_
سوروس يطلب المستحيل...

سوروس يطلب المستحيل...

لا بد أن جورج سوروس الملياردير الأمريكي من أصول أوروبية شرقية، لم يفقد اهتمامه العميق بالاقتصاد البريطاني والأوروبي عموماً، وهو الذي أخذ لقبه كأهم مضارب عالمي منذ عام 1992 عندما جنى سوروس مليار دولار من استثمار بـ 10 مليار دولار في المضاربة على الجنيه الإسترليني، في المعركة التي نشبت بينه وبين بنك إنجلترا، والتي أدت إلى انسحاب الإسترليني من اتفاقية تبادل العملات الأوروبية.


أما اليوم فيضع سورس تركيزه الأساسي في الهجوم على البريكست، لأنه يرى من خلفه تفكك الاتحاد الأوروبي، وهو محق في ذلك..
صرح سوروس بما هو أقرب للشماتة إن التأثيرات الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدأت بالظهور، مع بداية تراجع الدخول الحقيقية، ومستوى المعيشة، والتأييد الشعبي للمحافظين ولرئيسة الوزراء ماي الذين كانوا عرابي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، ويبدي تفاؤله بأن التغيرات الاقتصادية ستغير الآراء الشعبية، التي ستتأثر بفوز ماكرون المرشح الفرنسي الوحيد الداعم للاتحاد الأوروبي في فرنسا، ويطلب من القوى الأوروبية أن تبني مفاوضاتها مع بريطانيا ومسار سياساتها الأوروبية على أساس (انقلاب محتمل في البريكست).
على ما يبدو يكثر سوروس من الكتابة والتصريح في هذا الإطار، لأن أهدافه لا يمكن حلها عملياً، أي بعمليات مضاربة، أو بتوظيف لمحفظته الاستثمارية الهائلة في السوق وتشكيل ضغط سياسي باتجاهات محددة! وما يريده صعب المنال، فأزمة الاتحاد الأوروبي أكبر من أية محفظة، وأعقد من عمليات المضاربة، والمطلوب لإنقاذ المؤسسة الغربية الكبرى مزيداً من المركزية والتنسيق عالي المستوى في البنية المؤسساتية الأوروبية، أي عملية تشبه (التجديد الجوهري الكلي) كما يقول سوروس ذاته، بينما الموجود هو أزمة اقتصادية ومالية وسياسية واجتماعية عميقة تجعل عملاً مركزياً مؤسساتياً من هذا النوع أقرب للمستحيل...
وبنمو اقتصادي شبه معدوم، ووضع مالي لأزمة ديونٍ على وشك الانفجار، وتغيرات سياسية تقلب الطاولة على البنى والأحزاب السياسية القديمة، ووضع اجتماعي أبرز مشاكله الهجرة واللاجئون، وصعود التيارات المتطرفة في اليمين الأوروبي، والهجمات الإرهابية المتكررة، فإن وحدة حال عميقة للنخب نحو ما يشبه إعادة بناء الاتحاد الأوروبي هي ضرب من الخيال.
يقف أصحاب النفوذ الاقتصادي والمالي في أوروبا وتحديداً من الأعداء الواضحين للتقارب الأوراسي في موقف صعب، فهم يعلمون بأن كل تراجع في إمكانات الإدارة المركزية لرأس المال العالمي، يعني اقتراباً وشيكاً للتفكك ولانفجار الأزمة بشكل غير قابل للتحكم على أي مستوى اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي.
فما من ضمانات إذا ما اندلعت الأزمة بأن تستمر علاقات شمال القارة الأوروبية وجنوبها غير المتكافئة، وعلاقات غربها مع شرقها، ولا أحد يضمن أن تلتزم الدول الأوروبية المدينة بسداد الدين، طالما أن المركز الأوروبي والأميركي سيكون أقل قدرة على معاقبة (غير الراغبين بالسداد)، وبالمقابل قد تنفتح فرص أخرى جدية لهؤلاء في الشرق أو في الخروج من الاتحاد الأوروبي، بعد أن تصبح التزامات بلا مكاسب!