_
لماذا تنمي روسيا احتياطيها من الذهب؟
سبوتنيك سبوتنيك

لماذا تنمي روسيا احتياطيها من الذهب؟

تظهر بيانات بنك روسيا المركزي الحديثة بأنّ موسكو اشترت ما يقرب من 106 طن من الذهب منذ بداية 2018، ليبلغ احتياطيها الكلي اليوم قرابة 2000 طن متري (1 طن متري = 1000 كلغ) من الذهب المختوم. أتت الأخبار بعد إعلان وزارة المالية الأمريكية بأنّ روسيا لم تعد أكبر حامل لسندات الخزينة الأمريكية. نستكشف في هذا المقال هذا التحرّك وأسبابه المحتملة.

تعريب وإعداد: عروة درويش

وفقاً لأرقام بنك روسيا المركزي فإنّ الاحتياطي الروسي الكلي من الذهب يقارب 1944 طن حتّى حزيران 2018، مع إشارة المنظم إلى الارتفاع المطّرد في حيازة المعدن الثمين على طول العقد الماضي (كان الاحتياطي الكلي للذهب عام 2008 أقل من 500 طن). وقد نمت حصّة الذهب من كامل الاحتياطي الروسي في ذات الفترة من 2.5% إلى أكثر من 17%.

أكدت وزارة المالية الأمريكية الأسبوع الماضي بأنّ روسيا قد روسيا قد باشرت التخلي بشكل واسع النطاق عن سندات الخزينة والأسهم والأوراق المالية، حيث هوى ما بحوزتها من ما يقدّر بـ 92 مليار دولار في كانون الأول 2017 إلى مجرّد 14.9 مليار دولار اليوم، وعليه فإنّ روسيا تخرج من بين أكبر 33 حامل للأوراق المالية الأمريكية.

يبلغ كامل الاحتياطي الدولي لروسيا في الوقت الحالي، بما في ذلك الذهب، ما يقدّر قيمته بحوالي 460 مليار دولار، ويهدف البنك المركزي الروسي للوصول بهذا الرقم إلى 500 مليار.

  • الفرار من خطّة الهرم العالمي:

تعتبر الأوراق المالية الأمريكية والدولار في الوقت الحالي، مع لعب الدولار دور العملة العالمية كأمر واقع، من بين أكثر الأصول السائلة التي يمكن الاعتماد عليها في العالم. لكن في حقبة عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي الذي ينجم عن الأزمات الجيوسياسية والخوف من حرب تجارية عالمية، يُنظر إلى المعادن الثمينة كأدوات تمنح الأمان وتنوّع المخاطر.

ومع وصول الدين العالمي غير المؤمن إلى قرابة 247 ترليون دولار (أو ما يعادل 318% من الناتج الإجمالي العالمي) في حزيران، يرى الكثير من الاقتصاديين بأنّ الذهب خازن موثوق للقيمة، والذي رغم كونه محلاً لتقلبات لا يستهان بها فلا يمكن أن تنخفض قيمته بشكل دراماتيكي أو أن يعاني من انهيار اصطناعي. وهي الأمور التي لا يمكن قولها عن الأوراق المالية (سواء الأمريكية أو غيرها)، والتي يمكن أن تنهار قيمتها إن قام أحد حاملي الديون الكبار بالتخلي عن حيازتها بشكل فجائي.

عند مناقشة الأمر مع استراتيجي العملات ألكسندر إيغوروف الذي يعمل في مجموعة «تيلي-تريد» للمضاربة، لخص لنا المخاطر المرتبطة بالأوراق المالية الأمريكية: «إن قامت مجموعة من الدول لأيّ سبب كان بتقديم ممتلكاتهم من السندات للولايات المتحدة من أجل المطالبة بدفع مستحقاتها فهذا سيجعلها بلا قيمة بكل بساطة. هذا ما يسمى بالهرم، لأنّ الولايات المتحدة كما نرى لن تقوم بدفع ديونها على الإطلاق. ستستمر هذه الخطة بالعمل طالما استمرّ الإيمان بقدرتها على العمل».

ورغم أنّ الذهب أقلّ إسالة من السندات، ففي ظلّ الأزمات مثل انهيار النظام التجاري العالمي الحالي، فإنّ المعدن الثمين سيحافظ على وسيلة الدفع في خضمّ أي فوضى تحصل.

قال كيث نيومير، وهو رئيس مجلس إدارة شركة «منجم الذهب الأول» التطويرية المدارة من فانكوفر، بأنّ السبب الذي يدفع موسكو للاستعجال في التخلي عن السندات المالية للولايات المتحدة وتنمية احتياطيها من الذهب واضح بشكل جلي: «أنا متأكد من أنّ إعادة ضبط عالمية سوف تحدث عندما تحتاج حكومات العالم إلى التخلص من الدين، وعندما يربطون كلّ شيء بسعر الذهب. وهذا هو سبب قيام دول مثل روسيا والصين بمراكمة الذهب، فهم يدركون ما قد يحدث بعد عدّة أعوام من الآن».

باتت روسيا أحد أكبر خمس دول تحوز الذهب منذ شباط الماضي، وإن استمر الاتجاه الذي ساد على طول العقد الماضي فستحتل موسكو المركز الثالث عالمياً في المستقبل القريب. أمّا على المدى المتوسط والبعيد، فقد تعود البلاد إلى السجل القياسي للاتحاد السوفييتي عند 2800 طن من الذهب، وذلك وفقاً لتيمور نيغماتولين، المحلل لدى شركة المضاربات «أوتكريتي» المتوضعة في موسكو.

لكن وفقاً لنيغماتولين، فليست روسيا قادرة على تخليص نفسها من الدولار بالكامل بما أنّ 70% من التجارة العالمية تتم باستعمال الدولار. يقول: «تتاجر روسيا بالنفط، وهو السلعة التي يهيمن عليها الدولار. ولذلك ومن أجل دعم عمليات التصدير/التوريد، فيجب أن يكون لديها احتياطي كبير بالعملة الأمريكية».

  • الموردون محدودون:

تنبأ مصرف غولدمان ساكس مؤخراً بأنّ السنوات القادمة ستشهد انخفاضاً في الإنتاج العالمي للذهب. وأعلنت غولدكورب، وهي إحدى أكبر شركات تعدين الذهب في العالم، عن ذات التوقعات لتشير بأنّه وبحلول عام 2022 فإنّ إنتاج الذهب سينخفض إلى المستوى الذي كان فيه عند بداية الألفية. ويرى البحث الجيولوجي الأمريكي بأنّ الإنتاج سيستمر عند مستوياته الحالية، وبأنّ احتياطيات الذهب غير المستخرجة سوف تستنفذ بحلول عام 2034.

عند أخذ كلّ هذه المعطيات بالحسبان، فإنّ تحرّك روسيا نحو هجر سندات الخزينة الأمريكية ولصق نفسها بالمعادن الثمينة مثل الذهب يبدو فرصة لتأمين مستقبلها الاقتصادي.

 

ملاحظة: الدولار ليست عملة مرتبطة بالذهب، والولايات المتحدة تعتمد في جزء من إدامة قيمة الدولار على خلق الدين من العدم مدعوماً بالقوة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة وبربط تجارة النفط بالدولار بما يسمى «بترودولار».