خطر المديونية الأمريكية وأثرها الاقتصادي- الاجتماعي على الاقتصاد والمجتمع الرأسمالي الأمريكي
د.نجم الدليمي د.نجم الدليمي

خطر المديونية الأمريكية وأثرها الاقتصادي- الاجتماعي على الاقتصاد والمجتمع الرأسمالي الأمريكي

الجزء الاول

 مقدمة

 

المحور الأول: المخاطر التي تواجه الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي

 المحور الثاني: دولة عظمى: اقتصاد متناقض ودولة استهلاكية

 المحور الثالث: أسباب تعاظم المديونية الأمريكية

 المحور الرابع: بعض أهم نتائج المديونية الأمريكية

 الخلاصة:

 أ‌- الاستنتاجات

 ب‌- بعض المعالجات

 مقدمة

 تشكل المديونية سواء كانت مديونية داخلية أو مديونية خارجية مشكلة وظاهرة سلبية على النظام السياسي والاقتصادي– الاجتماعي الحاكم، وهي تعكس وجود الخلل الكبير وعدم نضج ونجاح السياسة الاقتصادية للدولة، وتلعب العوامل الداخلية والخارجية مجتمعةً دوراً رئيساً في تنامي هذه المديونية.

 إن المفارقة، في النظام الرأسمالي العالمي بشكل عام والنظام الرأسمالي الأمريكي بشكل خاص هو أن أميركا دولة عظمى ويعدُ اقتصادها أحد أكبر وأقوى اقتصاديات العالم، وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعد أكبر وأول دولة مدينة في العالم؟!

 تطرح تسأولات مشروعة حول هذه المشكلة وأخطارها الداخلية والخارجية وهي: هل أن تنامي المديونية الأميركية سببها الرئيس هو نقص في السيولة النقدية أو قلة الموارد؟ أم هناك سوء في استخدام الموارد المادية والبشرية؟ أم هناك خلل في البنية الاقتصادية- الاجتماعية للنظام الرأسمالي الأمريكي القائم؟ أم تعكس تفاقم واشتداد الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها الاقتصاد والمجتمع الأمريكي؟ أم تعود أزمة المديونية إلى الخلل الحاصل بين القطاعات الإنتاجية والخدمية واستمرار هذا الخلل لصالح قطاع الخدمات؟ أم يكمن الخلل في النظام التسليفي المالي وتنامي الرأسمال المضارب الوهمي والطفيلي في الاقتصاد والمجتمع؟ أم يعود السبب إلى تسهيل عملية إقراض المواطنين الأمريكيين من قبل المؤسسات المالية العامة والخاصة، سواء فيما يتعلق بشراء العقارات والسلع المعمرة...؟

 

فأين يكمن الخلل الحقيقي؟

 لقد تناولت الدراسة  هذه المشكلة المعقدة والمتناقضة في شكلها ومضمونها بأربع محاور رئيسة، وهي: المحور الأول، تم التطرق إلى المخاطر التي تواجه الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي اليوم وأهم الأسباب المؤدية إلى ظهور هذه المخاطر، كما تناولنا في المحور الثاني تناقضات الاقتصاد الرأسمالي، الأمريكي وأسباب ذلك، وكيف تحولت أمريكا من دولة منتجيه إلى دولة استهلاكية- خدمية وبامتياز، وفي المحور الثالث تم تحديد الأسباب الرئيسة التي ساعدت على ظهور وتنامي المديونية الأمريكية وأثر ذلك على الاقتصاد والمجتمع الأمريكي، وفي المحور الرابع حددنا أهم النتائج الاقتصادية والاجتماعية للمديونية وأثرها على الصعيدين الداخلي والخارجي، وتم طرح الاستنتاجات والمقترحات لهذه المشكلة الخطيرة والمتفاقمة لهذه «الحفرة» الخطيرة، ألا وهي خطر المديونية الأمريكية.

 

 المحور الأول

 المخاطر الرئيسية التي تواجه الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي

 منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي بدأ الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي يواجه مشاكل اقتصادية واجتماعية جدية، رئيسية متفاقمة ومتناقضة، ويعود السبب الرئيس إلى النهج السياسي والاقتصادي- الاجتماعي للنظام الامبريالي الأمريكي والذي اتصف باللاعقلانية والتطرف، ألا وهو نهج النيوليبرالية المتوحش والخطير الذي وكما أكد ((ممثلو مدرسة شيكاغو.. الصورة الدقيقة لليبرالي الذي لا يعرف الرحمة ولا يكن العطف للضعفاء))1.

 لقد تعزز هذا النهج الخطير منذ حكم الرئيس الأمريكي السابق ريغان ولغاية اليوم، وأدخل الاقتصاد والمجتمع الأمريكي في مأزق من الأزمات المالية والاقتصادية- الاجتماعية، بدليل (أن الأزمة المالية، التي اندلعت في الولايات المتحدة الاميركية في ربيع العام 2007 تحولت إلى خطر يهدد الاقتصاد العالمي برمته)2.

 لقد تعزز النهج الليبرالي المتوحش في نزعته، منذ عام 1991، وظهور نزعة التفرد ومحاولة هيمنة القطب الواحد سياسياً واقتصادياً على العالم وقد ترك آثاراً سلبيةعلى جميع الميادين وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي.

 إن قوة أي بلد تكمن بالدرجة الأولى في قوته الاقتصادية والتي بدورها تخلق وتنمي وتطور القوة الاجتماعية والعسكرية، وفي حالة ظهور بوادر سلبية وخطيرة في الميدان الاقتصادي واستمرار هذه  البوادر الخطيرة وتركها من دون معالجة جدية وجذرية، فإن هذا البلد ليس له مستقبل، فمصيره التفتت والاختفاء من الخارطة السياسية، كما حدث لكثر من الإمبراطوريات العدوانية في التاريخ.

 

إن من أهم التناقضات الاقتصادية والاجتماعية التي يحملها النهج النيوليبرالي المتطرف هو تعمق التفاوت الاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمع الطبقي، فعلى سبيل المثال، (ففي مطلع الثمانينات كانت النسبة القائمة بين دخل الفرد الواحد من رؤساء  الشركات الأمريكية ودخل العامل العادي نحو أربعين إلى واحد في المتوسط، وفي نهاية التسعينات كانت هذه النسبة قد بلغت أربعمائة إلى واحد، أي أن دخل رئيس الشركة كان أعلى من دخل العامل العادي مقدار يبلغ 400 مرة، وازداد التفاوت وخصوصاً في الوقت الراهن، فدخل رؤساء الشركات صار أعلى من دخل المستخدم العادي بأربعة آلاف مرة، وأن 2.7 مليار من سكان المعمورة مجبرون على العيش بأقل من دولار اميركي واحد في اليوم).3

 

إن الليبرالية والنيوليبرالية، تمثل إيديولوجية اقتصاد السوق الرأسمالي، والتي أفرزت  نتائج اقتصادية واجتماعية خطيرة، وإن الهدف الرئيس لهذه الإيديولوجية هو إبعاد دور ومكانة الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والعمل على تعزيز دور ومكانة القطاع الخاص الرأسمالي في الميدان الاقتصادي والاجتماعي بهدف بناء الرأسمالية كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي، بدليل ان هذا النهج المتطرف قد بين وبوضوح (الفشل الذي أصاب الليبرالية في الغرب)، بينما (كان الاتحاد السوفيتي- في الثلاثينات من القرن المنصرم- يتطور بخطى حثيثة، ولاسيما على صعيد التصنيع. وبدأ اقتصاده المخطط مركزياً من الدولة منيعاً عصياً على الأزمات التي عصفت بالأمم الرأسمالية)4.

