_
روسيا وتركيا وعفرين
كفاح السعيد كفاح السعيد

روسيا وتركيا وعفرين

انشغل الفضاء الإعلامي الكردي باستعدادات تركية لاجتياح منطقة عفرين، وإخراج قوات الحماية الكردية منها، وبالتزامن مع ذلك أدلى بعض المسؤولين الأتراك بتصريحات تعزز إمكانية حدوث مثل هذا السيناريو الخطير..

التشكيك بنوايا تركية حق مشروع، والتحذير من تحشيداتها العسكرية أمر مبرر، والاستعداد لمواجهتها ومقاومتها بكل الوسائل، واجب وطني وقومي وإنساني.. ولكن استغلال السلوك التركي بتنظيم حملة ضد روسيا من بعض الإعلام الكردي، عبر ممارسة التنجيم السياسي، والترويج لإشاعة انسحاب القوة الروسية المتمركزة في عفرين، رغم نفي هيئة الدفاع التابعة للإدارة الذاتية، واصفة تلك الأنباء بأنها عارية عن الصحة. وصولاً إلى الحديث عن صفقة وموافقة روسية على اجتياح الجيش التركي لعفرين، ما هي إلا امتداد للبروباغندا التركية، هي أردوغانية كردية بامتياز.. لماذا؟ لأنها تسعى إلى الإيقاع بين الكرد وروسيا، وتسعى إلى حشر قوات الحماية في الزاوية الضيقة، و فرض خيارات محدودة عليها، عبر وضع البيض كاملاً في السلة الأمريكية، التي قد تنقلب في أية لحظة، في ظل الانقسام الأمريكي، وفي ظل الحاجة الماسة لواشنطن إلى تركيا في صراعها الدولي مع القوى الصاعدة، أليس هذا ما يسعى اليه أردوغان؟

من الذي لجم تركيا؟  
إذا كانت هناك قوة ساهمت جدياً في إبعاد الخطر التركي عن سورية عموماً، ومنها عفرين فهو الطرف الروسي بامتياز، فهو وليس أحداً غيره من قلم أظافر القوى المسلحة التابعة لتركيا في الميدان السوري، فأبيد من كابر واستكبر، والتحق بركب الحل السياسي من التحق، والجانب الروسي هو الذي أعاد الوزن التركي في الأزمة السورية إلى حجمه الطبيعي، وهو الذي لجم المحاولات التركية بفرض مناطق آمنة في الشمال السوري، وهو الطرف الدولي الوحيد الذي واجه التركي، حتى أتى الأخير صاغراً معتذراً، وهو الذي  أصرّ وما زال يصر على مشاركة الكرد في أية مفاوضات خاصة بالأزمة السورية، وحل المسألة الكردية كجزء من الأزمة الوطنية السورية..

اطمئنوا .. ولكن طمئنونا عنكم!
العنوان العريض للسياسة الروسية في سورية، هو منع انهيار الدولة السورية، والحفاظ على سورية موحدة ديمقراطية علمانية، الامر الذي يؤمن مصلحة السوريين كلهم، وبما يسمح للشعب السوري بحقه في السيادة بما فيها «شكل الحكم، والنظام السياسي»
هذه الحقيقة عن الموقف الروسي، لم تعد بحاجة إلى براهين، وإثباتات، اللهم إلّا إذا كان هناك من يريد أن يتعامى عن الحقائق، لغاية في نفسه، أو بناء على أوهام، لا تتجاوز عتبة الألاعيب الجيوسياسية الأمريكية، عبر سياسات التوريط التي دفعت واشنطن كل حلفائها إليها خلال السنوات القليلة السابقة توقيع الملف النووي مع إيران من جهة، وتوتير العلاقات العربية الإيرانية، تحت راية مواجهة الخطر الإيراني - توريط قطر بدعم القاعدة والإخوان، وتأليب باقي دول مجلس التعاون الخليجي عليها، بحجة محاربة الإرهاب... هل وصلت الرسالة، أم الأمر يتطلب أن يقع «الفاس بالرأس»؟

رؤية استراتيجية
من الطبيعي أن تكون لروسيا نظرة استراتيجية إلى مستقبل العلاقات الدولية، وتوازن القوى الجديد، وتسعى إلى إخراج تركيا من شرنقة حلف الأطلسي، وقد تختلف هذه النظرة في بعض التفاصيل والأدوات عن نظرة قوى وشعوب المنطقة، ولكنها في المحصلة ستقود حكماً، إلى ذلك المناخ الذي يتأمن للجميع حقه في تقرير مصيره، على أساس الاعتراف بالمصالح المتبادلة، بدلاً من سياسات إنكار الوجود، والاضطهاد القومي.
الطرف الروسي لم يعد أحداً بشيء، إلا بمحاربة داعش، وفعل ذلك بالملموس حتى فرضه خياراً عملياً على القوى كلها، والطرف الروسي يدعو كل القوى إلى الحوار لحل القضايا المستجده، والقضايا المعلقة بتاريخ المنطقة ومنها القضية الكردية، دون أن يورط طرفاً بدعم أحادي، على حساب الأطراف الأخرى، «اطمئنوا، ولكن طمئنونا عنكم» الطرف الروسي ليس لديه «غلاديو»، حتى يساهم بخطف أحد ويضعه في إيمرالي، وعليه فإن التشنيع، والتأليب الذي يقوم به بعض الكرد ضد روسيا، لا بل حتى التشكيك بالدور الروسي، له أحد تفسيرين:
إما أنها تعبير عن عجز في فهم الوضع الدولي الجديد، وتوازناته التي حسمت بانتهاء عصر الاستفراد الأمريكي بالقرار العالمي.
أو أنها سياسة «حباً لمعاوية لا كرهاً بعلي» المعروفة بنتائجها.