الحكومة بفرض ضميمة تبلغ 3500 ل.س على كل طن من الأعلاف المستوردة، من الذرة الصفراء والشعير، الأمر الذي أدى إلى رفع تكاليف الإنتاج بشكل لا يُحتَمَل، ودفع بالكثيرين من العاملين في تربية الدواجن والفروج إلى هجر هذه الصناعة والبحث عن مصادر دخل جديدة، وعمد بعضهم لبيع الكثير من أمهات الفروج وبيض التفقيس، وإتلاف الصيصان المنتجة حديثاً.

وفي دراسة للخبراء الاقتصاديين في وزارة الزراعة والقائمين على هذه الصناعة تبين أن كلفة إنتاج لحم الفروج في سورية، بعد رفع الدعم عن المازوت وفرض الضميمة المالية على الأعلاف المستوردة، تصل إلى 75 ـ 80 ل.س للكيلوغرام الواحد من لحم الفروج في أرض المدجنة، وهذه التكلفة تعتبر من أعلى التكاليف عالمياً، بينما تبلغ في الدول المجاورة، والتي ظروف وشروط التربية والإنتاج فيها مشابهة لظروف وأوضاع تربية الدواجن في سورية حوالي 50 ل.س في أرض المدجنة، والسبب في ذلك أن البرامج والخطط الحكومية في معظم الدول المجاورة تدعم مربي الدواجن عن طريق تزويدهم بالمواد العلفية والأدوية البيطرية بأسعار مدروسة، وتوفر لهم المخابر المتطورة لكشف المبكر عن الأمراض والأوبئة، بينما الحكومة السورية تسعى لوضع العراقيل أمام المنتج المحلي، بفرض ضرائب كبيرة ورفع تكاليف الإنتاج.

ففي الأسبوعين الأخيرين ارتفعت أسعار لحم الفروج فجأة في الأسواق الداخلية بمعدل 50% على سعر المفرَّق للمستهلك، وكان قد أُعلِن رسمياً عبر أجهزة الإعلام عن ارتفاع أسعار هذه المادة بمعدل 35% لسعر الجملة، من أرض المداجن المختصة بإنتاج لحم الفروج والبيض، وهذا الارتفاع المفاجئ في الأسعار فاجأ المستهلكين وأربك في الوقت نفسه باعة الفروج الحي والمذبوح والمشوي وكل أصحاب المطاعم، لأن الأسعار الجديدة لابد أن تنعكس سلباً على تكاليف سلة الاستهلاك المعيشية اليومية للمواطن، وقد يؤدي هذا إلى عزوفه عن استجرار هذه المادة. فقد سلمت المسالخُ محلات بيع الفروج الحي والمذبوح والمشوي بسعر يزيد عن السعر المعتاد بمعدل 30 ـ 35%، وهذا الأمر سيرهق المستهلك، وسيؤدي حتماً إلى تراجع حركة البيع. 

سياسة توليد الأزمات

للوقوف على حقيقة هذه الأزمة الجديدة وتفاعلاتها، وتأثيرها على الحياة المعيشية اليومية للمواطنين، جالت «قاسيون» على الكثير من محلات بيع الفروج، والتقت بعض المستهلكين والبائعين، وكانت لنا هذه اللقاءات:

ـ المواطن حسن طراد قال: «ماذا تبقى من معيشتنا ولم يصعبوه علينا؟! هكذا حكومة تحاصر المواطن وتحاربه، تجعله يكره هذا الوطن ويبحث عن حياته في بلد آخر، هل فعلاً مهمَّتهم تضييق الخناق علينا لنرحل؟! نحن مواطنون مخلصون! والوطن لنا ولهم، يجب وضع سياسات تحفظ كرامة المواطن، وتعمل على تحسين مستوى معيشته».

ـ المواطن محمود ق قال: «كل يوم نتفاجأ برفع سعر مادة من المواد الأساسية من سلة معيشتنا اليومية، لحم الفروج مادة أساسية، وكانت متوفرة ورخيصة نوعاً ما وبشكل نسبي، ونستطيع شراءها بشكل أو بآخر، ولكن ارتفع السعر بمعدل 50% قفزة واحدة خلال الأسبوعين الأخيرين، وهذا يشكل عبئاً علينا، ويجعلنا نتردد ألف مرة قبل الإقدام على شراء هذه المادة، مع أنها هامة وأساسية في غذائنا ومائدتنا اليومية».

