_
«السيل التركي» وغازبروم
أولغا سولوفيفا أولغا سولوفيفا

«السيل التركي» وغازبروم

لا تزال آفاق مشروع خط أنابيب الغاز "التيار التركي" غامضة بعض الشيء، خاصة وأنه ليس معروفا ما إذا كان سيتم توريد الغاز قريبا عبر الخط الثاني. من ناحية أخرى، تشهد ميزانية البناء تزايدا مستمرا، حيث تم مؤخرا الإعلان عن ارتفاع تكلفة البناء من ستة إلى سبعة مليارات دولار، ستدفعها شركة غازبروم من ميزانيتها الخاصة.

وتجدر الإشارة إلى أن الجزء البري من خط أنابيب الغاز سيُبنى وفقا معايير المفوضية الأوروبية. وحسب الخبراء، يتم حاليا مناقشة بعض التفاصيل المتعلقة بالمشروع مع العديد من البلدان، ولكن حتى الآن ليس من الواضح إلى أين سيتم توريد الغاز الروسي تحديدا، كما لم يُكشف بعد عن الشروط المتعلقة بنقل الغاز الروسي.

في هذا الصدد، أكد نائب رئيس شركة غازبروم، أندريه كروغلوف، "سبق أن قدرنا تكلف بناء المشروع بستة مليارات دولار، إلا أن حجم التكلفة قد زاد ليصل إلى سبعة مليارات دولار في الوقت الحالي". وفي مرحلة أولى، سيتعين على غازبروم تمويل المشروع بشكل مستقل، حيث أقر نائب رئيس الشركة "لا نستبعد إمكانية تمويل المشروع، ولكنني أريد أن أوضح أنه استنادا إلى الأوضاع الراهنة التي نعمل في خضمها، فإنه على الأرجح سيتم تمويل مشروع "التيار التركي" في البداية من ميزانية غازبروم الخاصة، وفيما بعد سيُمول بالاعتماد على سندات تمويل المشاريع كما حدث في مشروع نورد ستريم".

يتكون مشروع "التيار التركي" من خطي أنابيب، حيث يوفر كل خط نقل 15.75 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، أي إجماليا 31.5 مليار متر مكعب. ويبلغ طول خط الأنابيب البحري حوالي 930 كيلومترا، ويمتد على طول قاع البحر الأسود من مدينة أنابا الروسية إلى كييكوي التركية. ويتجه خط أنابيب الغاز الأول نحو السوق التركية، ومن التوقع انطلاق العمل به في آذار/ مارس 2018. أما خط الأنابيب الثاني، فيمر عبر الحدود التركية مع الاتحاد الأوروبي لتوريد الوقود الأزرق لسكان جنوب وجنوب شرق أوروبا.

والمثير للاهتمام أنه تم تقديم فكرة بناء مشروع "التيار التركي" كبديل عن مشروع "التيار الجنوبي"، الذي لم ير النور نتيجة عدد من العوامل. ففي أواخر سنة 2014، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إلغاء بناء "التيار الجنوبي"، ليعلن فيما بعد عن مشروع "التيار التركي"، ومع ذلك، تبدو آفاق مشروع "التيار التركي" غامضة.

على العموم، يشوب الغموض خاصة مستقبل خط الأنابيب الثاني. وفي وقت سابق، أعلن أنه وُضع أكثر من 760 كيلومترا من الأنابيب لكلا الخطين، إلا أن غازبروم لم تتلق الإذن لانطلاق بناء القسم البحري من الخط الثاني، إلا في شهر كانون الثاني/ يناير. ومن جهته، أكد رئيس شركة غازبروم، أليكسي ميلر، أن الغاز الروسي حصل على جميع التصاريح اللازمة من الحكومة التركية لوضع الخط الثاني من أنابيب الغاز في المنطقة الاقتصادية الخاصة والمياه الإقليمية التركية. وبناء على ذلك، من المتوقع أن يتم إنهاء أنابيب الغاز مع نهاية سنة 2019.

حيال هذا الشأن، أشار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أنه "حتى الآن لم يُبنى سوى خط الأنابيب الأول الذي يتجه مباشرة نحو السوق التركية"، "أما الخط الثاني فلن نبدأ بتنفيذه إلا إذا حصلنا على الضمانات اللازمة من اللجنة الأوروبية، التي تؤكد لنا أنهم لن ينتهجوا نفس السلوك تجاه بلغاريا عند بناء مشروع "التيار الجنوبي"، خاصة وأن بلغاريا مستعدة للنظر في مسألة استقبال الخط الثاني من "التيار التركي". كما أكد لافروف "نحن مستعدون لكل الخيارات، لكن يجب أن يكون مضموناً 100 بالمائة من قبل المفوضية الأوروبية".

