_
فضح الأسس المالية للطبقة الرأسمالية العابرة للحدود 1/2
ترجمة: نور طه ترجمة: نور طه

فضح الأسس المالية للطبقة الرأسمالية العابرة للحدود 1/2

من بين مئات الشركات الموجودة في عالمنا، هناك ثلاث عشر شركة تضم 161 شخصاً في مجالس إدارتها ونحن نعتقد بأن الأشخاص الـ 161 هؤلاء يشكّلون الركيزة المالية الأساسية للطبقة الرأسمالية العالمية المسؤولة عن تسيير النظام الاقتصادي العالمي حيث تقوم هذه المجموعة - التي تشمل أعمالها جميع بلدان العالم تقريباً - وبشكل جماعي بالتحكم بمبالغ تصل إلى «23.91 تريليون دولار« عبر صناديقها المالية.

وتعمل كل من الحكومات الغربية والهيئات السياسية الدولية على تحقيق مصالح مركز رأس المال المالي المتمثّل بهذه المجموعة، وذلك عبر حماية التدفق الحر للاستثمارات الرأسمالية في أنحاء العالم كافة.


تاريخ النخبة الأمريكية الحاكمة


تم عبر تاريخ طويل من الأبحاث السوسيولوجية*، توثيق وجود طبقة حاكمة مهيمنة في الولايات المتحدة، وتبيّن أن أعضاء هذه الطبقة يقومون بوضع السياسات الأمريكية العامة وتحديد الأولويات السياسية والوطنية. وتتسم طبيعة هذه الطبقة بالتعقيد والتنافس إضافةً لكونها تعتمد في إدامة وجودها على ذاتها من خلال تفاعل العائلات المكوّنة منها، وتحتل جميع هذه العائلات مكانة اجتماعية عالية وتتشارك بأنماط حياتها وانتماءاتها المؤسساتية وتشترك في عضوية النوادي الاجتماعية النخبوية الخاصة.
تحافظ الطبقة الحاكمة المهيمنة على استمرار نفوذها عبر مراكز صناعة القرارات، كالرابطة الوطنية للمصنّعين، وغرفة التجارة الأمريكية، ومجلس الأعمال الأمريكي، ومعهد (أميركان إنتربرايز) لأبحاث السياسة العامة، ومجلس العلاقات الخارجية، والعديد من المجموعات السياسية - التجارية الأخرى، ويُذكر أن هذه المراكز والمؤسسات هيمنت ولفترة طويلة على القرار السياسي للحكومة الأمريكية.
في كتابه (النخبة الحاكمة) الصادر عام1956 ، وثّق الكاتب ـ (سي رايت ميلز) الدور الذي لعبته الحرب العالمية الثانية في تعزيز نفوذ ما سمّاه بـ(ثالوث القوة الأمريكي)، والذي يتألف من الشركات والقوة العسكرية والنخب الحكومية التي تنصهر جميعها في بنية سلطوية مركزية وتعمل بناءً على مصالحها الطبقية بانسجام تام تؤمنه (الدوائر العليا) المسؤولة عن إدارة وتحقيق التواصل والتوافق بين الأقسام المختلفة لهذا الثالوث.
أما فيما يتعلق بآلية عمل هذه النخبة، فيقول ميلز بأن صناع القرار هؤلاء لا يهتمون بالمصالح الخاصة لشركاتهم بقدر اهتمامهم بالعلاقات الشركاتية والمؤسساتية المشتركة وبطريقة عمل الاقتصاد ككل. كما تميل هذه النخب وبشكل مستمر إلى إنشاء خلافات في أوساطها حول سياسات محددة وإجراءات لازمة في ظروف اجتماعية وسياسية مختلفة. ومن الجدير بالذكر أن الدوائر السياسية العليا ونخبها في الولايات المتحدة لا تعدو كونها جزءاً من الطبقة الحاكمة هناك، وتصدر عن هذه الدوائر جميع القرارات الرئيسية في المجتمع.


