لملموا أوهامكم وانصرفوا..!

الفيتو المزدوج- الروسي الصيني- الأخير، قدم مرة أخرى رسالة مشتركةً وقويةً مفادها حرص القوى الصاعدة دولياً على إنقاذ مؤتمر جنيف الخاص بحل الأزمة السورية، وإبعادها عن مساعِ القوى المهزومة واليائسة، دولياً وإقليمياً ومحلياً، الهادفة إلى العرقلة والمماطلة والتسويف، وربما الواهمة بإمكانية نسف الجهود الدولية برمتها بهذا المجال، على ضوء المتغيرات بالإدارة الأمريكية الجديدة.

 

وبهذا المعنى يخرج حيز الفيتو المذكور عن كونه منقذاً لمؤتمر جنيف فقط، ليصل إلى أبعد وأعمق من ذلك في تثبيت ما هو ثابت، عبر استثمار الفرصة المناسبة مرةً أخرى من قبل القوى الصاعدة، ممثلة بروسيا والصين، في توجيه رسالة إلى كل القوى الآفلة والمكابرة؛ أن التوازن الدولي الجديد أصبح أكثر قوةً وصلابةً، وبأن القوى الحية الصاعدة أصبحت أكثر فعلاً وانسجاماً وتماسكاً وتحالفاً وثباتاً، وبأن الرهانات والأوهام المرتبطة بالتغيير الشكلي للإدارة الأمريكية الجديدة لا يمكنها أن تحمل معها أي جديد، أو تغيير على مستوى هذا الثبات، أو على مستوى التوازنٍ الدولي الناشئ، وليصيب تلك الأوهام وحامليها في مقتل، خاصة بعد كل الحملات الدعائية والترويجية والإعلامية عن أن انتهاء مرحلة أوباما والبدء بمرحلة أخرى ستحمل معها مفاتيح الحل للأزمات المستعصية التي يعانون منها.

الأوراق المحروقة مجدداً

هي بهذا المعنى، رسالة عميقة مفادها أن مخرجات الإدارة الأمريكية، أو النظام الدولي الذي ارتبط باسمها عبر عقود خلت، قد ذهبت إلى غير رجعة، ناهيك عمّا ستحمله الأيام والسنون القادمة من تداعيات سلبية جديدة، ستدفع ضريبتها القوى المكابرة والمستكبرة نفسها، مع أتباعها وملحقاتها والدائرين بفلكها، على الرغم من كل إجراءاتها الانكفائية المفروضة عليها، بحكم أزمتها البنيوية العميقة، وبحكم الدور الصاعد والقوي للقوى الحية الشعبية والدولية الناهضة.

ولعل من الدلائل الواضحة على مستوى استنفاذ الإمكانات بالواقع العملي هو: المشروع المقدم إلى مجلس الأمن نفسه، حيث لم يعد بإمكان هذه القوى إلا أن تعيد استخدام أوراقها المحروقة، في محاولة إنعاش ما هو ميت، حيث سبق وأن عرضت مسودة المشروع نفسه على مجلس الأمن نهاية العام المنصرم، وسبق أن أبدت روسيا اعتراضها وعدم موافقتها عليه، مما أدى إلى سحبه من التداول في حينه، وقد ظنت هذه الدول أن بإمكانها تمريره، حتى دون أي تعديل، على ضوء المتغيرات الموهومة بالإدارة الأمريكية الجديدة، ما جعلها تصطدم ليس بالجدار الروسي فقط، بل وبالجدار الصيني كذلك الأمر، ليتضح، وعلى مرأى العالم، أن هذا التعويل كان في غير مكانه وأن زمانه قد مضى.

أحلام المكلومين تتهاوى

ومن المؤشرات العملية والمباشرة أيضاً، هو الزخم المنعكس على مباحثات جنيف، بدليل استمرار جولة المفاوضات بشكل ايجابي، والاتفاق على استئنافها خلال الأيام القليلة القادمة، والأكثر من ذلك هو الاتفاق على عقد لقاء جديد في آستانا، مع ما يحمله ذلك من مواكبة لصيقة تصب إيجاباً باتجاه استكمال الحل، وإنهاء الأزمة السورية، والأهم من ذلك هو أن ما جرى ويجري كله، وما يتم تحقيقه من نجاحات على هذا المستوى، يتم بمعزل وبغياب تام للإدارة الأمريكية ودورها المعهود سابقاً.

مرةً جديدةً، والأخيرة ربما بهذا الحجم، تتهاوى أحلام وأوهام وتطلعات حلف قوى المهزومين والمأزومين دولياً وإقليمياً ومحلياً، ولعل الأكثر إحباطاً ومرارةً هم الأطراف والأتباع من مرتزقة المال والسلاح ومتسلقي الإعلام والسياسة، الذين اعتادوا لملمة فتات وفضلات سياسات هذه القوى المهزومة ليعتاشوا عليها.

 

تمت قرائته 6331 مرة