في حقيقة الأمر، ليس من المؤكد ما إذا ستحصل شركة غازبروم على هذه الضمانات في نهاية المطاف. وفي هذا الصدد، وعد نائب الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم، ألكسندر ميدفيديف، أنه "سيتم تنفيذ الخط الثاني من مشروع "التيار التركي" وفقا لمعايير المفوضية الأوروبية، وسيقع تشغيل شركات نقل غاز من دول أوروبية". في المقابل، رفضت الشركة التعليق عن مسار المرحلة الثانية من بناء خط الأنابيب.

وفيما يتعلق بالآفاق واتجاه الإمدادات، ذكرت التقارير أن الخط الأول سيتجه نحو تركيا، بينما سيزود الخط الثاني جنوب وجنوب شرق أوروبا، دون إضافة أي تفاصيل أخرى، وذلك وفقا لما أكده رئيس قسم برامج التنمية طويلة الأجل، كيريل بولوس، لوكالة نوفستي الروسية.

في وقت سابق، أفادت معلومات إخبارية، أنه لطالما بحثت غازبروم عن خيارات متعددة لمرور مشروع "التيار التركي" عبر بلغاريا وصربيا أو عبر اليونان وإيطاليا. ووفقا للخبراء، يمكن أن تتمكن من بناء الخط الثاني عبر بلغاريا وصربيا. ووفقا لما أكده أحد المحللين الرئيسيين لصندوق الأمن القومي، إيغور يوشكوف، يؤكد هذا التطلع حقيقة رغبة غازبروم في زيادة حصتها في رأس مال شركة ساوث ستريم صربيا.

وفقا للمحلل التابع لشركة سبيربنك، فاليري نيستيروف، "رفضت غازبروم تقديم أي تفاصيل حول المشروع من شأنها أن تشير إلى فشل في مسار القسم البري". وأضاف قائلا "تستمر المفاوضات مع هذه البلدان، وفي الوقت نفسه، من المفترض أن تكون غازبروم غير حريصة على لفت الانتباه في هذا الاتجاه، ما يفسر عدم تقديمها لأي تفاصيل".

في شأن ذي صلة، لا يشك المحلل في أن الشركة ستكمل في نهاية المطاف بناء خطي الأنابيب، إلا أن نيستيروف يتساءل "ماذا ستفعل الشركة عند الاقتراب من الساحل التركي؟"، خاصة وأنه يؤكد أن آفاق مشروع "التيار التركي" غير واضحة المعالم. فمن الناحية النظرية، "تقوم فكرة التيار التركي على الولوج إلى السوق الأوروبية عبر توريد الغاز الطبيعي المسال".

في الواقع، لم يتم التنسيق بعد مع الاتحاد الأوروبي بصفة تامة، كما يبدو أن التفاوض لن يكون سهلا، وذلك وفقا لما أكده الخبير في شركة فينام، أليكسي كالاشيف. وفي هذا الإطار، قال كالاشيف "أعتقد أن التفاوض مع الاتحاد الأوروبي سيكون أسهل فيما يتعلق بالخط الثاني من مشروع التيار التركي في حالة واحدة فقط، وهي في حال ضمنت غازبروم الحفاظ على عبور كميات معقولة من الغاز عبر أوكرانيا".

وفي هذا الشأن، يذكر أن استثمارات غازبروم في هذا المشروع سنة 2017، بلغت ما يقارب 93 مليار روبل. أما خلال سنة 2018، سيتضاعف المبلغ ليصل إلى 182 مليار روبل، حسب توقعات الشركة.

ومن ناحية أخرى، لا يرحب الأوروبيون بزيادة حجم إمدادات الغاز الطبيعي الروسي في السوق الأوروبية، ويفضلون توسيع قنوات الإمداد بالوقود الأزرق. فعلى سبيل المثال، أكدت بولندا أنها لن تجدد عقدها مع غازبروم بعد سنة 2022، وفقا لتقارير بلومبيرغ. وفي الوقت نفسه، تمثل الإمدادات الروسية ثلثي إجمالي حجم الوقود الأزرق في البلاد (بولندا). وبعد سنة 2022، تأمل بولندا في استبدال الغاز الطبيعي الروسي المسال بالغاز النرويجي، وفقا لتقارير وسائل إعلام.

وفي الوقت نفسه، تحاول شركة غازبروم الزيادة من حجم إمداداتها في السوق الأوروبية. وفي هذا السياق، أوضح ألكسندر ميدفيديف "نمت الإمدادات بشكل أسرع في السوق الأوروبية، إذ ارتفعت إلى مستوى قياسي لتصل إلى 34.7 بالمائة"، علما بأنها في نهاية سنة 2016، كانت تقدر بنحو 33.7 بالمائة. ووفقا لبعض المحللين الأجانب، قد تصل نسبة الإمدادات الروسية في السوق الأوروبية إلى 41 بالمائة بحلول سنة 2035.

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء»- بما قد تحمله من أفكار ومصطلحات- لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني