حوار مع المفكرة السياسية شانتال موف
شانتال موف
إعداد: قاسيون إعداد: قاسيون

حوار مع المفكرة السياسية شانتال موف

تشهد القارة الأوروبية صعوداً لحركات سياسية يسارية جديدة، الأمر الذي تجسد بارتفاع حظوظه و حضوره في الاستحقاقات الانتخابية التي كانت حتى الأمس القريب حكراً على القوى والأحزاب التقليدية المتناوبة على الحكم تحت اليافطات العريضة لـ«اليسار- واليمين» التي لم تعكس بالضرورة الهوية الحقيقية لهذه القوى.

يوظف  اليسار الصاعد في أوروبا، بما في ذلك ما نشهده مؤخراً في فرنسا من خلال تقدم المرشح اليساري، جان لوك ميلانشون، جملة من الرؤى والممارسات في تكوين مختلف عناصر الخطاب السياسي الهادفة إلى استقطاب أكبر شريحة ممكنة من الناخبين. تعتبر الباحثة الأكاديمية، شانتال موف، واحدة من المنظرين لهذه الرؤى. ونظراً لضرورة الاطلاع على ماهية هذه الرؤى تعرض «قاسيون» فيما يلي النص الكامل للقاءٍ صحفي أجرته صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية مع الباحثة شانتال دون أن يعني ذلك التبني والموافقة على كل ما ورد فيها.

 

في مواجهة الهيمنة النيوليبرالية، تقترحين ضرورة تحديد استراتيجية سياسية جديدة لليسار...

قبل مناقشة التوجهات الاستراتيجية، يجب علينا أن نحلل الظرف الراهن. إنني أعتمد على ميكيافيللي الذي، وكما أشار لوي ألتوسر، يهتم دائماً بالحالة الظرفية. أحاول أن أفهم مسائل اللحظة الراهنة، وعلى أساسها أحاول أن أبني منظوراً. ولهذا السبب، فإنني أعارض الفلسفة المعيارية (أي الفلسفة التي تطلق معايير حول ما يجب أن يكون). فالفلاسفة السياسيون يميلون إلى القيام بتنظيرات كبيرة لشرح الكيفية التي ينبغي للعالم أن يكون عليها، دون أخذ السياق بعين الاعتبار. لكن من جهتي، فإني أحاول عوضاً عن ذلك أن أطوِّر نظرياتي اعتماداً على وقائع الحقبة الزمنية الراهنة.

تحليلي هو أننا نعيش الآن في «لحظةٍ شعبوية»، والتي تتجسد بظهور الحركات السياسية التي توسم بهذا الاسم. علينا أولاً أن نوضح ماذا أعني بـ«الشعبوية». فعلى لسان معظم السياسيين والمعلقين، تظهر كلمة «الشعبوية» كمرادف لكلمة «الديماغوجية». كما أن تهمة «الشعبوية» تستخدم كسلاح بيد أولئك الذين يريدون الإبقاء على الوضع القائم على ما هو عليه «الستاتيكو»، ضد أولئك الذين يتحدون الوضع القائم.

ومن جهتي، فإني أتبنى وجهة نظر الكاتب أرنستو لاكلو، الذي أوضح في كتابه «منطق الشعبوية» أن الشعبوية ليست أيديولوجية أو عقيدة، إنما وسيلة لإرساء حدود سياسية أو للفرز السياسي. بالنسبة لي، فإن السياسة هي دائماً أداة لإقامة الحدود بين «نحن» و«هم»، و من الممكن أن يتم بناء هذه الحدود بأشكالٍ مختلفة جداً. فبالنسبة للماركسيين، على سبيل المثال، إن الحدود هي بين «البروليتاريا» و«البرجوازية». وبالنسبة للشعبويين، فإن هذه الحدود هي بين من هم «فوق» ومن هم «تحت»، بين «الشعب» و«المؤسسة». ما الذي يفسِّر «فوران» هذه التحركات «المناهضة للنظام»؟ قبل كل شيء، وبطرق مختلفة، إنها ردود فعل رافضة لما يسميه البعض بـ«ما بعد الديمقراطية». اليوم نرى الديمقراطية مفرغة من مضمونها بعد أن انقطعت عن السيادة الشعبية. لقد تم استبعاد السيادة الشعبية من المفردات السياسية، لأنها تمثل عدواً رئيسياً للنيوليبرالية التي تريد إقامة سيادة السوق والتكنوقراط. إن هذه الهيمنة النيوليبرالية تثير ثورة المزيد والمزيد من المواطنين. ولقد كان واحداً من الشعارات التي رفعتها حركة مناهضة التقشف في إسبانيا هو: «لدينا تصويت، لكننا لا نملك أصواتً». هذا ما أطلق عليه في كتابي «وهم الإجماع» بما بعد السياسة.

