_
سيغادرنا هذا الجيش يوماً ما...
عندما يواجه المزارعون الكوريون أكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية
جيسي كينديغ جيسي كينديغ

سيغادرنا هذا الجيش يوماً ما...

إن قدت السيارة يوماً لحوالي الساعة نحو جنوب سيول فستجد نفسك قرب مشروع بناء أكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في العالم. في المنطقة التي تتخلّى فيها العاصمة الحضرية عن الأرض للريف الكوري، وحيث تحلّ حقول الأرز وحقول الجنسنغ ومساكب الفلفل الحار والذرة والتبغ وبساتين الخوخ مكان الطرقات والأبنية. ثمّ بعد فترة قليلة تطغى على هذه البساتين وتغطيها همهمة إقلاع الطائرات وهبوطها في أكثر المطارات نشاطاً في آسيا. تنمو نباتات الحدائق الخلفية تماماً عند حائط هذه القاعدة.

تعريب: عروة درويش

لقد قام، خارج هذا المشهد العسكري، الناشطون المحليون وأهالي البلدة بنقش منحوتات كُتب عليها "منطقة خالية من الحرب والوحشية"، وهي ثمرة نضال سنوات عديدة من الكفاح لإنقاذ بلدة دايشوري من الدمار بسبب توسّع مخيم معدّات الولايات المتحدة العسكرية. إنّ احتجاجهم هو حلقة في سلسلة الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة التي تحيط بالمحيط الهادئ، ابتداءً من أوكيناوا وهاواي إلى جزيرة غوام والفلبين.
وعلى الرغم من تدمير قرية دايشوري في نهاية المطاف، فلا يزال الاحتجاج المبدع والمركّز الذي بدؤوا به يمثّل حصناً ضدّ استمرار العسكرة في المحيط الهادئ.

جوهرة تاج منشآت ما وراء البحار:
شكّلت حامية يونغسان الواقعة في قلب سيول منذ نهاية الحرب الكورية عام 1953 وحتى وقتٍ قريب جداً مقرّ قيادة قوات الولايات المتحدة المسلحة في كوريا.
بيد أنّ القوات الأمريكية تغادر حالياً سيول إلى مدينة بيونغتاك على بعد أقلّ من ساعة جنوب العاصمة كجزء من خطة تستمر عشرة أعوام لإعادة توجيه القوات الأمريكية العاملة في كوريا من خلال جمع ما يقرب من أربعين قاعدة متفرقة في هذه المنشأة الخارقة الجديدة. ومن الجدير بالذكر أنّ هذا سيؤدي أيضاً إلى نقل الوجود العسكري الأمريكي بعيداً عن الحدود الكورية الشمالية وتوجيهه ناحية الصين عبر البحر الأصفر مباشرة – وهذه العملية جزء من سياسة "محور آسيا" الأوسع نطاقاً التي بدأ تنفيذها منذ أيام إدارة أوباما.
اشتركت الحكومتان الأمريكية والكورية الجنوبية خلال العقد الماضي في مضاعفة حجم القاعدة التي تشكّل أكبر مشروع منشأة في تاريخ وزارة الدفاع الأمريكية ثلاثة أضعاف. ستصبح عندما ينتقل إليها جميع العديد والعتاد أكبر وأكثر منشأة عسكرية أمريكية مأهولة ما وراء البحار في العالم. يقوم هذا الأثر الجديد على 14.7 مليون متر مكعب معظمها أراضٍ زراعية وقرى صغيرة حول بيونغتاك. ستحظى القاعدة الموسعة – المحاطة بـ 23 كلم من الجدران والأسلاك الشائكة الخارجية – بثاني أكبر منشأة لتطبيب الأسنان في وزارة الدفاع الأمريكية و "نادٍ رياضي خارق" من بين أكبر النوادي في الجيش الأمريكي.
قال الجنرال توماس فاندال أثناء قصّ شريط حفل الافتتاح يوم الثلاثاء الماضي: "ممّا لا شكّ فيه بأنّ هذه القاعدة هي جوهرة تاج منشآت ما وراء البحار في وزارة الدفاع".