ضرب القوى الاجتماعية الثورية


بالعودة إلى الخلافات التي تعمل الطبقة المهيمنة على إيجادها في بنيتها، فإن هذه الخلافات قد تمنع حدوث ردات فعل عدوانية أو رجعية على الحركات الاجتماعية أو الاضطرابات المدنية، كما حصل عند قيام كل من الحركة العمالية في الثلاثينيات وحركة الحقوق المدنية في الستينيات. فخلال هاتين الفترتين، عملت العناصر الأكثر (ليبراليةً) في الدوائر السياسية العليا على الهيمنة على عملية صنع القرار، ودعمت صدور كل من القانون القومي للعلاقات العمالية وقانون الضمان الاجتماعي في عام 1935، بالإضافة إلى قوانين تتعلق بالحقوق المدنية وتوفير الفرص الاقتصادية في عام 1964. وقد تم النظر إلى هذه التشريعات على أنها تنازلات لمصلحة الحركات الاجتماعية والاضطرابات المدنية التي جرت. بالمقابل، وخلال الفترات التي شهدت فيها الولايات المتحدة تهديدات من أعدائها الخارجيين (الحربان العالميتان الأولى والثانية كمثال)، فقد تمكنت العناصر الأكثر تزمتاً ورجعيةً في الدوائر السياسية العليا من فرض أجنداتها بنجاح.
قامت الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها بردود فعل قمعية كثيرة في وجه الحركات الاجتماعية، كإقرار قانون التجسس عام 1917 وقانون التحريض عام 1918. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد شجعت الدوائر السياسية العليا الهجمات التي طالت (الليبراليين) في فترة ما سُميّ بـ (العهد المكارثي)، وفي عام 1947، تم إصدار قانون الأمن الوطني وقانون تافت هارتلي* المعادي لمصالح العمال.
دأبت الدوائر السياسية الأمريكية العليا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، ولا سيما بعد أحداث 11 أيلول، على التوحد لدعم تحويل الولايات المتحدة الأمريكية إلى إمبراطورية من القوة العسكرية تعمل بشكل مستمر على شن حروب قمعية عالمية ضد جميع الحركات التي تقاومها أو تضر بمصالحها، والتي غالباً ما تُوصف - أمريكياً -  بـ (الحركات الإرهابية). إلا أن الأهداف الحقيقية للحرب الأمريكية - المزعومة - على الإرهاب تتلخّص بتأمين وحماية التدفق الحر لرأس المال المالي وفرض هيمنة الدولار والحصول على النفط، لا بمكافحة الإرهاب كما تدعي الحكومة الأمريكية. ولا بد هنا من الإشارة إلى الشراكة القائمة والمتزايدة بين كل من حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومصالح الهيمنة الأمريكية العالمية.


الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود


تتواجد النخب الرأسمالية الحاكمة في أنحاء العالم كافة، وتجمعها علاقات مترابطة ومتزايدة نظراً لعولمة التجارة ورؤوس الأموال. وفي هذا السياق، تتحدث الكاتبة ليزلي سكلير في كتابها (الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود) والذي يعدّ عملاً إبداعياً في هذا المجال، عن أن العولمة أدت إلى تقوية وتعزيز دور الشركات العابرة للقارات ونفوذها على الساحة الدولية. وتضيف سكلير بالقول : من زاوية تحليلية، يمكن تقسيم الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود إلى أربعة أجزاء رئيسية وهي :
1- مالكو الشركات العابرة للقارات وفروعها المحلية.
2- البيروقراطيون والسياسيون.
3- خبراء العولمة أو (الاختصاصيون العولميّون).
4- النخب الاستهلاكية (كالتجار ووسائل الإعلام).
كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن أجزاء هذه الطبقة لا تتفق على كل القضايا دائماً. لكن ومع ذلك، فإن الشخصيات البارزة في هذه الأجزاء تشكل نخبةً عالميةً قوية أو طبقةً مهيمنة أو دائرة ضيقة، وتختلف الصفات تبعاً لشكل الهيكل المسيطر في بلدان محددة.
يدّعي الكاتب وليام روبنسون في كتابه (نظرية حول الرأسمالية العالمية) بأن خمسمئة سنةٍ من الرأسمالية قد أدت إلى تحول تاريخي عالمي بحيث تم ربط كل الأنشطة البشرية برأس المال.  ليصبح العالم - على حد وصف روبنسون - أشبه بمتجرٍ كبير يمتهن خصخصة العلاقات الاجتماعية كافة.
عندما يتعلق الأمر بحماية مصالحها، فإن الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود لا توفّر أي جهدٍ ممكن لتحقيق هذه المهمة مستعينةً بأدواتها المتعددة وعلى رأسها المنظمات العالمية كصندوق النقد والبنك الدوليين ومجموعة العشرين الكبار والمنتدى الاجتماعي العالمي واللجنة الثلاثية ونادي/مجموعة بيلدربرغ وبنك التسويات الدولي ومؤسسات عالمية أخرى. وتتحول الدول في نظامٍ كهذا إلى  مجرد (مناطق) منزوعة السيادة وخصصة لاحتواء السكان فقط، بينما تنحصر السلطة الحقيقية بأيدي صنّاع القرار الذين يسيطرون على رؤوس الأموال العالمية.

 

 


هوامش :


- السوسيولوجية* : العلم الذي يدرس المجتمعات والقوانين التي تحكم تطوره و تغيّره.
- العهد المكارثي* : امتد بين عامي 1950 - 1956 وشهد توجيه الاتهامات بالتخريب والخيانة و الإيمان بالشيوعية أو التعاطف معها لآلاف الأمريكيين دون الاستناد لأية أدلة.
- قانون تافت هارتلي* : (أو قانون علاقات الإدارة العمالية) يقوم على تقييد عمل النقابات العمالية وأنشطتها، وتعود تسميته إلى واضعيه السيناتور روبرت تافت والنائب فريد هارتلي.