بالنسبة لي، يجب على الديمقراطية أن تملك طابعاً جدلياً صراعياً، أي أن تتوفر إمكانية الاختيار بين مشاريع مختلفة. فحيث لا يوجد فارق جوهري بين البرامج السياسية المقدمة من أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط، فسيجري تصويت، لكن لن يكون هنالك أصوت، لأنه لا توجد إمكانية حقيقية للاختيار. لقد سيطر «إجماع الوسط» هذا على المشهد السياسي في أوروبا على مدار العقود الأربعة الماضية. والحركات التي تسمى «شعبوية»، والتي في معظمها من الجناح اليميني، قد كسرت وهم الإجماع هذا. ويجب الاعتراف بأن هذه الحركات تريد إعادة انتاج الديمقراطية، لكن من خلال وضعها في إطار التقاليد القومية-العرقية التي لا تتوافق مع المُثل اليسارية.

يدافع اليسار عن السيادة الشعبية، لكن من أجل تعزيز المثل العليا للمساواة والعدالة الاجتماعية. إن استراتيجية اليسار يجب أن تأخذ على محمل الجد هذا الطلب على الديمقراطية لسلسلة كاملة من الفئات الاجتماعية، التي لا تقتصر على الفئات الشعبية، الذين يشعرون بأن لا صوت لهم. وللقيام بذلك، يجب على اليسار أن يتزود بمفرداتٍ تسمح بصياغة مطالب استعادة السيادة، لكن في إطار خطاب مغاير للشعبوية اليمينية ذات الطابع القومي-العرقي.

وباختصار، إذا أراد اليسار إعادة إنتاج الديمقراطية، فعليه أن يطوِّر شعبوية يسارية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما هي أوجه الاختلاف بين الشعبوية اليمينية والشعبوية اليسارية؟ إذ أن مارين لوبان تطالب أيضاً بالعدالة الاجتماعية...

نعم، ولكن فقط للمتحدرين من القومية الفرنسية. هنا يكمن الفرق الكبير! إن الفارق الجوهري بين الشعبوية اليسارية والشعبوية اليمينية يكمن في كيفية تشكيل الشعب؟ فالسكان هم فئة سوسيولوجية لكن على العكس تماماً، الشعب هو فئة تم تشكيلها، إنه فئة سياسية. الطريقة التي تشكل فيها مارين لوبان الشعب تختلف كثيراً عن الطريقة التي يشكل فيها جان لوك ميلانشون الشعب.

تعتبر كل أفكاري جزء من المنظور النظري الذي طورناه، أرنستو لاكلو وأنا، في كتاب «الهيمنة واستراتيجية اشتراكية» الذي صدر في عام 1985، والذي أثّر بشكل كبير في حزب «بوديموس» الإسباني. في هذه التجربة، انتقدنا ما سميناه المفهوم «الجوهراني» (essentialist)  للسياسة. لقد كتبنا هذا الكتاب لأن كلاً من اليسار الديمقراطي الاجتماعي واليسار التقليدي أبديا عجزاً في فهم خصوصية الحركات الاجتماعية الجديدة التي تطورت منذ أيار 1968.

تعتبر كل أفكاري جزء من المنظور النظري الذي طورناه أرنستو لاكلوو أنا في كتاب «الهيمنة واستراتيجية اشتراكية» الذي صدر في عام 1985، والذي أثّر بشكل كبير في حزب «بوديموس» الإسباني. في هذه التجربة، انتقدنا ما سميناه المفهوم «الجوهراني» للسياسة. لقد كتبنا هذا الكتاب لأن كلاً من اليسار الديمقراطي الاجتماعي واليسار الماركسي التقليدي أبديا عجزاً في فهم خصوصية الحركات الاجتماعية الجديدة التي تطورت منذ أيار 1968: النسوية على سبيل المثال، أو الحركة البيئية، ومكافحة العنصرية، والتمييز ضد المثليين. لماذا كان هناك حالة من القطيعة  بين هذه الحركات الجديدة واليسار التقليدي؟

خلال معالجتنا لهذه المرحلة، أدركنا أن هنالك مشكلة ذات طابع نظري: فلم يكن ممكناً تفسير هذه الصراعات الجديدة في حدود الصراع الطبقي وهو ما حال دون فهمها من قبل الماركسيين على وجه الخصوص.. ثمة أشكال متعددة لـ«الجوهرانية»(essentialism)  : تعتمد الماركسية على «جوهرانية طبقية»، حيث تعتمد الهويات السياسية على موقع الفاعل الاجتماعي في إطار علاقات الإنتاج التي تحدد وعيه.

وفقاً لما كتبناه أنا ولاكلو، لا يوجد هوية سياسية محددة مسبقاً، فال «نحن» في السياسة لا توجد قبل تشكلها. ال «نحن» في الاستراتيجية الشعبوية اليسارية ليست تمثيلاً لمصالح جماعية موجودة مسبقاً. توجد مطالب ديمقراطية متعلقة بالمصالح الاقتصادية، ولكن هنالك أيضاً سلسلة أخرى كاملة من المطالب الديمقراطية ليست ذات طابع اقتصادي. ومن المهم فدرلة مجموعة من المطالب المتنوعة والمتباينة، والتي يمكن أن تتصارع مع بعضها البعض، كي تخلق إرادة جمعية، كي تخلق «نحن».تكمن الصعوبة في خلق «نحن» تعترف بالاختلافات. إن تصور الشعب بالنسبة لليمين ولليسار متباين. الشعب بالنسبة لمارين لوبان ليس متجانساً، ولكنه وصلت تقوم بفدرلته من خلال خلق «نحن» تتعرف وتتحدد بالإختلاف مع ال «هم»، أي المهاجرين.

تتعرف وتتحدد ال«نحن» دائما بالعلاقة مع ال«هم». لكن ال «هم» ليست بالضرورة اللاجئين. من الممكن أن تكون ال”هم” أي شيء آخر، كقوى النيوليبرالية مثلاً. إن الفارق الجوهري بين شعبوية اليسار و شعبوية اليمين المتطرف يكمن في طبيعة ال «هم». بكل الأحوال، فإن ال «نحن» و ال «هم» لا تمثل أبداً المصالح الموجودة. فهمت حركة «بوديموس» ذلك جيداً، ولم توجه خطابها فقط إلى الذين يصوتون لليسار أو يعتبرون أنفسهم يساريين. تسعى الحركة أيضاً إلى إقناع الناخبين من الحزب الشعبي (حزب اليمين التقليدي)، تسعى لخلق إرادة جماعية، لخلق «نحن» ذات طابع عابر للفئات الإجتماعية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيغارو فوكس: هل من الممكن نقل تجربة «بوديموس» إلى فرنسا؟

في كلتا الحالتين، سوف يكون هنالك تطوير للشعبوية اليسارية، لكن الظروف مختلفة. حيث لا يوجد في إسبانيا حزب شعبوي يميني كالجبهة الوطنية، فلم يجد بوديموس نفسه بمواجهة حركة شعبوية أخرى. ولدى بوديموس ميزة عن جان لوك ميلانشون الذي يجب عليه أن يواجه حزب مارين لوبان، فبمجرد نشوء حركة شعبوية يمينية، يغدو من الصعب التنافس معها. ورغم ذلك، يجب أن يكون ذلك واحد من أهداف اليسار.

إنني أختلف بشدة مع أولئك الذين يعتبرون بأن ناخبي «الجبهة الوطنية» مغيبون وضائعون لأنهم «عنصريون» أو يميزون على أساس الجنس. إذ يجب على المرء أن يتساءل لماذا يشعر هؤلاء الناخبون بالانتماء إلى «الجبهة الوطنية»؟ من وجهة نظري، فإن تخلي الديمقراطية الاجتماعية عن الطبقات الشعبية يفسر نجاح الشعبوية اليمينية. حيث خضع الاشتراكيون الديمقراطيون للأطروحة القائلة  بعدم وجود بديل عن المجتمع النيوليبرالي. إذا لم يكن هنالك بديلاً، فذلك يعني أن القرارات ذات الطبيعة السياسية ليست سياسية حقاً، بل تقنية، ويجب حلها من قبل التكنوقراط الذين يقومون بتظيم الوضع القائم (الستاتيكو)، وهذا ما أسميه مرحلة ما بعد السياسة.

وعلاوة على ذلك، فإنْ وافق المرء على فكرة عدم وجود بديل للعولمة النيوليبرالية، لا يمكن له أن يصنع خطاباً موجهاً إلى أولئك المتضررين من هذه العولمة. هذا ما حدث في معظم الدول الأوروبية، وهو ما يفسر الفجوة بين المستفيدين والمتضررين من العولمة. وهذا أيضاً ما خلق أرضية خصبة جداً للشعبوية اليمينية التي تدعي تقديم البديل، وإعطاء الصوت للشعب. وهكذا، تمكنت الشعبوية اليمينية من القبض على عدد من المطالب التي هي في الأساس ديمقراطية من وجهة نظري. يجب علينا أن ندرك أهمية هذه المطالب. لقد هالني أن أرى جهود بعض المثقفين في فرنسا لمحاولة إثبات أن مارين لوبان «فاشية» أو «مناهضة للجمهورية»، إنني لا أتفق مع هذا النوع من المفردات، لأنه وسيلة لتجنب فهم ماهية الجديد الكامن خلف هذا النوع من الحركات. فمن الأسهل على الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية أن تندد بما تدّعي أنهلعودة إلى الثلاثينيات أو أن تندد بالعنصرية المتأصلة للفئات الشعبية، من أن تراجع نفسها. من المهم لليسار أن يجري تحليلاً حقيقياً لنجاح الشعبوية اليمينية، دون الوقوع في إدانة أخلاقية عقيمة وذات نتائج عكسية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيغارو فوكس: كنتِ واحدة من الممثلين الرئيسيين لتيار «ما بعد الماركسية». هل هذا يعني أنكم لا تؤمنون بالصراع الطبقي؟ وبالمناسبة، هل تقترحون أيضاً التخلي عن الطبقات الشعبية لصالح الأقليات، مثل تيرا نوفا (مركز البحث التابع للحزب الاشتراكي الديمقراطي لفرنسي)؟

هذا تفسير مغرض لكتاب «الهيمنة واستراتيجية الاشتراكية»، فالصراع الطبقي موجود، لكن لا يمكننا أن نرجع كل شيء إليه. نحن لا نشك بوجود تناقضات مرتبطة بالاقتصاد وعلاقات الإنتاج. فما نشك به مع لاكلو هو فلسفة التاريخ، وميتافيزيقيا التقدم الماركسية والامتياز الأنطولوجي للطبقة العاملة.

نحن ننتقد أيضاً الفكرة القائلة بأن تكون ذاتية معينة مرتبط بظروف العمل. فمن هذا المنظور الماركسي، يجب أن يكون لدى العامل بالضرورة وعياً اشتراكياً، وإذا لم يكن، فإن وعيه زائف. وفي كتابه «لماذا يصوت الفقراء على الحق؟»، أظهر توماس فرانك أن هذه النظرية الأساسية لم تعكس الواقع الأكثر تعقيداً.

وفي كتاب «الهيمنة واستراتيجية الاشتراكية»، قمنا أيضاً بتطوير الفكرة القائلة بأن المشروع الاشتراكي لا يمكن أن يكتفي بالدفاع عن مصالح الطبقة العاملة فقط. فإلى جانب المطلب المشروع بالعدالة الاجتماعية، هنالك سلسلة كاملة من المطالب الديمقراطية الأخرى المرتبطة بتناقضات لا تقع في إطار الاقتصاد: مكافحة العنصرية والتمييز على أساس الجنس على وجه الخصوص. من الضروري تربيط هذه المطالب مع بعضها البعض. ولهذا السبب، نقترح إعادة صياغة المُثُل الاشتراكية لتتمحور حول تجذير الديمقراطية. يجب أن تمتد المثل الديمقراطية لتشمل مجموعة كاملة من المجالات التي لم يجري اعتبارها سابقاً بأنها سياسية. ومع ذلك، فإن ذلك لم يكن أبداً تخلياً عن الطبقات الشعبية، أو مقايضة المسائل الإحتماعية العميقة (social) (ملاحظة من المترجم: الملكية، التوزيع، الموقع الطبقي..إلخ) بالمسائل الاجتماعية اليومية (societal) (ملاحظة من المترجم: العنصرية، الحريات الفردية، التمييز على أساس الجنس.. إلخ)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيغارو فوكس: ألا يؤدي تكاثر المطالب المُحدَدة إلى حرب الجميع ضد الجميع واستبداد الأقليات؟ فمن خلال «بوركا أو بوركيني»، يحاول الإسلام السياسي فرض رؤيته الشمولية باسم الحريات الفردية...