لقد حان الوقت كي تتركنا الولايات المتحدة وشأننا:
تقف المنحوتات الخشبية لأوصياء القرية التقليدية عند مدخل "قرية دايشوري للفن والسلام"، وهي القرية الجديدة التي شيدت بعد تدمير دايشوري الأصليّة.
تزهر الورود في الحديقة خارج المركز المجتمعي الرئيسي الذي يعلن باللغتين الكورية والإنكليزية أن المكان هو "منطقة خالية من الحرب والوحشية"، وهناك لوحة جدارية تُظهر القنابل الساقطة وهي تتحول إلى نباتات تزيّن جداراً قريباً. هناك داخل المركز شخصٌ ما يفرز البطاطا وشخصٌ يطبخ، وهناك اجتماع تخطيطي قائم في غرفة المكتبة والفنون. تغطي الصور والرسومات والمطبوعات وأعمال النسيج الجدران، ومعظمها يصور النضال القروي ضد العسكرة.
لقد كانت دايشوري قرية زراعية مكونة من حوالي ثمانين أسرة. أعلنت قاعدة (كامب همفري) في عام 2001 عن خططها للتوسع، وتمّ بالتعاون مع حكومة كوريا الجنوبية عرض تعويض للقرويين مقابل أرضهم. رفضت القرية الأمر. بدؤوا خمسة أعوام من الكفاح لإنقاذ أرضهم، وجذبوا الاهتمام المحلي وأصبحوا حلقة أساسية في سلسلة مناهضة العسكرة ونشاط السلام في كوريا.
يجسد تاريخ معركة دايشوري تاريخ كوريا باعتبارها ساحة معركة للإمبراطوريات المتنافسة. خلال الاحتلال الاستعماري الياباني في النصف الأول من القرن العشرين، تمّ الاستيلاء على الأراضي حول دايشوري لصالح قاعدة عسكرية إمبراطورية. وبعد أن استولى الجيش الأمريكي على كوريا الجنوبية، المقسمة حديثاً، من أيدي اليابانيين المنهزمين في نهاية الحرب العالمية الثانية، تغيّرت القواعد ببساطة. فبعد احتلال عسكري أميركي دام ثلاثة أعوام مع الحرب الكورية المدمرة التي امتدت من 1950 إلى 1953، رحب رؤساء كوريا الجنوبية المستقلة حديثاً بوجود الجيش الأميركي كرادع للحرب الباردة وكمصدرٍ للموارد الذين كانوا بأشدّ الحاجة لها.
أمّا بالنسبة للسكان المحليين فقد تمّ هذا الترتيب بكلفة حادّة. فكما قال الناشطون والباحثون النسويون: تحوّلت أنظمة الاستعباد الجنسي العسكريّة تحت الحكم الياباني بسهولة إلى دعارة عسكرية مؤسساتيّة حول القواعد الأمريكية، خالقة بيئة عنيفة واستغلالية للنساء. عنى ذلك الأمر في دايشوري بأنّ القرية واجهت عمليات جرف وإزالة وإعادة بناء مستمرّة.
كانت مُزارعة الأرز "شو صن يه" أحد الذين وجدوا أنفسهم عام 2001 يواجهون التهديد الثاني بالإخلاء. فبعد أن تمّ جرف منزلها الأول خلال الحرب الكورية من أجل إفساح الطريق أمام المنشأة الأمريكيّة الجديدة، بنت مع زوجها منزلاً جديداً يبعد ربع ميل من القاعدة.
قالت للصحفيين عام 2001 بعد أن علمت أنّ منزلها الجديد سيتمّ هدمه أيضاً: "لقد تخليت عن أرضي مرّة، ولن أقوم بذلك مرّة أخرى. لقد حان الوقت كي تتركنا الولايات المتحدة وشأننا". رفضت مع أسرتها الكبيرة المؤلفة من سبعة عشرة فرداً أن يغادروا منزلهم: "ذكرياتي هنا، حياتي هنا. ليس من المفروض عليّ أن أتخلى عن هذا لأيّ أحد".
لم يكن التوسّع يهدد المنازل والمجتمعات في دايشوري وقرية دودوري المجاورة فحسب، بل يهدد أيضاً سبل كسب عيش مزارعي الأرز. كما أنّ هذا المشروع قد كشف بوضوح التحالف غير الديمقراطي بين سيول وواشنطن، والذي يقرر على ما يبدو مصير السكان المحليين دون مشاركتهم بذلك. سرعان ما أصبح ما بدأ ككفاح محلي في القرى المحيطة ببيونغتاك كفاحاً وطنياً يضمّ 120 تنظيماً عمالياً وطلابياً ونسوياً وزراعياً ومؤيداً للسلام ودينياً عبر البلاد.
لقد أصبحت دايشوري مركزاً للنضال، تُجرى فيها التجمعات الشعبية الليلية ووقفات الشموع الاحتجاجية. انتقل ممثلون عن الجماعات الوطنية إلى البلدة، واستعصوا في المبان التي تمّ هجرها وتقرير هدمها. زار ناشطون عالميون مناهضون للحرب، من ضمنهم سيندي شيهان، دايشوري كي يعبروا عن تضامنهم.
نظم النشطاء بدءاً من عام 2003 احتشادات ومهرجانات سلام ومسيرات أمام القواعد. لقد استعصوا وهم جالسين القرفصاء في القرى نصف المهجورة من أجل منع مصادرة الأراضي والدفاع عن الحقول في مواجهة شرطة مكافحة الشغب وتنظيم مسيرات وطنية. لقد قامت قافلة من الجرارات، في ذروة الكفاح في 2006، بالتجول في كوريا الجنوبية من أجل جذب الانتباه إلى مقاومة دايشوري.
أصبح الفن والعمل الإبداعي شكلاً محورياً من أشكال الاحتجاج. وقد أخذت منحوتات القنابل الخشبية المزينة بالمعول والمجرفة مكان فزاعات الحقول. غطّت اللوحات الجدارية والقصائد والمقطوعات الموسيقية جميع جدران القرية – شهادات من حياة المجتمعات المحلية والقدرة على الصمود والغضب والأمل. شكّل القرويون صور دبابات وشخصيات بشرية من فروع الأغصان، ثمّ قاموا بإحراقهم أثناء الاحتجاجات.
لقد جعل الفن النضال مرئياً وملوناً ويمكن الوصول إليه، مما يعطي كل ناشط وسيلة لوصف سبب قتالهم الشرس، وما قاتلوا من أجله، وما الذي كان على المحك عندما تمّ تقرير دمار قريتهم.