ـ المواطن سليم الحسن قال: «إن سعر الفروج السوري أغلى سعر فروج في العالم، مع أنه والله بلدنا أغنى بلد، وخيراتنا متوفرة والخير كثير ومواردنا غنية جداً، والشام هي شامة الدنيا وجنَّتُها، لماذا يفعلون بها هكذا؟! لماذا يجعلوننا نكرهها ونحقد على القائمين على إدارتها وسياستها؟! هل هم يخططون لإذلالنا وتدمير اقتصادنا من الداخل كما ترغب أميركا؟! لقد استعصينا على الذل والركوع، فهل جاؤوا هم ليجوِّعونا ويمزقوا وحدتنا الداخلية ويجعلونا نكره بلدنا؟». 

من وراء هذه الأزمة وغيرها؟

هكذا انعكس رفع سعر لحم الفروج سلباً على حياة المواطنين ومواقفهم ومشاعرهم، فماذا كان رأي أصحاب محلات بيع الفروج؟ لمعرفة ذلك توجهنا إلى أبي بشار، صاحب محلٍّ لبيع الفروج، وسألناه عن سبب الارتفاع المفاجئ للأسعار ومن وراء هذه الأزمة، فقال: «إن سؤالكم هذا يفتح الكثير من الجروح والآلام والأحزان، فليس المستهلك وحده قد تضرر برفع الأسعار، فالمستهلك يستطيع عند تفاقم الإحراج أن يستثني هذه المادة من سلته الغذائية، رغم أهميتها وضرورتها، ولكن نحن كبائعين، ماذا نفعل إن وصلنا إلى مرحلة الكساد وليس لنا مهنة أخرى؟! فهذه المهنة مصدر رزقنا ومعيشتنا الوحيد، وكنا نمشي مُساترة حتى مع وجود الربح القليل، فقد كان هناك حركة بيع بسيطة وتمشِّي الحال! ولكن عند رفع الأسعار علينا قبل المستهلك تضررنا قبله أيضاً، تراجع أولاً المبيع بشكل كبير، وتقلصت نسبة الربح بقدر جعل مهنتنا معرضة لخطر حقيقي بالإفلاس والإغلاق. فمنذ فترة بسيطة كان سعر كغ الفروج بالجملة 85 ل.س، ونبيعه بـ100 ل.س، وسعر كغ الشرحات بالجملة 170 ل.س، ونبيعه بـ200 أو بـ190 ل.س، أي معدل الربح بحدود 15%، وهي بالكاد كافية لإيجار المحل والماء والكهرباء، ويتبقى لنا نسبة بسيطة نستطيع منها المعيشة وتدبر أمورنا، أما اليوم فسعر كغ الشرحات بالجملة 280 ل.س، ونضطر لبيعه بـ300 ل.س، إذا كان هناك طلب عليه مع هذا السعر الظالم. وهنا نرى أن نسبة الربح انخفضت إلى 7% فقط، فما تفعل هذا النسبة؟! وماذا تكفي من مصاريف؟! هذا طبعاً إذا كان هناك بيع محقق، ولم تكسد البضاعة!! فحسب التسلسل ترى أن سبب رفع الأسعار على المستهلك، هو رفع سعر الجملة من المداجن الأساسية، وأظن أن السبب لن يقف هناك، بل أعتقد أن هناك جهات خلف المداجن وأكبر منها، هي السبب في رفع الأسعار» 

حقيقة المشكلة في القرارات غير المدروسة

نعم صدق أبو بشار صاحب محل بيع الفروج، فليست المشكلة نابعة من مداجن إنتاج الفروج، بل هي مجرد حلقة في سلسلة الضغوط التي تمارسها هذه الحكومة على المواطن لتجويعه وتصعيب حياته اليومية، وصولاً إلى قهره وإذلاله. تبين هذا في تصريحات الكثيرين من مربي الدواجن، الذين رأوا أن السياسات الضريبية والقرارات الحكومية غير المدروسة، هي السبب في كل الأزمات، ومنها هذه الأزمة.

قال أحد المربين: «إن صناعة الفروج والدواجن في سورية عريقة جداً، ولها تاريخ طويل وحافل خاصة هنا في المنطقة الوسطى، ولم تستطع الحوائج والأمراض والأوبئة أن تنال من جودتها وتطورها، بل جاءت قرارات الحكومة لتهدم ما بنيناه في سنوات طويلة، فكانت أول ضربة رفع الدعم عن المازوت وغلاء أسعاره، حيث يستخدم للتدفئة في فصل الشتاء، وقد رفعت علينا هذه الإجراءات تكاليف الإنتاج منذ عامين بنسبة حوالي 50%، ثم جاءت الضربة القاضية بغلاء العلف بسبب فرض ضميمة مالية بمقدار 3500 ل.س على كل طن مستورد من العلف اللازم للدواجن، من الذرة الصفراء والشعير، وكانت زيادة سعر الأعلاف بنسبة زادت عن 200%، بالإضافة إلى الضرائب والرسوم المتجددة دائماً، والتي تفرض علينا يومياً، وهنا نرى أن سياسة الحكومة تجاه هذه الثروة الوطنية غير مدروسة، وقد تكون مقصودة، لتدمير هذه الثروة».