لقد دخلنا في منطق ليبرالي يتمثل في مضاعفة الحقوق الفردية الأمر الذي يؤدي إلى التنافس باسم الوجود في موقع الضحية. سوف يكون هنالك دائماً أقلية تشعر بأنها ليست ممثلة، حيث يجب أن يكون للاعتبارات المتعلقة بالمطالب حدوداً، فليست كل المطالب مشروعة. ومن الضروري أن يكون هنالك أساس للتوافق بالآراء، والذي يجب أن يقوم على القيم الأخلاقية السياسية للديمقراطية التعددية: الحرية والمساواة للجميع. أولئك الذين لا يقبلون هذه القيم ليسوا معارضين، بل أعداء.

يجب استبعاد أشكال معينة من الإسلام السياسي من النقاش الديمقراطي. ومع ذلك، ثمة حاجة إلى اعتماد البراغماتية، فأحياناً يكون من الأفضل للديمقراطية قبول فئات معينة داخل اللعبة السياسية. إذ أن استبعادهم من يعني المخاطرة بدفعهم للعمل سراً أو انتهاج العنف. لكن في بعض الأحيان، يجب أن يتم ذلك. فأي حزب نازي جديد، ك«الفجر الذهبي» في اليونان، كان ينبغي حظره. ومع ذلك، لا أعتقد أن «الجبهة الوطنية» تمثل تهديداً لوجود المؤسسات الأساسية للديمقراطية، فأولئك الذين يجادلون بأن «الجبهة الوطنية» ليست حزباً جمهورياً غير مقنعين، فإن كان الحال كذلك، يجب أن يتم حظرها. لا تتفق «الجبهة الوطنية» مع تفسيري لقيم الحرية والمساواة للجميع، ومع ذلك، فإن لرؤيتها مكان في السجال الجدلي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيغارو فوكس: لقد أظهرت حركة كـ«الوقوف ليلاً» حدود محاولات التقريب بين المجموعات التي تناضل في مجالات متعددة

شعوري اتجاه حركة «الوقوف ليلاً» مختلط. لقد ألهمتني الحركة بالتعاطف. ومن دواعي الترحيب دائماً أن يتحرك على الصعيد السياسي جزء من الشباب الساخط. ومع ذلك، ومنذ البداية، لم أكن مقتنعة تماماً بالطابع الأفقي للحركة. كان فرانسوا روفين مدركاً جداً لأهمية إقامة تقاطعات مع النقابات أو الأحزاب السياسية، لكن صوته لم يكن مسموعاً من قبل القاعدة.

ومن وجهة النظر هذه، فإن تجربة «بوديموس» مثيرة جداً للاهتمام. فكما يوضح آنجيو إريخون في كتابنا، لم يكن «بوديموس» حزب “المستائين” (اسم الحركة الاجتماعية الاحتجاجية التي تشكلت في اسبانيا عام ٢٠١١) . فقد كان “المستائين”، مثلهم مثل حركة «الوقوف ليلاً»، غارقون في فانتازيا الديمقراطية الأفقية بشكل كامل، رافضين جميع أنواع العلاقات مع المؤسسات. وهذا أيضاً ما حدث مع «احتلوا وول ستريت» التي غرقت في غياهب النسيان. وبعد قيام “المستائين”، حصل اليمين على الأغلبية المطلقة في البرلمان الإسباني. بعد ذلك بالضبط جرى إنشاء حركة «بوديموس». وكان أعضاء «بوديموس» قد شاركوا في حركة مناهضة التقشف مع الحفاظ على مسافة معينة منها، وقرروا إعطاءها ترجمة مؤسساتية وسياسية، وقد فهموا الحاجة إلى استهداف تغيير المؤسسات، وإنشاء آلية للحرب الانتخابية. وهذا ما لم تفهمه حركة «الوقوف ليلاً» التي أعادت نسخ أخطاء «احتلوا وول ستريت» وحركة “ المستائين”. يجب أن تسعى الشعبوية اليسارية إلى إقامة تعاضد بين الحركة الأفقية والتنظيم العمودي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيغارو فوكس: أنت تؤكدين على أهمية القائد الذي يتمتع بالكاريزما...