الطرد:
كانت حكومتا الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تفقدان صبرهما بحلول أيار 2006.
وقد أعربت هيلاري كلينتون، السيناتور عن نيويورك آنذاك، في جلسة استماع في مجلس الشيوخ عن سخطها إزاء "فقدان الذاكرة التاريخي" في كوريا الجنوبية، قائلة بأنّ: "الكوريين لم يعودوا يفهموا أهمية وجودنا هناك، وبما قمنا به على مدى عقود طويلة لتزويدهم بالحرية التي يتمتعون بها". لكنّ تعليق كلينتون لم يثب إلّا أنّ النخب الأمريكية هي التي فقدت الذاكرة: فقد تمّ الفوز بالديمقراطية في كوريا الجنوبية في الثمانينيات عبر نضال شعبي جماهيري ضدّ الدكتاتوريات المدعومة من الولايات المتحدة.
وقد عمدت حكومة كوريا الجنوبية، التي عقدت العزم على الدفع لتوسيع القاعدة وإيقاف الحركة الدولية المتنامية، إلى وضع كامل قوتها في دايشورى. نزل في 4 أيار 11.500رجل شرطة من مكافحة الشغب والقوات غير المسلحة في القرية عند الفجر، مستخدمين العصي ومدافع المياه لإخلاء المنطقة. قاتل النشطاء بالحجارة وأعواد الخيزران، وحصّن بضع مئات من المتظاهرين أنفسهم في الطوابق العلوية في مدرسة القرية الابتدائية التي تمّ تحويلها إلى مقرّ قيادة للحركة في الوقفة النهائية ضدّ عملية الطرد النهائية.
استطاعت شرطة مكافحة الشغب في النهاية أن تخترق التحصينات وبدأت بجرّ المتظاهرين بالقوّة وهم ينزفون أو على النقالات. تظهر إحدى الصور الفوتوغرافية امرأة تقاوم متمسكة بشبك النافذة بينما يقوم الجنود بجرها بعيداً عنه. وتظهر صورة أخرى رجلاً مستلقياً على ظهره ورجال الشرطة يحتشدون حوله وبركة من الدم تحيط برأسه.
وقد نصبت الدولة في أعقاب الطرد العنيف سياجاً شائكاً يبلغ طوله سبعة وعشرين كيلومتراً حول القرية.
وبحلول عام 2007، وبعد أن أصبحت نهاية المفاوضات مرتقبة والكثير منهكون منها، وصل الجيش والحكومة إلى اتفاق للتنازل عن الأرض وبناء قرية جديدة مكان القديمة. فهناك الآن، حيث كانت دايشوري قائمة في يوم ما، مجمّع من أبنية التخزين المنخفضة وشبكة من الأبراج الكهربائية وخطوط لنقل الطاقة تتشابك حولها.