 

إن من أهم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تواجه الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي وخاصة في مرحلته المتقدمة الامبريالية هي الآتي:

 1- تباطئ مستمر في معدل النمو الاقتصادي للاقتصاد الأمريكي، يرافق ذلك تراجع في معدل نمو إنتاجية العمل.

 2- تراجع دور ومكانه الاقتصاد الإنتاجي (القطاع الصناعي، القطاع الزراعي...) لصالح دور ومكانة قطاع الخدمات، أي هيمنة قطاع الخدمات ودوره الرئيس في خلق وتكوين الإنتاج المحلي الاجمالي الاميركي، وهذه أخطر مشكلة اقتصادية تواجه الاقتصاد والمجتمع الأميركي اليوم.

 3- تنامي مستمر ومتصاعد للعجوزات الماليه سواء في الميزانية الحكومية أو في الميزان التجاري أو في ميزان المدفوعات، وتعكس هذه العجوزات الفشل الكبير في السياسة الاقتصادية للاقتصاد الأمريكي.

 4- تعمق مستمر للتفاوت الاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمع الرأسمالي الأمريكي لصالح الطغمة المالية الحاكمة، وهذه المشكلة نابعة من طبيعة وهدف النظام الرأسمالي الأمريكي وليست وليدة الصدفة أو الخطأ.

 5- تنامي مستمر لمعدل المديونية سواء كانت مديونية داخلية أو خارجية، وهذه قد تكون مفارقة غريبة يجدها القارئ وهي أن  أغنى دولة في العالم هي نفسها أكبر دولة مدينة في عالمنا المعاصر، ويعود السبب الرئيس إلى الإنفاق الكبير الذي لا يتلائم والإمكانيات المادية الحقيقية للولايات المتحدة.

 6- تنامي معدلات البطالة والجريمة والعنف، وانتشار ظاهرة تعاطي الكحول والمخدرات وبشكل مفرط في المجتمع الرأسمالي الأمريكي بشكل عام، وبين أوساط الشباب بشكل خاص، بدليل أن عدد سكان الولايات المتحدة يشكل 5% من مجموع سكان العالم، في حين يستهلك المجتمع الأمريكي 50% من إنتاج الكوكايين العالمي، و23 مليون مواطن أمريكي يتعاطون المخدرات، وأن طالباً واحداً من كل طالبين يدخن الماريجوانا، ونصف مليون يتعاطون الهيروين.. وأن التكلفة الاجتماعية- الاقتصادية للإسراف في تعاطي المخدرات في الولايات المتحدة بلغت 60 مليار دولار لعام 1991 وهذا يساوي 6 أضعاف ما كانت عليه في عام 51984. فكم هي التكلفة الاجتماعية- الاقتصادية لعام 2013 لهذه الآفة الخطيرة التي تنخر في جسم المجتمع والاقتصاد الرأسمالي الأمريكي؟!

 7- تنامي ظاهرة الأمية في المجتمع الأمريكي، سنوياً يترك المدارس الثانوية ما بين 600- 700 ألف طالب، وهذا يشكل خمس مجموع الطلبة في المرحلة الثانوية، ويتراوح عدد الأميين وحسب مختلف التقديرات ما بين 23- 84 مليون أمي، وهناك تقدير آخر يؤكد على وجود 70 مليون أمي، ولا يستطيع 25 مليوناً من البالغين القراءة وبشكل جيد ليفهموا تحذيراً على زجاجة الدواء، وكما يوجد 22 مليوناً من البالغين غير قادرين على عنونة رسالة بشكل دقيق، وأن 40% من المتعلمين لا يجيدون القراءة.

 أما فيما يتعلق بمستوى الجريمة داخل المجتمع الرأسمالي الأمريكي، فالولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى عالمياً في الجريمة وتعاطي المخدرات، والمجتمع الأمريكي«الديمقراطي» مدجج بالسلاح فالأمريكيون يملكون 60 مليون مسدس و120 مليون بندقية، وهنالك تقديرات أخرى تؤكد على وجود أكثر من 250 مليون قطعة سلاح لدى المجتمع المدني الأمريكي، وبسبب ذلك تفقد أمريكا سنوياً 19 ألف قتيل وتبلغ معدلات القتل ما بين 4-5 أضعاف مثيلاتها في أوربا الغربية، وتبلغ معدلات الاغتصاب 7 أضعاف معدلاتها في أوربا وتبلغ عمليات السرقة بالقوة ما بين 4-10 أضعاف ما يحدث في أوربا، وتحدث 6 جرائم قتل يومياً، أي جريمة كل 4 ساعات، و8 جرائم اغتصاب يومياً، أي جريمة كل 3 ساعات6.

 8- تنامي معدلات الفقر والعوز في المجتمع الأمريكي، بدليل وجود 40 مليون مواطن أمريكي تحت خط الفقر، وتبلغ نسبة الفقر وسط الأطفال 22.4%، وأن 10% من الأمريكيين يملكون ثروة أكثر مما يملكه 80% من الشعب الأمريكي، وكما يوجد أكثر من 37 مليون مواطن أمريكي يفتقرون إلى التأمين الصحي، وتحتل أمريكا المركز الأول في العالم بالنسبة للأطفال القصر (أبناء المطلقين)، وأن خمس الأطفال الأمريكيين يعيشون في مستوى أدنى من حد الفقر، وهناك 12 مليون طفل لا يشملهم أي نوع من التأمين ضد المرض.

 9- استمرار وتعمق الأزمات المالية الاقتصادية والاجتماعية داخل الاقتصاد والمجتمع الأمريكي، وفشل النظام الرأسمالي الأمريكي في إيجاد الحلول الجذرية لهذه الأزمات، ويرافق ذلك هروب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية من الاقتصاد الأمريكي بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي الاجتماعي- السياسي، ناهيك عن قلة الأرباح والمخاطر المحدقه بالرأسمال.

 10- تنامي معدل الإنفاق العسكري الأمريكي وبشكل مفرط، إذ تجاوز 600 مليار دولار وهذا الإنفاق الخيالي قد فاق ما كان خلال فترة مايسمى بالحرب الباردة. والولايات المتحدة هي السبب الرئيسي في إشعال الحروب غير العادلة سواء كانت محلية أو إقليمية.. أوخارج حدود أمريكا، والهدف الرئيس منها هو الهيمنه والنهب والاستحواذ على ثروات الشعوب وخاصة موارد الطاقة (نفط وغاز..) تحت مبررات واهية، ومنها على سبيل المثال (الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب الدولي..)!! وكما تهدف أمريكا من هذه الحروب غير العادلة إلى العمل على تصريف جزء من الأزمة الخانقة للنظام الامبريالي الأمريكي ولو لفترة معينة، وهو أسلوب قذر يقتل الفقراء والمعدمين من شعوب بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وبالوقت نفسه تغتني الحيتان والديناصورات المالية، والأوليغارشية الحاكمة والمافيا العالمية. بعد عام 1991 تنامت الغطرسة والعنجهية الأمريكية المتوحشة اقتصادياً وعسكرياً على شعوب العالم بشكل عام، وعلى شعوب البلدان النامية بشكل خاص ودولهم الرافضة للنهيج الامبريالي الأمريكي واستخدم (المبدأ) الجاهلي القائل (من ليس معنا فهو ضدنا) بهدف تقويض الأنظمة المعادية لها والعمل على قيادة وإدارة العالم وفق منظورها ومصالحها الخاصة. فأين الديمقراطية التي تدعون إليها ليل نهار؟!

 11- التدهور المستمر لقيمة الدولار الأمريكي على الصعيدين المحلي والدولي، وخاصة مخاطر ذلك على الاقتصاد العالمي، باعتباره عملة احتياطية رئيسية. إن الولايات المتحدة فرضت عملتها هذه بالقوة على غالبية دول العالم وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وإن قرار الرئيس الأمريكي السابق نيكسون في عام 1971 إخراج الدولار من قاعدة الذهب (معيار الذهب) يعود إلى سببين رئيسيين، هما الإنفاق الاستثماري الكبير لدى الولايات المتحدة محلياً وخارجياً، ونزعتها العدوانية من أجل الهيمنة على قيادة العالم.

 لقد أتاح الخروج من قاعدة الذهب حرية الطبع وإصدار عملتها بلا ضوابط مالية واقتصادية محددة، وإن هذا الإصدار النقدي لا يستند إلى أي غطاء فعلي سواء كان ذهباً أو إنتاجاً مادياً، وكان الإصدار النقدي يتم على أساس نزعة التوسع والحاجة والرغبة الأمريكية اللامشروعة، بدليل أنه خلال الفترة 1950-1970 تم طبع الدولار بنسبة 55%، وخلال الفترة 1971-2000 تم طبع الدولار بأكثر من 200%. إن طبع وإصدار هذه الورقة الخضراء بهذا الشكل المنفلت والمرعب يشكل مصدراً حقيقياً لخطر التضخم النقدي ليس فقط على الصعيد الداخلي للولايات المتحدة بل على الصعيد العالمي، وهذا يعني من حيث الجوهر الاستحواذ المجاني على ثروات شعوب العالم لمصلحة الولايات المتحدة، وإن القيمة الحقيقية للدولار هي 3%، في حين أن 97% من الدولار لا قيمة فعلية لها لأنها غير مغطاة وفق المعايير الاقتصادية السليمة. إن فرض الدولار عالمياً جاء من خلال القوة العسكرية وشراء الطاقة (نفط،غاز..) والقرار السياسي لأمريكا، وقبوله من قبل (حلفاء- اصدقاء) أمريكا8.

 12-  ان التنامي المستمر لأسواق البورصات المالية سواء في دول المركز (المقصود البلدان الرأسمالية الصناعية المتطورة) أو بعض أهم دول الأطراف بات يشكل خطراً وإنذاراً  جدياً على الاقتصاد العالمي، وإن هذه الاسواق ما هي إلا أسواق للمضاربات المالية بهدف تعظيم الربح الصادر من الفراغ أو الهواء الطلق مثلاً، من خلال التصريحات السياسية والاقتصادية لكبار المسؤولين فأكثرها غير صادقة ومفتعلة أحياناً من أجل تحقيق هدف محدد سواء كان هدفاً سياسياً أو اقتصادياً أو هدفاً سياسياً واقتصادياً في آن واحد، وإن البورصات والأسواق المالية، ما هي إلا أداوت تخريبية مخطط لها ومحدد هدفها، والهدف الرئيس هو إضعاف ثم تخريب الاقتصاد الحقيقي على الصعيد العالمي، وهي تخلق اقتصاداً مضارباً وهمياً وطفيلياً على الصعيد الدولي لمصلحة الطغمة المالية الحاكمة في الغرب الامبريالي بشكل عام وفي الولايات المتحدة بشكل خاص وحلفائهم في بعض أهم دول الأطراف، بدليل أنه في عام 2000، بلغ حجم الناتج الإجمالي للعالم نحو 40 تريليون دولار، في حين أن كمية النقد المتداول في البورصات والأسواق المالية المضاربة بلغ 300 تريليون دولار، أي أن كمية النقد المعروض في التداول أكثر من قيمة السلع المادية بأكثر من 7 مرات!! أما في عام 2008، فقد بلغ حجم الناتج الإجمالي للعالم نحو 66 تريليون دولار، في حين أن كمية النقد المتداول في الأسواق والبورصات المالية العالمية بلغت نحو 700 تريليون دولار، أي أن المعروض من النقد المتداول يفوق قيمة الإنتاج المادي نحو 10.5 مرة9.

 إن هذا يعني أن هناك خططاً (برامج) سياسية واقتصادية ومالية متعمدة من أجل خلق اللاتوازن بين التيار السلعي والتيار النقدي، لصالح التيار الثاني بهدف الحصول على الأرباح الخيالية والمتأتية من المضاربات المالية الفارغة، وهذا هو الجوهر الرئيس للرأسمالية المالية المتوحشة، فحقاً أن الرأسمالية وفي مرحلتها المتقدمة الامبريالية هي احتكارية وطفيلية ومحتضرة وعدوانية وإجرامية.+++++++++++

 13- تنامي معدلات الاستهلاك الشخصي لدى الغالبية العظمى من المجتمع الأمريكي، وهذا الافراط في الاستهلاك يفوق الامكانيات المادية للمواطن الأمريكي فهو مضطر للاستدانة، اي الحصول على القروض من اجل سد الاستهلاك  الشخصي، وهذا يتم على حساب خلق الإنتاج المادي، ومن خلال الاستيراد للسلع والخدمات المختلفة، وبالتالي افرز هذا النمط الاستهلاكي خللاً في الاقتصاد وتحول الاقتصاد والمجتمع من إنتاجي إلى مجتمع استهلاكي وبامتياز، اي ظهور نزعة استهلاكية  مفرطة، وكما يعاني المجتمع الأمريكي ايضا من تدهور في نظام التعليم والصحة وعودة الامية واشباه الاميين وما يرافق ذلك من تدهور وانحطاط المستوى الثقافي داخل المجتمع الأمريكي بشكل عام  وبين اوساط الشباب بشكل خاص وشيوع ثقافة العنف والابتذال الاخلاقي وانتشار ظاهرة افلام الرعب والجريمة والجنس في ان واحد.

 14- تنامي القلق الاقتصادي والاجتماعي والنفسي للغالبية العظمى من المواطنين الأمريكيين وخاصة اصحاب الدخول المحدودة وبسبب غياب الامان وضبابية المستقبل الغير مضمون لهم من خلال  عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والمالي والسياسي، وتنامي وتصاعدً النزعة والتمييز العنصري داخل المجتمع الأمريكي وخاصة بالنسبة للزنوج الأمريكيين.

 ان هذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها أصبحت صفة ملأزمة للاقتصاد الرأسمالي الأمريكي وخاصة في مرحلته المتقدمة الامبريالية، وهي نابعة من الاساس الاقتصادي لهذا النظام والمتمثل بالملكية الخاصة الاحتكارية لوسائل الإنتاج، وتشكل خطراً جدياً على الاقتصاد الأمريكي وعلى دور ومكانة امريكا على الصعيد الدولي، وكما تساعد هذه المشاكل على تفاقم واشتداد هذه التناقضات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتع الأمريكي، وتضع الاقتصاد والمجتمع في مأزق حقيقي، وفي مقدمة ذلك مأزق وخطر المديونية الأمريكية، وهذه المشاكل مجتمعةً يمكن ان تخلق المقدمات المادية والنفسية لحالة التفكك والانحطاط والانهيار لهذا النظام الحاكم.