الترابط بين النضالات المتعددة لا يعني التقارب. لا تتلاقى كل النضالات بشكل طبيعي. الترابط يتطلب تحولاً. فالنضالات النسوية، على سبيل المثال، يجب أن تأخذ بالاعتبار نضالات العمال. وبقدر ما يكون الناس غير متجانسين، تزداد الحاجة إلى مبدأ تربيطي قادر على فدرلتهم. وفي معظم الحالات، يلعب شخص القائد دوراً مهماً على هذا الصعيد. إذ يسمح ببلورة الـ«نحن» حول مؤثرات عاطفية مشتركة كما يسمح بالتعريف بالذات عبر معنى مهيمن. وفي بعض الحالات المحددة، قد يكون الكفاح الملموس كافياً كما كان الحال على سبيل المثال بالنسبة لحركة «سوليدارنوس» في بولندا حيث تجاوزت الحركة شخص قائدها ليش والاسا. لكن في معظم الحركات السياسية المهمة كان للقائد عاملاً حاسماً. والقائد الكاريزمي لا يعني بالضرورة الزعيم المستبد. وفي حالة بابلو إغليسياس (حركة بوديموس)، فإن قيادته لم تتعارض مع الديمقراطية الداخلية المهمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيغارو فوكس: أنت تنتقدين «القومية العرقية» عند مارين لوبان. هل مفهومي اليسار والأمة غير متوافقين؟

أنا أدافع عن الفكرة الوطنية اليسارية، لأنني أعتقد أن هنالك استثماراً كبيرا في الهوية الوطنية، ويجب أن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار. كما أنه من الخطأ شيطنة الأمة، وجعلها أداة فاشية. وكثيراً ما قمتُ بانتقاد هابرماس، بسبب دعوته للتخلي عن الهوية الوطنية لمصلحة هوية أوروبية ما بعد قومية، واعتقدت دائماً أن ذلك مستحيل، لأن الهوية الوطنية أمر مهم للغاية بالنسبة للشعب. إن خطأ جزء كامل من اليسار هو الاعتقاد بأن التعلق بالأمة يؤدي بالضرورة إلى أشكال سلبية من القومية. وعلى العكس من ذلك، أعتقد أن هذا الجانب يمكن استخدامه بأشكال تقدمية.

إن القومية الاسكتلندية، على سبيل المثال، هي بالعمق قومية يسارية وليس المقصود منها أن تستبعد أحد، بل أن تخلق «نحن» شاملة حول الهوية الاسكتلندية. وفي هذه الحالة، كان من الواضح جداً أن «هم» كانت تعني الإنكليز. لم يكن أبداً الحزب المحافظ أغلبية في اسكتلندا، لكن الاسكتلنديون اضطروا لقبول سياسة محافظة بسبب عضويتهم في المملكة المتحدة. إن الطريقة التي يتطرق فيها ميلانشون إلى الأمة هي طريقة جامعة إنها تمثل وطنية يسارية أصيلة. فمن الضروري أخذ المؤثرات العاطفية في السياسة بعين الاعتبار.

جهل التأثير العاطفي هو أحد العيوب الكبيرة لدى اليسار، بالإضافة لكونها أحد أسباب عدم فهمه  لنجاح الشعبوية اليمينية. وعلى النقيض من اليمين، اليسار عقلاني جداً، ويرفض استخدام المؤثرات العاطفية الجماعية، أو ما أسميه «الشغف». لا بد من الاعتراف بأن البشر ليسوا مخلوقات عاقلة فقط، بل مخلوقات شغوفة أيضاً. في السياسة، ثمة بعد عاطفي قوي جداً، لأن المؤثرات العاطفية الجماعية لها دور مركزي في خلق الـ«نحن». وهذا ما يفسر أهمية القائد القادر على تحريض المشاعر.

 

آخر تعديل على السبت, 15 نيسان/أبريل 2017 17:41