ـ المربي (م.خ) قال: «إن صناعة تربية الدواجن في سورية تعرضت للكثير من الأزمات والصعوبات التي أدت إلى رفع تكاليف الإنتاج، وخاصة رفع أسعار الذرة الصفراء والشعير من قبل التجار والمستوردين، الذين بدورهم فرضت عليهم الحكومة ضريبة استيراد 3500 ل.س على كل طن من هاتين المادتين، مع أنهما تشكلان المادة الأساسية لعلف الدواجن، وهذا شكل ضربة قاصمة لصناعة الدواجن في سورية، مع أننا كنا نتوقع أن تدعمنا الحكومة وتعوض علينا الخسارات المتكررة، ولكننا فوجئنا بالضرائب والقيود الجديدة، التي انعكست سلباً على المستهلك، وعلى جميع العاملين في هذا القطاع الهام».

ـ المربي سليمان ف قال: «إن أفواج الفروج تتعرض في كثير من الأوقات إلى أمراض عديدة، وقد يصل النفوق أحياناً إلى 30% في الحالة التي نعاني فيها من نقص في الخدمات البيطرية والمخابر، مع أننا ندفع ضرائب أرباح تفرضها علينا الحكومة حتى ولو خسرنا في التربية، وهذه العوامل إضافة إلى الضربتين الكبيرتين اللتين تعرضت لها كل مفاصل الحياة في سورية، من رفع الدعم عن المازوت وفرض ضرائب عالية على الأعلاف المستوردة، كل ذلك أدى إلى ارتفاع تكاليف إنتاج الدواجن، والمزيد من الخسائر، والتراجع في الإنتاج وإغلاق عدد كبير من المداجن وتسريح الكثير من العمال، وأصبحنا أمام رافد جديد لأعداد جيوش البطالة الكبيرة».

المربي عرفان م قال: «إن منشآت تربية الدواجن تعاني من غلاء الأعلاف والأدوية، والفحم الحجري المستخدم للتدفئة، بدل المازوت الذي تم رفع الدعم عنه، وتتعرض المداجن لجوائح مرضية وخسارات كبيرة. فعلى الحكومة أن تدعمنا وتؤمن لنا الأعلاف والأدوية بأسعار مناسبة، لضمان استمرار العمل في هذه الثروة الوطنية الهامة، وتوفير مادة لحم الفروج وبيض المائدة للمواطن السوري بأسعار مقبولة، ونحن نرى أن السياسات الحكومية تعمل على عكس هذا الهدف، حيث أن فرض الضرائب العالية على الأعلاف أدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج بمعدل يزيد عن 11 ل.س للفروج الواحد، إضافة إلى رفع الدعم المازوت من حوالي السنتين الذي رفع تكلفة التدفئة إلى حدود 20 ل.س لكل فروج، بسبب ارتفاع سعر المازوت». 

إلى أين نحن ذاهبون؟! 

إن فرض الضرائب دون دراسة مسبقة عن انعكاساتها على الحياة المعيشية اليومية للمواطن أدى إلى ارتفاع تكاليف إنتاج الكثير من المواد الغذائية الأساسية للمواطن السوري، وفرض الضميمة المالية على الأعلاف المستوردة أدى إلى ارتفاع كلفة إنتاج الفروج بشكل كبير، وتضررت معامل تصنيع الأعلاف والنشاء والغلوكوز التي تستخدم الذرة الصفراء كمادة أولية في إنتاجها، وهذا القرار أيضاً سيدفع الفلاحين لعمليات التهريب لتأمين الذرة الصفراء والشعير بطرق غير شرعية، وحرمان خزينة الدولة من إيرادات تدعمها مهما كانت محدودة.

فإن كان هدف الحكومة السير في مسيرة التحديث والتطوير فعليها التعمق أكثر في دراسة القرارات التي تتخذها تجاه فرض أية ضريبة جديدة، ويجب الآخذ بعين الاعتبار انعكاس هذا القرار على المعيشة اليومية للمواطن، فصناعة الدواجن رافد أساسي للمائدة السورية بالبيض ولحم الفروج، ومن الضروري جداً إيجاد الآليات السريعة لحماية هذه الصناعة والعمل على استقرارها واستمرار تطويرها، وتفعيل عمل الجهات المعنية بشؤون الثروة الحيوانية، ومنها صناعة الدواجن في سورية.