مُكرهون لا عن طيب خاطر
Strategic Culture Foundation Strategic Culture Foundation

مُكرهون لا عن طيب خاطر

بعد جولات طويلة من محاولات ليّ الأذرع والبلطجة تجاه حلفائها الأوربيين، تراجعت الولايات المتحدة أخيراً عن محاولة منع إتمام خط السيل الشمالي 2 مع روسيا. يا لها من ملحمة فريدة، كشفت الكثير عن طبيعة العلاقات التي تجمع الولايات المتحدة بأوروبا، والأهم أنّها كشفت عن التراجع التاريخي في قوّة الولايات المتحدة العالمية

ترجمة : قاسيون

في النهاية لم يصحّ إلّا الصحيح، وسيضاعف خطّ السيل الشمالي-2 تحت بحر البلطيق التدفق الحالي للغاز الروسي إلى ألمانيا وبقيّة أوروبا. هذا الوقود اقتصادي وأقل ضرراً للبيئة بالمقارنة مع الفحم والنفط والغاز الصخري الذي يحاول الأمريكيون التنافس مع روسيا من أجل تصديره.
إنّ لألمانيا بشكل خاص، وهي محرّك الاتحاد الأوربي، مصلحة في إتمام السيل الشمالي-2 المتمم للسيل الشمالي-1. بالنسبة للاقتصاد الألماني الموجه للتصدير، الغاز الروسي أساسي للنمو المستقبلي، علاوة على نفعه لبقيّة أوروبا.

لطالما كان التوافق بين روسيا والاتحاد الأوربي طبيعي: جغرافياً واقتصادياً، والسيل الشمالي-2 مجرّد تتويج لعقود من علاقات الطاقة الفعالة.
لهذا لطالما كان الأمريكيون غاضبين من تجارة الطاقة الاستراتيجية بين روسيا وأوروبا. تصاعدت المعارضة في ظلّ إدارة ترامب، عندما قام سفيره إلى ألمانيا ريتشارد غرينيل بإطلاق الوعيد والتهديد للشركات الألمانية والأوربية يحذرها بغطرسة بأنّها ستتعرض للعقوبات إذا ما تجرأت على المضي في السيل الشمالي-2. تعطلت عملية مدّ الأنابيب بالفعل العام الماضي بسبب العقوبات «يجعلنا هذا نتساءل عمّن يتدخل في الشؤون الخاصة لأوروبا: روسيا أم أمريكا؟».

ومن أهداف الادعاءات الأمريكية السخيفة بأنّ روسيا ستضغط على أوروبا عبر هذا الخط، شيطنة روسيا حتّى تتمكن الولايات المتحدة من تصدير غازها الطبيعي الأكثر إضراراً بالبيئة والأعلى تكلفة - بالمقارنة مع الروسي - إلى أوروبا.
الهدف الحيوي الآخر بالنسبة للأمريكيين هو قطع الطريق أمام أيّ علاقات طبيعية بين روسيا وأوروبا. تعتمد الهيمنة الأمريكية واقتصادها المفرط في العسكرة على تقسيم وحكم الدول الأخرى بين «حلفاء» و «خصوم». هذه لازمة في سياسة الأمريكيين منذ الحرب العالمية الثانية، والتي حرصت واشنطن على إعادة إحيائها مراراً بعد كلّ مرحلة.

لكنّ المشكلة الموضوعية الحاسمة بالنسبة للأمريكيين هي أنّ التدهور الذي تعاني منه قوّة الولايات المتحدة العالمية، تعني بأنّ واشنطن لم يعد لديها القدرة على التنمر على الدول الأخرى بالطريقة ذاتها التي اعتادت عليها منذ عقود. فقدت الرسوم الكاريكاتيرية لتشويه الخصوم أيام الحرب الباردة جاذبيتها وتأثيرها لافتقادها إلى المصداقية والموضوعية وآليات الفرض المعتادة. تعتبر تجارة الغاز الروسي مع أوروبا نقطة علّام على مشكلة واشنطن الموضوعية. الأمر ببساطة: رفضَ الأوربيون، والألمان، إطلاق النار على أنفسهم اقتصادياً فقط لأنّ العم سام أمر بذلك.
كان لدى الرئيس بايدن «حسّ سليم» أكثر ممّا كان لدى ترامب، حيث أدرك بأنّ معارضة السيل الشمالي-2 غير مجدية. ولهذا بدأ بالتخلي تباعاً عن العقوبات، ليصل إلى إعلان البيت الأبيض هذا الأسبوع عن التوصل لاتفاق مع ألمانيا للسماح لها بالمضي قدماً في السيل الشمالي-2.
سمّت صحيفة الفايننشال تايمز الأمر «هدنة»، بينما أشارت وول ستريت جورنال إلى «صفقة» بين واشنطن وبرلين. ومحاولات الأمريكيين الظهور وكأنّهم قدّموا بشهامة «تنازلاً» لأوروبا تتنافى مع الحقيقة المتمثلة في عدم تمكن واشنطن من إيقاف التقارب الاستراتيجي بين روسيا وبقيّة أوروبا.

علينا ألّا نُسقط من تحليلنا عاملاً آخر هام على الصعيد الجيوسياسي، يثبت تراجع الأمريكيين بدوره: حاجة واشنطن لمن يتحالف معها ضدّ الصين. مع اعتبار واشنطن بأنّ شغلها الشاغل على المدى الطويل هو مواجهة الصين، فهم بحاجة لمسايرة الأوربيين لهم في سياساتهم. تهدف واشنطن من خلال إظهار نفسها وكأنّها تتنازل لألمانيا بشأن السيل الشمالي -2، إلى استمالتها لتساعدها في مواجهة الصين، الأمر الذي يظهر الضعف الأمريكي بدوره.
باختصار، وإذا قيّمنا كامل «التنازل والفضيلة» الأمريكيين، يمكننا أن ندرك بأنّهم مجبرون وليس أمامهم ترف الخيار.

 

بتصرّف عن: Nord Stream 2 ‘Deal’ Is Not an American Concession, It’s Admission of Defeat

 

آخر تعديل على الإثنين, 09 آب/أغسطس 2021 21:11