متحفٌ للمستقبل:
على الرغم من فشل الناشطين في إنقاذ قريتهم فإنّ "قرية الفن والسلام" في دايشوري الجديدة هي دليل على ما حققوه.
يشغل القرية الجديدة حوالي نصف سكان البلدة القديمة. المنازل فيها على النمط الكوري والغربي مع ساحات جذابة وملعب مركزي وحديقة. لكن وكما يخبرنا دليلنا: "هناك شعور كبير بالأذيّة" بين السكان. وللتغلب على الشعور بالخسارة فقد خصصت القرية الجديدة مساحات لتثقيف السلام والعمل الإبداعي من أجل تفادي حداد لا ينتهي.
رسم على مستودع معدني في الطرف الشمالي من القرية بومة بيضاء عملاقة، حيث تشكل جزءً من مدرسة النجارة وقسمٌ من متحف الحركة. ترتفع منحوتة عملاقة في وسط المكان، تمثال متعدد المواد للاحتجاج والذاكرة، للحزن والرفض النشطين. وهناك تمثال يقف فوق جرار وهو يحمل معدات الاحتجاج: ميكروفونات ومكبرات صوت عدّلت لهذا الغرض، وكاشفات رياح ملوّنة بشكل يدوي، ولافتة عسكرية ممزقة على السياج كتب عليها "ممنوع الدخول"، ومكبرات صوت، ورايات، ولافتات سلام حيكت من أوراق النباتات.
يحمل التمثال أيضاً أدوات الذاكرة: صناديق ملونة مليئة بالصور القديمة لسكان دايشوري وأجدادهم وهم يلعبون ويمشون بالمياه في أوائل القرن العشرين وفي السبعينيات وفي التسعينيات. صور شخصية بالأبيض لأثواب تقليدية موضوعة إلى جانب لقطات ملونة لأزواج يتبادلون القبل.
ويحمل التمثال أدوات العودة: المجارف ومطحنة الأرز وسكّة محراث القرية التي ما زال يكسوها التراب.
لا يحدد الكفاح والعسكرة في متحف القرية منحى القصّة، بل حياة الناس هي من تفعل. تشجعك النظارات المكبرة المعلقة إلى جانب صور دايشوري الفوتوغرافية من زمن ما قبل الكفاح على قضاء وقت أطول معهم وتكوين صداقات معهم وحضور أحداث حياتهم الخاصّة. لقد منحوا المصورين فرصة رؤية القرويين وهم يتسلقون الجرافات لمنع استعمالها، والانحناء بصمت أمام دروع شرطة مكافحة الشغب، وحمل الشموع في واحدة من أمسيات التجمع الكثيرة، وهم يصرخون.
يرفض المتحف ترك القصة تنتهي بتدمير القرية ولهذا فهو متحف للمستقبل. تحتل صور فوتوغرافية لبناء المتحف ورسومات شخصية الجدار الأخير. تقول قصيدة مكتوبة على الجدار: "أعتقد بأنّ هذا الجيش سيغادرنا يوماً ما. وسأكون أول من يصل، بعد أن كنت آخر من غادر".
صوت المنشار يسمع من مدرسة النجارة المجاورة، ورائحة نجارة خشب منعشة تعبق بالأجواء. يبنى المكان من جديد، وأدوات العودة قد تستخدم من جديد.