بين وزارة التربية ورئاسة مجلس الوزراء.. خريجو الجامعات، والمعلمون العائدون «في الهوا سوا»

بين وزارة التربية ورئاسة مجلس الوزراء.. خريجو الجامعات، والمعلمون العائدون «في الهوا سوا»

لا شكّ أن معاناة خريجي الجامعات والمعاهد التعليمية من البطالة تتزايد، وخاصةً في ظل ندرة فرص العمل، بل وخضوع هذه الفرص النادرة للمحسوبية والوساطة والشروط التعجيزية، وضعف حظوظ قبول أبناء المنطقة الشرقية في هذه الفرص- إلاّ القليلين- رغم النقص الكبير في مدارس الوطن وخاصةً المنطقة الشرقية ومنها دير الزور

ويمكن القول إنه لم يعد أمام هؤلاء من أمل في العمل وبناء أسرة إلاّ التسكع في الشوارع والمقاهي-التي تزداد أعدادها بكثرة-، أو البحث عن عمل لا يداني أضعف تطلعاتها، أو الهجرة خارج الوطن أو الاستسلام لليأس والإحباط.. وهذا ربما يدفع البعض منهم لحرق نفسه كما فعل بوعزيزي في تونس!.

يضاف إلى هؤلاء الخريجين المعلمون الذين اضطروا للهجرة بعد أن واتتهم الفرصة للعمل بعقد خارجي يضمن تحسين أوضاعهم المعيشية بالحدود الدنيا التي قد لا تصل لبناء مسكن أو الزواج، لكنهم لم ولن يصبحوا أغنياء وتجاراً ويكدسوا الأموال التي تكفيهم الحاجة والاستغناء عن العمل طبعاً..

هؤلاء الذين عادوا إلى الوطن بعد غربةٍ أليمة عاشوا فيها ما يكفيهم من الألم، واكتسبوا فيها خبرات ساهمت بتطوير عملهم وقدرتهم على العطاء.. عادوا وهم يحملون الأمل في العودة إلى العمل واستكمال مسيرة حياتهم مع أسرهم وأقربائهم وأبناء وطنهم.. لكن هذا الأمل قتل بقرارات من مجلس الوزراء الذي ربط عودتهم بموافقته عليهم وعلى كل من كان يعمل في الدولة من الفئة الأولى من مهندسين وأطباء وحتى المستخدم في الفئة الخامسة، وبموافقة من وزارة التربية بشروط معقدة كالعمر والقدم الوظيفي وتاريخ الاستقالة وما في حكمها، أو الخضوع للجنة فحصٍ نفسي وجسمي.. بل إنّ وزير التربية طلب عدم مراجعته في ذلك قبل خمس سنوات، رغم أنهم كانوا يسددون ضرائب متعددة كالاغتراب وغيرها! ورغم تأديتهم لالتزاماتهم تجاه نقابة المعلمين، ناهيك عما أدخلوه من تحويلاتهم بالعملة الصعبة..

أما المعلمة فمصيبتها أكبر، إذ أنّ المعلم يمكن أن يفتتح بقاليةً أو يعمل أجيراً عند أحد أو سائق تكسي، بينما هي لا حول لها ولا قوة.. لقد صار هؤلاء المعلمون والمعلمات «أضحوكةً» ومعلقين بين الوزارة ورئاستها وكلاهما يتناقض مع  الدستور الذي يكفل حق العمل لأبناء الوطن..

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الهدف من ذلك.. ومن المسؤول عنه؟!.

بالتأكيد ليس الهدف مصلحة أبناء الوطن، لأنّ التحديث والتطوير يجب ألاّ يقتصر على تحديث المناهج فقط، بل يجب أن يشمل كل ما يتعلق بالعملية التربوية التعليمية كالبنية التحتية للمدارس ومستلزماتها، وهذا يتطلب ويشمل أيضاً الاستفادة من كلّ الإمكانات البشرية والمادية وأهمها المعلمون.. وحرمان أبناء الوطن من الدراسة الحقيقية المفيدة رغم توفر الكوادر حيث يتجاوز النقص أكثر من 3 آلاف معلم ومدرس في دير الزور ناهيك عن المستخدمين.

ويجدر الذكر هنا بأن عدد التلاميذ والطلاب في الصف الواحد يزيد عن أربعين طالباً، ويصل إلى الخمسين أحياناً كثيرة، وهو ما أدى ويؤدي إلى انخفاض سوية التعليم وتحول الأداء التعليمي إلى شبه محو للأمية، دون الإشارة طبعاً إلى انخفاض المستوى المعاشي للمعلمين والذي انعكس على عطائهم وازدياد نسب التسرب، وبالتالي ارتفعت نسب الأمية بعد أن كنا من الدول التي قطعت أشواطاً في محاربتها..

إن من يحرم أبناء الوطن من التعليم إنما يُخرب جيلاً، وتخريب جيل ليس تخريب مصنع أو مزرعة، لأنه يحتاج إلى عشرات السنوات لبنائه فيما بعد.. لذلك فهو يرتكب خطأً لا يغتفر بحقّ كل السوريين، ومن يحرم أبناء الوطن من فرصة العمل والعيش حياة كريمة يساهم في تدمير الشريحة الواعية من المجتمع.

لا شك أن معاناة خريجي الجامعات والمعاهد من المعلمين العائدين من الغربة أصبحت الآن مزدوجة؛ معاناة اقتصادية اجتماعية، ومعاناة من الغربة الداخلية. إذ لا يتاح لهؤلاء التعبير عن معاناتهم أو التعبير عن رأيهم للمشاركة في بناء المجتمع والوطن، بينما تنال قوى رأس المال والفساد كل التسهيلات والإعفاءات والقروض وتدفع نحو خصخصة كل شيء، بما في ذلك التعليم الذي تجري خصخصته تحت شعار الاستثمار.

لقد بات واضحاً للجميع أنّ المسؤول عن كل ذلك هو الفريق الاقتصادي في الحكومة، وكبار التجار والمتنفذين الذين يدعمونهم من خلال السياسة الاقتصادية الاجتماعية الليبرالية التي تُنتهج منذ سنوات وتزيد من سوء الأوضاع المعيشية يوماً تلو آخر.