 ان ((من مقدمات الانهيار ارتباط الرأسمالية ونظامها بالدولة الأمريكية. ومشاكل الدولة الأمريكية لا تحصى... ابتداءً من التناحر العنصري كما وصفها البروفسور انرو هاكر استاذ الانثربولوجيا بجامعة كوننيتر،(امتان: سوداء وبيضاء ومنفصلتان متعاديتان وغير متساويتين، تنوع عرقي صاخب). كما اصبحت أكبر دولة مديونه في العالم اضافة إلى تفشي  المخدرات والانحلال الجنسي وتدهور التعليم. والحقيقة ان النظريات كثيرة تحدثت عن انحطاط وسقوط امريكا. منهم نعوم شومسكي، الذي يرى ان الآلة العسكرية الضخمة لامريكا دون قاعدة اقتصادية متينة تدعمها سيؤدي إلى كارثة))10

 فأين حقوق الانسان، واين الديموقراطية، واين العدالة التي تنادون بها بشكل مستمر عبر وسائل اعلامكم وأعلام حلفائكم  في بعض دول الاطراف وخاصة الغنية منها.

 ماذا قالوا عن الاقتصاد الأمريكي؟

 يعترف الرئيس الأمريكي بوش الابن على ((اننا نعيش في اوج الأزمة الاقتصادية، وان مجمل الاقتصاد يتعرض للخطر))11 وكما يؤكد الرئيس الأمريكي باراك اوباما ((ان الاقتصاد الأمريكي في حالة سيئة، والشعب في حاجة إلى مساعدتنا))12. وكما يشير هنري بولسون وزير الخزانة الأمريكي ((ان الاخطار المحدقة بالاقتصاد العالمي تعد من الاخطر والاكثر تحدياً في التاريخ الحديث))13.

 يشير توماس فريدمان على اننا ((كنا امة يخشاها العالم من قوتها قبل عقد وها نحن نتحول اليوم إلى دولة يشفق على ضعفها وتضائل نفوذها العالمي))، وكما يؤكد ايضا على ((ان الحل الحقيقي يكمن في خروج امريكا من عالم الرأسمالية لتعاود الدخول مجدداً في عالم الرأسمالية الإنتاجية))14.

 الجزء الثاني

 المحور الثاني

 دولة عظمى: اقتصاد متناقض ودولة استهلاكية

 يشكل عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية 5% من مجموع سكان العالم، ويستهلك الشعب الأمريكي اكثر من 40% من الطاقة في العالم، كما يستهلك ايضا 50% من المنتجات والخدمات المنتجة عالمياً، وتساهم الولايات المتحدة بنسبة 20% في الناتج الاجمالي العالمي وبنفس الوقت تستهلك اكثر من40% من الناتج الاجمالي العالمي15.

 ان الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي، يحمل طابعاً متناقضاً في شكلة ومضمونه، فهو يجمع القوة والضعف في ان واحد، فهو يعد من أحد أكبر اقتصاديات العالم قوة، ولكن قوته الحقيقية تكمن من خلال الاصدار النقدي للعملة الأمريكية  الدولار  وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وكما اصبحت هذه العملة، عملة رئيسيةً وكاحتياطي نقدي لدى الغالبية العظمى من دول العالم، وكما اعتمدت هذه العملة في الاسواق المالية العالمية كعملة رئيسية في التعامل اليومي، اضافة إلى ذلك، فأن قوة الاقتصاد الأمريكي خلال الأربعينيات حتى منتصف السبعينيات قد تمثلت في هيمنة امريكا على الاقتصاد الدولي من خلال الحرب العالمية الثانية ونتائجها الكارثية في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، وسمحت ظروف الحرب العالمية الثانية لامريكا ان تملأ الفراغ الاقتصادي في اوربا وغيرها من المناطق الاخرى بسبب عدم مشاركتها الفعلية في الحرب العالمية الثانية الا في السنة الاخيرة من هذه الحرب غير العادلة ضد شعوب اوربا وشعوب الاتحاد السوفيتي...، ان الاقتصاد الأمريكي قد نشط من الناحية الإنتاجية وكان يعمل لصالح كل الاطراف المتحاربة من ((الحلفاء))  و ((الاعداء))  حيث قامت الولايات المحتدة بتصدير السلاح وبكل انواعه والغذاء والدواء... إلى جميع الاطراف المتحاربة مقابل حصولها على الذهب والعملات الصعبة الاخرى، مما ساعد ذلك على ان تحصل الولايات المتحدة الأمريكية على  نسبة غير قليلة من ذهب العالم، مما ساعد ذلك على قوة اقتصادها وتطوره، وقوة عملتها الوطنية  الدولار- بدليل في عام 1945 شكل الإنتاج الصناعي الأمريكي 75% من الإنتاج الصناعي العالمي، وفي بداية الستينيات انخفض إلى 50%، وفي عام 2010 لا تساهم الولايات المتحدة الا بنسبة  اقل من 25% من الإنتاج  الصناعي العالمي.16

 اما فيما يتعلق في مكامن ضعف الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي، فهي تكمن في تنامي معدل اجمالي المديونية الأمريكية (الديون الداخلية والخارجية)، وتنامي معدل العجوزات المالية سواء كان في الميزانية الحكومية وميزان المدفوعات والميزان التجاري، وتنامي معدل البطالة والجريمة وتعمق الهوة الاقتصادية والاجتماعية داخل الاقتصاد والمجتمع الأمريكي لصالح الطغمة المالية الحاكمة من سوبر الحيتان والديناصورات المالية المفرطة في عدوانيتها ووحشيتها.

 ان تباطئ معدل النمو الاقتصادي لامريكا والذي يتراوح ما بين 2-4% سنوياً في احسن الاحوال، في حين ان معدل نمو اجمالي المديونية يفوق معدل النمو الاقتصادي ما بين 8-10%17. فهذا ان دلَ على شيئ فأنما يدلُ على ضعف وارباك الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي وتفاقم تناقضاته الاقتصادية والاجتماعية وتحوله من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد خدمي طفيلي غير قوي وغير مستقر، هدفه الرئيس هو تعظيم الربح لصالح الأوليغارشية الأمريكية المفرطة في وحشيتها وعدوانيتها، وطبقاً لتقرير مكتب المحاسبة العامة في الكونغرس، فأن الولايات المتحدة اصبحت اسيرة مصيدة الديون، وبشكل يصعب عليها الأفلات منها، وكما يؤكد تقرير مكتب المحاسبة العامة، مع ان تحسن الاقتصاد قد يكون عاملاً مساعداً، الا اننا لن نستطيع الخروج من هذه المشكلة فأغلاق فجوتنا المالية يتتطلب تحقيق معدلات نمو تتجاوز 10% سنوياً، وعلى مدار السنوات  الـ 75 المقبلة، وهو مطلب مستحيل بكل المقاييس فمعدلات النمو لم تتجاوز 2-4% حتى في سنوات الطفرة الاقتصادية في التسعينات.18

 فمنذ السبعينات من القرن الماضي فأن معدل نمو المديونية كان أكبر من معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الأمريكي، ففي بداية عام 1988، دفعت الحكومة الأمريكية فوائد على الديون فقط اذ بلغت نحو 7 تريليون دولار.19

