_
روسيا ليست الاتحاد السوفييتي... ماذا بعد؟
ليلى نصر ليلى نصر

روسيا ليست الاتحاد السوفييتي... ماذا بعد؟

(إنها ليست الاتحاد السوفييتي) هذا ما يقوله ويعيده البعض، أملاً بأن نهتدي ونقتنع، علّنا نستكشف أبعاد الصفقات الدولية، والتحالفات المحلية للروس، ولكننا نعيد ونكرر بأنه وسط الصراع العالمي اليوم، هناك أصدقاء فعليون للشعب السوري، وروسيا في مقدمتهم وهناك من هم أعداء مصلحته أولئك الذين تسلب الظروف والمتغيرات أدواتهم منهم...

 

تستطيع أن تلحظ لدى القوى السياسية السورية اتجاهات في الموقف السلبي من الدور الروسي في الأزمة السورية، فبين من يشيطن ويعتبر أن الدور الروسي قضى على (ثورة الشعب السوري)، ويذهب هؤلاء إلى الحديث عن (العصر الروسي) و(الإمبريالية الروسية). وبين من يساوي بين الروس والأمريكان على اعتبارهم قوى دولية تتصارع على الأرض السورية، وينتهي الصراع بتفاوض على اقتسام النفوذ والبلاد، ويذهب هؤلاء بكل ثقة ليعددوا الثروات السورية المتنازع عليها، فيتحدثوا عن حقول غاز ونفط وغيرها. وهناك من تملؤه الشكوك، فإن لم يساو بين الروس والأمريكان إلا أنه يذهب للتشكيك في النوايا ويقول: لا بد أنهم يريدون شيئاً ما وعلينا أن نحذر... وأخيراً هناك من يعتبر بأنّ روسيا أتت (لتخدم النظام)، وتستعيد السيطرة العسكرية وتعيد الأمور إلى سابق عهدها.

حقيقة الموقف
أما نحن كيف نرى الموقف الروسي؟ فالمسألة بسيطة ومعقدة في آن معاً، لكي ترى السر في إيجابية الأداء السياسي الروسي في الأزمة السورية وجديته، عليك أن ترى أية لحظة عالمية نعيش. فالحرب العالمية التي قادها مركز رأس المال الغربي الأمريكي، منذ عام 2001 على الأقل تشارف على نهايتها، دون أن تحقق أهدافها في انتشال الرأسمالية من أزمتها العميقة، بل قد عمقت أزمتها العامة، وأطلقت العنان لقوى اقتصادية وسياسية وعسكرية في الشرق لتبدأ بالدفاع النشط وتوقف النار التي تستهدفها، وهذه القوى هي روسيا والصين بالدرجة الأولى.
لا تستطيع أن تفهم جدية الموقف الروسي في سورية، دون أن تراه على أنه دفاع عن النفس، وردع لمشروع الفوضى الأمريكي، الذي لا يستهدف النفط السوري أو النسيج الاجتماعي، أو (دولتنا كعمود للسماء)، بل يهدف إلى تشكيل قواعد فوضى في مناطق مفصلية في الجغرافية السياسية العالمية (كالشرق الأوسط)، والجزيرة الكورية، ووسط آسيا، وشرق أوروبا حتى أوكرانيا.

