الشيطان الروسي والأقزام الطيبون!

الشيطان الروسي والأقزام الطيبون!

يحكى أنّ بلداً همجياً تحكمه مافيات السلاح والغاز، قد ارتكب مجزرة كبرى في مدينة صغيرة مسالمة، من بلدٍ صغيرٍ وبعيد. ولمّا سمع الأقزام النبأ، تداعوا لفعل شيء ضد الوحش الرهيب، فاستدعوا سفراءه، وأطفأوا إضاءة أبراجهم علامة حزن وتضامن وحداد، وهددوا وتوعدوا، بل وأطلقوا العنان لعويل صاخب وعلني. لكن حجمهم الصغير، وعدم قبولهم باستخدام الوسائل السيئة التي يستخدمها، لم يسمح لهم بمواجهة المارد الضخم، فلجأوا إلى حيلة ذكية...

هل أصبنا القارئ بالملل؟ نأسف لذلك. لكن ما سبق ليس أكثر من مقاربة جزئية لحكايات الأطفال، التي نسمعها يومياً تحت مسمى «نشرات أخبار»، لا على لسان الإعلاميين فقط، بل وعلى ألسنة الساسة الغربيين أيضاً، كبارهم وصغارهم: هنالك شيطان اسمه روسيا قد ارتكب مجزرة يندى لها جبين الإنسانية في مدينة حلب السورية.

لا يخفى على المتابع الحصيف، أنّ مواقف روسيا من الأزمة السورية لم تتغير منذ اليوم الأول، وهي مواقف أساسها الشرعية الدولية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ولا يخفى عليه أيضاً، أن الدخول العسكري الروسي منذ الشهر التاسع من العام الماضي وحتى اللحظة، اشتغل على تحقيق هدفين متلازمين ومتوازيين، هما محاربة الإرهاب، وإطلاق عملية الحل السياسي، وأنّ تحقيق الهدفين قد تقدم خطوات كبرى منذ ذلك الوقت وحتى الآن. ولعل نقاط العلام الكبرى في هذا التقدم هي: القرار 2254، تدمر، حلب، ومن ثم تهافت واشنطن وحلفاؤها طلباً للهدنة، وللحل السياسي، الذي طالما أعاقوه وعرقلوه، التوافق الثلاثي (الروسي- التركي- الإيراني)، ووقف إطلاق النار، والتحضير لأستانا، تمهيداً لتنفيذ 2254. بمقابل ذلك فإنّ المواقف الغربية انتقلت من النقيض إلى النقيض، وخفتت حيناً وتصاعدت أحياناً، ولكنها في محصلتها قادتهم وتقودهم نحو الطرح الروسي في حل الأزمة.

إنّ العويل المرتفع الذي رافق معركة حلب، لم يكن إلا رأس جبل الجليد! وذلك ما أثبتته الأيام القليلة التالية للمعركة، وخاصة بعد الاتفاق الثلاثي، ذلك أنّ خسارة واشنطن وحلفائها لمدينة حلب حملت معانٍ كثيرة:

أولاً: خسارة حلب، هي عنوان فشل وانحسار مختلف مخططات تقسيم سورية إلى غير رجعة. وهي عنوان استعادة سورية لوحدتها التي حاولوا هزها طوال السنوات الماضية.

ثانياً: إنّ حلب ليست عنواناً سورياً، بل هي عنوان لانهيار مخططات الفوضى الخلاقة على المستوى الإقليمي، ولعل اشتراك «إسرائيل» في النحيب الغربي الجماعي، أحد مؤشرات ذلك، فالصهيوني اعتاد ألا يتدخل بشكل إعلامي مباشر، ذلك أنّه لاعب دائم خلف الستار، ولكن المخططات وقد تلقت ضربة قاصمة، تستوجب من أهل الفقيد تلقي العزاء وإهدار الدموع.

ثالثاً: حلب رأس جبل جليد، تمتد قاعدته عميقاً في جذور النظام العالمي بأسره! فخسارة حلب وما رافقها وحفزها من اتفاقات روسية- تركية، وما تلاها من اتفاق ثلاثي، حيّد واشنطن ومعها السعوديين والقطريين، وفاقم خيبة أمل الأقزام الأوربيين العاجزين عن الإتيان بغير النواح، تعني نقطة في آخر سطر العالم القديم المتداعي، العالم الذي بدأ احتضاره بمجرد ولادته عام 1991، وقد بدأت الآن مراسم تكفينه لإكرامه دفناً!

رابعاً: فيما يتعلق بسورية نفسها، فإنّ انتصار الشعب السوري في حلب، ليس إلا فاتحة لانتصاره الأكبر: الحل السياسي، بما يعنيه ذلك من فتح باب التغيير الجذري الشامل المستحق منذ سنوات طويلة، وبما يعنيه من إطلاق أصوات الناس المخنوقة بسلاح وعنف المتشددين من الأطراف المختلفة، والذين يتنفسون من رئة الحرب، ولم يعد لديهم من متنفسٍ سواها.

إنّ الندب واللطم على حلب، قد اختفى الآن من وسائل الإعلام. وهو لم يكن أساساً، إلا تكثيفاً لعملية لطم دولي بأوركسترا غربية...

المفارقة أيضاً، هي: أنّه وبعد أسابيع قليلة من حلب، بات «الشيطان الروسي» واتفاقاته، موضع ترحيب دولي واسع! يكفي أن نلقي نظرة على التصريحات «الأممية»، والأمريكية والأوروبية المرحبة بالاتفاق. لا ضير أيضاً، لمن لديه فائض وقت، من النظر في تصريحات معارضة الرياض والدائرين في فلكها، والذين يتعلل بعضهم – لبؤسه منقطع النظير- بأنّ واشنطن «مطّلعة» على الاتفاق، موحياً بأنّه لا يمكن أن يمر دون إشرافها ومباركتها!

الجديد في المسألة، والذي سيمر وقت على «الأقزام الطيبين» قبل أن يستوعبوه، هو: أنّ احتمال حل الأزمة السورية دون واشنطن، بات احتمالاً أكثر جدية من أي وقت مضى، وأنّ الاتفاق الثلاثي يحمل فرص نجاح عالية بالضبط لأنّ واشنطن ليست جزءاً منه.