 

ومن هنا فأن الولايات المتحدة الأمريكية لاتستطيع ان تعيش وتطور اقتصادها الرأسمالي وتخفف من مأزقها وازمتها البنيوية والعامة على اساس امكانياتها المادية المتاحة لديها، بل هي عاشت وتطورت على حساب الاستحواذ والنهب لثروات الشعوب وبشكل غير شرعي ومنافي لمبادئ الديمقراطية، وخلق الازمات  السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم وغزو واحتلال البلدان وخاصة الغنية بمواردها الطبيعية من النفط والغاز...وتحت ادعاءات واهية ومفتعلة وفي مقدمتها مكافحة ما يسمى بالارهاب الدولي من اجل ((الديمقراطية  وحقوق الانسان..)) وما يحدث في منطقة الشرق الاوسط اليوم بشكل عام، وما يحدث في البلدان العربية وتحت غطاء ما يسمى بالربيع العربي بشكل خاص الا دليل حيٍ وملموس على المؤامرة الدولية التي تم صنعها في اجهزة المخابرات الغربية- الأمريكية وبالاتفاق مع بعض ((القيادات)) الاسلامية حلفاء الغرب واميركا من اجل تقويض الانظمة العربية المناهضة وبنفس الوقت ايضا تقويض الانظمة ((الحليفة  الصديقة)) سابقاً وتنصيب ((حلفاء- اصدقاء)) جدد ينفذون ويبدعون طوعاً بتنفيذ المخطط المرسوم لهم الا وهو مخطط الامبريالية الأمريكية في المنطقة وفقاً لمنطق فلسفتها ومصالحها ومصلحة حليفها الاستراتيجي الا وهو اسرائيل.

 

ان الاقتصاد الأمريكي ما هو الا اقتصاداً خدمياً وطفيلياً، وتستخدم الولايات المتحدة القوة العسكرية ضد البلدان المناهضة لنهجها العداوني وتحت مبررات غير مقنعة وغير قانوينة من اجل تصريف أزمة اقتصادها ومجتمعها المتأزم والمأزوم من اجل ادارة وقيادة العالم وبما يتلائم  و مصالحها السياسية والاقتصادية والأيديولوجية في ان واحد، وما حدث في ليبيا وما يحدث اليوم في سوريا خير دليل على ذلك.

 

ان الصفة المزدوجة التي يتميز بها الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي من قوة وضعف في ان واحد هي نابعة من تناقضاته الاقتصادية والاجتماعية، وهذه التناقضات ما هي الا نتيجة منطقية وموضوعية تكمن في اساس وطبيعة النظام الرأسمالي العالمي بشكل عام والنظام الرأسمالي الأمريكي بشكل خاص، وان جميع هذه التناقضات والازمات الاقتصادية والاجتماعية والمالية واستمرارها وتفاقمها تعود بالدرجة الاولى إلى الاساس الاقتصادي- الاجتماعي لهذا النظام والمتمثلة بالملكية الخاصة الاحتكارية لوسائل  الإنتاج، فما دامت  هذه الملكية الخاصة سائدة وعلى ((قيد الحياة)) في هذه التشكيلة الاقتصادية- الاجتماعية ألا وهي الرأسمالية وخاصة في مرحلتها المتقدمة الامبريالية، فأن العالم سوف لن يشهد اي استقرار سياسي او اقتصادي- اجتماعي، بل سيشهد حروباً غير عادلة سواء  كانت على الصعيد المحلي او الإقليمي او العالمي، فالامبريالية العالمية كانت وراء اشعال الحرب العاليمة الاولى، والحرب العالمية الثانية، وما يسمى بالحرب الباردة، وما يشهده عالمنا المعاصر اليوم من عدم الاستقرار تتحمله الامبريالية الأمريكية وحلفائها وهم سيتحملون في المستقبل ما سيحدث لشعوب العالم من احتمال وقوع كوارث انسانية واقتصادية واجتماعية. ان جميع هذه الاساليب اللاشرعية والمنافية للديمقراطية، هدفها الرئيس هو محاولة انقاذ النظام الامبريالي العالمي وخاصة الامبريالية الأمريكية ولو لفترة زمينة معينة من الانهيار المحتوم.

 

ان نظام اقتصاد السوق الرأسمالي العالمي. ما هو إلا نظاماً عبودياً قاهراً وضالماً لشعوب العالم وخاصة الفقراء منهم، انه نظاماً غير عادلاً لا من االناحية الاقتصادية  ولا الاجتماعية، فهو منتج للازمات وبشكل مستمر،وهو ايضاً منتج للفقر والبطالة والجريمة والتلوث الاجتماعي، وعسكرة الاقتصاد والمجتمع...، ويتم تحقيق هذا من خلال اداوته الاقتصادية والمالية والتجارية الدولية والمتمثلة بالثالوث غير المقدس والمتمثل بصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وان هذه المؤسسات الدولية هي التي انتجت اليوم جميع هذه الامراض ((السرطانية))  بسبب تطبيق ما يسمى بسياسة الاصلاح الاقتصادي المفروضة على شعوب العالم اجمع وخاصة شعوب بلدان اسيا وإفريقيا اومريكا أللاتينية بشكل  قسري وغير قانوني. ومع ذلك يدعون انهم ديمقراطيون؟!.

 

((ان الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى المنظمات المتعددة الاطراف بما في ذلك البنك الدولي كأدوات للسياسة الخارجية يمكن استخدامها في دعم الاهداف والاغراض الأمريكية))20. ان النظام الرأسمالي العالمي بشكل عام والنظام الرأسمالي الأمريكي بشكل خاص لا يمكن ان يشكلا نظاماً اقتصادياً واجتماعياً نموذجياً يحتذى به من قبل الدول وشعوب العالم وخاصة الفقراء منهم لانه نظاماً يعاني من امراض ((خبيثة)) وهذه الامراض هي حتمية وصفة ملأزمة له، وهو لم ينجح في ايجاد معالجات  جذرية لامراضه المعدية، بل ((نجح)) في نقل امراضه،وازماته إلى الخارج وعبر وسائل متعددة ولفترة زمنيه معينة ومحدودة، بهدف التكيف معها ووضع حلول ترقيعية وشكلية لأمراضه وازماته. ان هذا النظام يدفع شعوب العالم اجمع نحو الهاوية والكارثة وستكون نتائج ذلك مأساوية على شعوب العالم سواء كانت في المركز او الاطرف.

 

ان فترة التسعينات من القرن الماضي لم تكن فترة ازدهار حقيقية للاقتصاد الأمريكي، بل اصبح الاقتصاد المالي المضارب هو المهيمن الرئيس على الاقتصاد الحقيقي،اذ بلغت مساهمتة نحو 40 ضعفاً من حجم الاقتصاد الحقيقي المنتج، بعد ما كانت النسبة قبل هذه الفترة بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المضارب 1:1، وبهذا الخصوص يشير الكاتب الماني (lother komp) ان ((ازدهار الاقتصاد الأمريكي فترة التسعينيات كان ازدهار الكذب والاوهام))21.وان  ((ثروة وقوة الولايات المتحدة ترجع إلى استغلال العالم))22.