حقائق حول الدور الروسي
أما ماذا يترتب على هذا الفهم في الموقف من الدور الروسي في الأزمة السورية؟ نستطيع أن نذكر الآتي...
أولاً: روسيا في دفاعها عن وجودها تهاجم مشروع الفوضى الأمريكي، وبالتالي تتقاطع مصالحها مع شعوب المناطق كلها التي تستهدفها نار رأس المال المتوحش، بمقدار عمق أزمته، والسوريون من بين هؤلاء الشعوب المستهدفة.
ثانياً: المشروع الأمريكي يختار المناطق الرخوة المثقلة بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وبمنظومات فساد وقمع، والتي مجمل ظروفها تشكل أرضية للفوضى والإرهاب، ومواجهة هذا المشروع تكون بالاستقرار المتين، ومن هنا: نرى جدية الموقف الروسي في سورية وتركيبه بين ضرورة الحل السياسي الجدي، وفي نطاق توافق وضمانات دولية تلزم كل الأطراف عبر القرارات الدولية، التي يصرون على تنفيذها، وبين ضرورة محاربة الإرهاب ومنع انهيار جهاز الدولة.
فحل الأزمة السورية جدياً هو واحد من أهم عناصر استقرار المنطقة ونزع فتيل الحرب القابل للتوسع فيها، وحل أزمة سورية جدياً لا يمكن أن يكون بمحاربة (عناصر الإرهابيين وفلولهم) كما يقول الإعلام، بل بالسماح للسوريين بصياغة الحلول الجذرية لاجتثاث منابع الفقر والحرمان والتهميش، هذا التغيير الجذري الذي يتطلب معارك سياسية يخوضها السوريون فيما بينهم، في بيئة مستقرة وطريقة حكم جديدة.
ثالثاً: لقد وصل الروس إلى جر الأمريكيين نحو الحلول السياسية للأزمة السورية، وخطوا معهم خطوات أولى نحو التنسيق في وقف العنف ومحاربة الإرهاب، وهذا ما يحفز مقولة (الصفقة الروسية- الأمريكية) وتقاسم النفوذ وغيرها، ولكن هذا يتناقض مع الفهم العميق للمشروعين، فهي صفقة عندما تكون الغايات هي المرابح، فحتى الأمريكان غايتهم ليست المرابح المباشرة، بل هدفهم استمرار التدمير الممنهج، لأنه دون الوصول إلى عتبة تدمير معينة في مناطق الإنتاج والنمو الهامة، ودون الهيمنة عليها فإن الأمريكيين كمركز لرأس المال الغربي، لن يستطيعوا أن يستعيدوا عافيتهم، إذاً حتى الأمريكان لا يستهدفون آبار نفطنا وغازنا الموعود بل صراعهم أبعد من هذا. أما الروس فيكفي أن تقول: أن بلادهم تحوي 40% من الثروات العالمية، وأن عملية استثمارها ذاتياً لم تستكمل، بل عمليات استقلالها ذاتياً لم تستكمل فهي كأية قوة اقتصادية طرفية في عالم رأس المال، خاضعة لهيمنة أدوات الإمبريالية الفعلية في الغرب، والدولار في مقدمتها، حيث لا تزال كل من روسيا والصين وبريكس عموماً، مقيدة بقيود منظومة النقد والمال العالمية. إذاً روسيا عليها أن تنجز مهمات استقلالها الجدية، وتسيطر على مواردها بشكل كامل، ولا يمكن الحديث عنها كقوة استغلال اقتصادي تهدف من كل ما هدفت إليه إلى أخذ دمشق أو طرطوس دير الزور وإعطاء الأمريكيين الرقة والحسكة مثلاً!

أحد ما...
دائماً في اللحظات التاريخية الانعطافية، يأتي سلوك المتقدمين والسائرين إلى الأمام غير مفهومٍ بالكامل، حيث يعيق ثقل القديم والانطباعات الراسخة حوله رؤية الأفق المفتوح، الذي يعبره عن نفسه بانتصارات سياسية للشعوب، أشكالها ومستوياتها مختلفة ومتصاعدة. لا يستطيع البعض أن يروا العالم دون الإمبراطورية الأمريكية، ولم يستوعبوا تراجعها، ولا يستطيعون بالمقابل أن يروا شعوب العالم ودول الشرق التي انتفضت سابقاً تحاول استعادة وزنها الطبيعي والمحق، وتدافع عن نفسها من همجية فاشيي القرن الحادي والعشرين المتمركزين في الولايات المتحدة.
روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفييتي، ولكن عالم اليوم يقول إنه عاجلاً أم آجلاً أحد ما عليه أن يكون!