 

ان الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي لم يكن اقتصادا قوياً ومتعافياً ومعتمداً في تطوره على موارده الطبيعية... وخاصة منذ اواسط السبعينيات من القرن الماضي ولغاية اليوم بل ((ان الاقتصاد الأمريكي ما عاد يتصف بالمتانة التي كان يتصورنها، ومن مسلمات الامور، ان ازدهار الاقتصاد الأمريكي ماكان سيبلغ المستوى الذي بلغه في السابق من غير الاموال الضخمة التي ضخها العالم الاجنبي في الاقتصاد الأمريكي لتمويل العجز الأمريكي العظيم، فحجم الديون الأمريكية قد بلغ- اذا ما اخذ المرء حجم الاقتصاد الأمريكي معياراً لقياس ضخامة هذه المديونية))23.

 

لقد افرز اقتصاد السوق الرأسمالي في البلدان الرأسمالية الصناعية المتطورة ((امراضاً)) ونتائج اقتصادية-اجتماعية مشتركة وتتميز بالحقائق الموضوعية لجميع هذه الدول وفي مقدمتها:- تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي والذي أنتج لهذه الدول تنامي معدلات الفقر والبطالة والثراء المفرط والفقر المدقع وتنامي معدل المديونية سواء كانت داخلية ام خارجية، بدليل في عام 2007 شكلت المديونية للدول الرأسمالية الصناعية المتطورة مجتمعة  46% من إجمالي الناتج القومي، ثم زادت إلى 70 % في عام 2010 ويتوقع  ان تصل نسبة هذه المديونية لبعض الدول الرأسمالية  المتطورة إلى 80% لعام 2016، فعلى سبيل المثال يشكل الاقتصاد الياباني ثاني قوة اقتصادية عالمية،مقابل ذلك فأن الاقتصاد الياباني يعاني من تباطؤ في معدل النمو الاقتصادي وتنامي المديونية إذ بلغ الناتج المحلي الاجمالي الياباني لعام 2010 نحو 475 تريليون يوان اي ما يعادل 5،9 تريليون دولار، اما اجمالي الدين العام الياباني لنفس نفس العام فقد بلغ نحو 950 تريليون يوان اي ما يعادل تقريبا 10 تريليون دولار،وتبلغ حصة الفرد الياباني من اجمالي الدين العام لنفس السنة 7،5 مليون ين، اما في عام 2011 فبلغ معدل المديونية لليابان 200% من الناتج المحلي الاجمالي24.

 

يقول سمير امين ((يعيش الاقتصاد الاميركي،طفيليا ً، وعلى حساب شركائه في النظام العالمي... العالم ينتج والولايات المتحدة تستهلك))25.

 

وكما يؤكد سمير امين ان ((النظام الإنتاجي للولايات المتحدة الأمريكية ليس الاكثر فعالية على الاطلاق، على العكس، لا يستطيع اي من قطاعاته ان يكسب الرهان على منافسه في سوق مفتوح فعلاً))26. وبنفس الوقت يلاحظ ان الاقتصاد الأمريكي يشكل أحد أكبر قوة اقتصادية في العالم وأكبر مقترض فيه 27.

 

ان مشكلة الولايات المتحدة الأمريكية، انها البلد الوحيد في التاريخ الذي انتقل من البربرية إلى الانحلال من دون أن يمرُ بعصر الحضارة (برناردشو)، وبشهادة كاتب أمريكي (وهو لارس ايرك نيلسون) ومن خلال عرضه لكتاب ((شراء الكونجرس))  تأليف تشارلز لويس مدير مركز النزاهة العامة، شهادة تكفي للحكم على مستقبل اميركا وهي شهادة لويس، تشكف الحقيقة المرة وهي((امريكا هي مجتمع جريمة وأرضيه فساد ومصدر ارهاب))28

 

ان من اهم الاخطار الحقيقية التي تواجه الاقتصاد والمجتمع الأمريكي اليوم وكما يراها بريجنسكي تكمن بالاتي:

 1- ديَن امريكا القومي المتعاظم وغير قابل لأن يطاق مع مرور الزمن.

 2- ان نظام امريكا المالي المعطوب عقبة كأداء، فهو يشكل قنبلة موقوته تهدد لا الاقتصاد الأمريكي وحسب بل والاقتصاد العالمي بسبب سلوكه المغامر والقائم على التعظيم الذاتي، وكما يشكل مجازفة اخلاقية  معنوية تستثير الغضب داخلية وتقوض جاذبية امريكا خارجياً عبر زيادة تفاقم مأزق امريكا الاجتماعية.

 3- يشكل تباين المداخيل المتزايد اتساعاً مشفوعاً بأستنقاع الحراك الاجتماعي خطراً طويل الامد يتهدد التوافق الاجتماعي والاستقرار الديمقراطي.

 4-البنية التحتية المتهالكة... وباتت الصين متقدمة على الولايات المتحدة في هذا الميدان 10.

 5-نظام التعليم العام المعطوب او الفاشل، بدليل في عام2006،  تم اجراء مسح لراشدين اميركيين توصل إلى ان 63% لم يستطيعوا ان يشيروا إلى العراق على خريطة الشرق الاوسط،و 75% لم يتمكن من الاهتداء إلى ايران، و 88% بقوا عاجزين عن تحديد موقع أفغانستان..؟!.

 6- ان النظام السياسي المتزايد الاختناق المفرط في حزبيته... وبسبب كون الإعلام ولا سيما  التلفزيون، والراديو والمواقع الالكترونية السياسية متزايد الخضوع لطغيان الخطاب الحزبي المسعور مع بقاء الجمهور الجاهل نسبباً متزايد الخضوع التضليل المانوي الثنوي... وعجز امريكا عن تلبية الحاجات الاجتماعية المحلية... وان نظام أمريكيا القائم يبقى متزايد  الهشاشة امام قوة اللوبيات الداخلية والخارجية الواسعة الامكانية وضيقة الافق.؟!29  واخيراً، شهد شاهد من اهلها، فهل يحق لأمريكا ان تقود العالم؟، وهل يمكن ان يتم تصديق شعاراتها البراقة وهي ما يسمى بالديمقراطية وحقوق الانسان ومكافحة الارهارب...؟ فامريكا بهذا النهج العدواني ليس لها مستقبل وحتمية تفككها سيكون بفعل التناقضات الداخلية وتفاقمها وشتدادها وستشكل المقدمات المادية لانحطاطها واختفاؤها كما اختفت كثيلر من إمبراطوريات الشر والعدوان.

 

الجزء الثالث

 المحور الثالث

 أسباب تعاظم المديونية الأمريكية

 تشكل المديونية ظاهرة اقتصادية واجتماعية وتحمل طابعاً دولياً، اذ شملت الغالبية العظمى  لدول المركز ولدول الاطراف، وان دول المركز بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قد أُغرقت نفسها والمحيطين والتابعين لها من قبل غالبية دول الاطراف في ((حفرة)) المديونية المرعبة وهذه المشكلة في تفاقم وتزايد واشتداد مستمر، وتحتل الولايات المحتدة الأمريكية المرتبة الاولى كدولة مدينة في العالم اليوم، بالرغم من قوتها ونفوذها العسكري والاقتصادي على الصعيدين المحلي والعالمي، انها حقيقة موضوعية ومفارقة ومشكلة نادرة الحدوث، وبسبب هذا المأزق الكبير من المديونية الفريدة في حجمها فأن الغالبية من المواطنين الاميركان سواء كانوا فرادا او شركات او بنوك... قد وقعوا في فخ ومأزق هذه المديونية الكبيرة.

 يمثل الدين العام الأميركي- مجموع الدين العام المقرر على الحكومة الاتحادية (الفدرالية)، وهو يمثل قيمة سندات الضمان لاطراف خارج الولايات المتحدة وإلى جانب الضمان الذي تصدره وزارة الخزانة الأمريكية والمملوكة لأطراف داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

 ان من اهم اشكال الديون الأمريكية هي: الدين الحكومي (الفدرالي)، الديون الاستهلاكية الشخصية (مديونية المستهلكين)، ديون الرهن العقاري (الديون المنازل الخاصة) ديون قطاع الشركات وغير ذلك.

 ان الولايات المتحدة الأمريكية تواجه مديونية كبيرة، وهي ذات شقين مديونية  داخلية ومديونية خارجية ولهذه المديونية اسبابها الاقتصادية والاجتماعية الفاعلة والمؤثرة في هذه الأزمة، وان سبب ظهورها وتفاقمها يعود إلى طبيعة وسياسة هذا النظام الحاكم.

 ان من اهم الاسباب الرئيسة التي انتجت وافرزت  ((حفرة)) المديونية المتفاقمة هي الاتي:

 اولاً- ان تحول الرأسمالية الاميركية من رأسمالية إنتاجية إلى رأسمالية خدمية وبامتياز وهذا يعني ان القطاع الخاص الرأسمالي الناشط والعامل في ميدان خلق الإنتاج المادي قد انتقل معظم نشاطه ان لم نقل كل نشاطة نحو قطاع الخدمات بسبب جني الارباح الخيالية والسريعة والمضمونة والبعيدة عن المخاطر وبالتالي اصبح قطاع الخدمات من أحد اهم القطاعات المكونة للناتج المحلي الاجمالي الأمريكي، فالربح هو المؤشر الرئيس لنشاط القطاع الخاص الرأسمالي في نشاطه وعمله الاقتصادي، وهذه هي فلسفة النظام الرأسمالي او فلسفة الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية.

 ان الانتقال من قطاع الإنتاج إلى قطاع الخدمات لم تكن ظاهرة مقتصرة على الولايات المتحدة، بل اصبحت عملية الانتقال ظاهرة عالمية خطيرة وكبيرة وتعززت اكثر فاكثر  منذ اواسط الثمانينات من القرن الماضي ولغاية اليوم، بدليل في عام 2003 كان قطاع الخدمات يشكل 68% من قيمة الناتج العالمي، في حين شكل كل من القطاع الزراعي والقطاع الصناعي 4%، 28% من قيمة الناتج العالمي على التوالي لنفس العام هذا على صعيد العالم اجمع، اما في البلدان ذات الدخل الأعلى فكانت مساهمة قطاع الخدمات في قيمة الناتج العالمي قد بلغت 71% في عام 2003،اما القطاع الزراعي والصناعي في بلدان ذات الدخل الأعلى فبلغت نسبة مساهمتها في خلق الناتج الإجمالي للعالم لعام 2003 هي 2%، و27% على التوالي.30

 ثانيا- هناك منطق موضوعي وهو ا ن اي فرد او شركة او دولة يكون انفاقه المالي أكبر من أيراده الفعلي سوف يواجه مشكلة عجز مالي وان الاستمرار على هذه السياسة الخاطئة واللاعقلانية سيولد أزمة المديونية بالنسبة للدولة على سبيل المثال سواء كانت مديونية داخلية او مديونية خارجية وبالتالي يمكن للدولة  من ان تتعرض إلى الإفلاس المالي والانهيار الاقتصادي، وهذا ما يحصل اليوم للاقتصاد والمجتمع الأمريكي، الا ان الولايات المتحدة الأمريكية تنجو ولو لفترة زمنيه معينة من الخروج عن هذه القاعدة الموضوعية من خلال تحررها من نظام قاعدة الذهب، والذي سمح لها وبحرية بطبع وإصدار عملتها الوطنية- الدولار- وبدون ضوابط اقتصادية ومالية، وتم فرض هذه العملة على دول وشعوب العالم كورقة نقدية رئيسية واحتياطية من خلال القوة العسكرية والاستحواذ على موارد الطاقة وخاصة النفط، إضافة إلى دور الإعلام الأميركي وحلفاؤها في المركز والإطراف بتكوين عامل ضغط اقتصادي ونفسي وخلق قناعة لدى الإفراد والشعوب وغالبية الدول من ان تتعامل بهذه العملة النقدية ((القوية)) والخاوية في آن واحد، بدليل وخلال الفترة 1967- 2006 فقد الدولار من قوته الشرائية الفعلية أكثر من 75% اما من عام 2007 ولغاية اليوم فكم فقد الدولار من قوته الشرائية الفعلية؟ فعلى سبيل المثال الحي والمعايش في عام 1986  كان سعر شقة مكونه من 3 غرف في موسكو ليس في المركز تباع من قبل القطاع التعاوني الحكومي ووفق ضوابط قانونيه محددة ما يعادل 3000 دولار أما سعر هذه الشقة حتى ايار عام 2013 فهو بلغ نحو 600 إلف دولار او أكثر من ذلك،إي إن 3000دولار  كانت قوتها الشرائية تعادل قوة 600 الف دولار اليوم  اي ان الدولار فقد قوته الشرائية للفترة 1986-2013 نحو 200 مرة. فكم خسر عرب بترو دولار من ثرواتهم خلال الفترة المذكورة؟

 ان الاصدار النقدي للدولار الأمريكي وبشكل مفرط وخارج ضوابط وقواعد الاصدار النقدي قد خلق ويخلق مشكلة للاقتصاد الوطني الأمريكي، ويمكن القول ان 3- 5% من الاصدار النقدي للدولار مغطاة بالإنتاج المادي اما 95- 97% من الاصدار النقدي للدولار غير مغطاة، وهذا يشكل خطراً جدياً ليس فقط على الاقتصاد والمجتمع الأمريكي، بل على الاقتصاد العالمي ولشعوب العالم اجمع من خطر الانهيار والإفلاس فما هو مصير ودائع الشعوب العربية بشكل عام وشعوب ودول الخليج بشكل خاص والتي قدرت ما بين 2،5   3تريليون دولار أمريكي؟ فكم تكبدت الشعوب العربية من خسائر مالية خلال العقدين الماضين وخاصة في الأزمة المالية لعام 2008؟!.

 يشير بريجينسكي ان من ((عيوب امريكا لم تعد محصنة امام المعاينة الدقيقة والنقدية))

 وان هناك ((تحدي دَين قومي هائل ومتعاظم، وتحدي تفاوت اجتماعي متزايد الاتساع، وتحدي من نوع ثقافة الفساد القائمة على عبادة النزعة المادية، وتحدي لنظام مالي مستند على اساس المضاربة الجشعة، وتحدي نظام سياسي مستقطب))31.

 وكما يؤكد بريجينسكي ايضاً ((يشكل الدين العام الأمريكي لعام 2010 نحو 60% من الناتج القومي الاجمالي رقم مثير للقلق، ويتوقع ان يصل حجم الدين القومي للولايات المتحدة إلى ما هو أكبر من نظيره بعد الحرب العالمية الثانية حين كان 108،6% من اجمالي الناتج القومي مع حلول 2025))32.

 ان ((الواقع الذي لا يمكن الهروب منه هو ان المديونية الوطنية المتنامية ستزيد من هشاشة الولايات المتحدة امام مناورات كبار الدائنين مثل الصين وستهدد مكانة الدولار الاميركي بوصفه نقد الاحتياط العالمي وستقوض دور اميركا بوصفها الأنموذج الاقتصادي الأفضل))33.

 يؤكد بريجينسكي إلى ان ((الافق المالي لما بعد عام 2020 كإرثي تماماً))  وان النظام المالي الأمريكي ما هو الا ((قنبلة موقوتة  لا تهدد الاقتصاد الأمريكي،وحسب، بل الاقتصاد العالمي، بسبب سلوكه المغامر والقائم على التعظيم الذاتي وقد افرز مجازفة اخلاقية- معنوية تستثير الغضب داخلية وتقوض جاذبية امريكا خارجية عبر زيادة تفاقم مأزق امريكا الاجتماعي))34.

 ثالثا-  ان التزايد المستمر في الانفاق العسكري السنوي وبشكل مفرط  ومرعب لدى الادارة الأمريكية وخاصة خلال السنوات الاخيرة (2004- 2013)اذ بلغ الانفاق السنوي بالمتوسط اكثر من 500 مليار دولار وهذا الانفاق الجنوني قد زاد على سباق التسلح خلال فترة الحرب الباردة وخاصة فترة الثمانينات من القرن الماضي، وهذا الانفاق الكبير ما هو الا رأسمال يتم حرقة سنويا مما اثر ذلك سلبا على الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي،فالأموال الكبيرة تحرق يوميا والإنتاج المادي يتراجع باستمرار. يبرر بوش الابن ويؤكد على ان ((التزايد الهائل في الدين العام بالكفاح ضد الارهاب وبالحربين اللتين تخوضهما امريكا بقيادتها، الحرب على الافغانستان اولاً وعلى العراق فيما بعد))35.

 تشير أحدى الدراسات ان تكلفة حربي العراق وافغانستان قد تصل إلى 4،5 تريليون دولار حتى عام 201736. ليس غريبا على نهج الامبريالية الأمريكية من ان تستمر في زيادة الانفاق العسكري اللامشروع بهدف تحقيق اهدافها اللامشروعة من اجل تقويض الانظمة المناهضة لسياستها وتحت غطاء نشر ((ديمقراطية الدم))  من اجل الاستحواذ على ثروات الشعوب وخاصة النفط  الغاز،وان كل هذا التوسع اللامشروع يتم على حساب فقراء الشعب الأمريكي والمستوى المعاشي والتعليمي والصحي والسكني المتدهور، وان هذه السياسة اللامشروعة ترهق وتضعف الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي وتعرز وتنتج المجاعة والفقر والبطالة في ((رائدة الديمقراطية)) بدليل ان سدس سكان عاصمة الاقتصاد الأمريكي يعاني الجوع، اي نحو 3،1 مليون شخص ويعاني، في مدينة نيو يورك اكثر من 400 الف جائع، وتؤكد وزارة الزراعة ان 12،6% من سكان الولايات المتحدة الاميركية او ما يقدر نحو 30 مليون نسمة لم يكن لديهم طعام كافي وان الحكومة الأمريكية قد قلصت وبشكل كبير المنح الغذائية للجمعيات التي كثير ما يعمل فيها متطوعون.37

 وعليه كلما زاد الانفاق العسكري في اي بلد من البلدان حدوده الطبيعية، سوف يترك اثاراً سلبية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فهو يولد الاحتقان والغطرسة اللامشروعة واللاقانونية لدى الحيتان والديناصورات الحاكمة بهدف تحقيق اهداف غير مشروعة عبر اشعال الحروب غير العادلة وتحت مبررات واهية، وان زيادة الانفاق العسكري سيحقق الارباح الخيالية لصالح الطغمة المالية الحاكمة من جهة، وسوف ينتج ويزيد من الفقر والمجاعة والبطالة وتفشي الجريمة في المجتمع من جهة اخرى، وفي النهاية ان الرابح الوحيد من هذا النهج اللاقانوني هو المجمع الصناعي  الحربي والمافيا الدولية، وهذا يتم في النهاية على حساب إفقار واستغلال واضطهاد الشعوب الفقيرة، وان ما يجري اليوم في البلدان النامية مثلا وفي ظل هيمنة القطب الامبريالي الأمريكي، وتحت غطاء المودة الجديدة إلا وهي محاربة ما يسمى بالإرهاب الدولي، هو  يعني ذلك عودة الاستعمار الجديد في ظل نظام امبريالي متعطش على نهب ثروات الشعوب من اجل معالجة أمراضه ((السرطانية)) التي انتشرت في جميع الميادين.

 يطرح سؤال: ما هو الإرهاب؟، ومن صنع الإرهاب؟ ومن يقف ورائه، من حيث الإعداد والتمويل والتوجيه...؟ ولمن ولمصلحة من؟ وما هو الهدف الرئيس من هذه الصنيعة المفتعلة والوهمية والغامضة؟. نعتقد أن هذه الصنيعة تنطبق عليها الحكمة القائلة ((اخرج القطة السوداء من الغرفة المظلمة وهي غير موجودة)).

 ينبغي على الادارة الأمريكية وصقورها المتنفذين، اذا كانوا يدعون ويؤمنون قولاً وفعلاً بحقوق الانسان والديمقراطية و... و.... ان يتخلوا عن نهج وسياسة الغطرسة والعدوان والعنجهية غير المبررة من خلال شن الحروب غير العادلة ضد الشعوب المناهضة لسياستهم اللاقانونية من اجل الهيمنة على ثروات الشعوب وترويضهم فهذا هو الارهاب الدولي بكل معناه، فالاجدر بالادارة الاميركية وصقورها المتوحشين والمتعطشين لتعظيم الربح وازهاق ارواح الشغيلة في العالم، من ان يعالجوا مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة وفي مقدمتها تنامي معدلات البطالة والفقر والجوع وتنامي الامية واشباه الأميين، بدليل هناك اكثر من 50 مليون شخص أمريكياغلبهم من السود ليس لديهم امكانية تأمين الضمان الصحي وغيرها من المشاكل الاخرى.

 ان الحل الجذري لمعالجة هذه المشاكل يكمن بالدرجة الاولى بالابتعاد الحقيقي عن عسكرة الاقتصاد والمجتمع وتخفيض الانفاق العسكري  المفرط، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتحت اي مبرر كان، واعتماد مبدأ الحوار والتعايش السلمي بين الشعوب، وهذا يتماشى تماماً مع الديمقراطية وحقوق الانسان وعكسه مخالف للديمقراطية والشرعية الدولية والقانون الدولي، فهل من المعقول ان تجني صقور الامبريالية الأمريكية الارباح الخيالية من خلال حروبها الغير عادلة وسباق التسلح على حساب تخريب وتدمير وقتل الشعوب واقتصاديتها. فأين حقوق الانسان والديمقراطية التي  تدعون بها اليوم؟!.

 رابعا- ان المجتمع الأمريكي هو مجتمع استهلاكي وبشكل كبير، وهو ايضا مجتمع مفرط في إسرافه فيما يتعلق بالاستدانة (الحصول على القروض لاغراض خاصة ومتعددة)، فنمط الاستهلاك الترفي فيما يخص السفر وشراء السيارات الحديثة، وشراء البيوت (الفلل) والعقارات والسلع المعمرة الاخرى والسلوك الترفي بشكل هائل من خلال التردد على دور القمار والمطاعم الفارهة وعلى الاسواق الحرة...، كل هذا الانفاق الاستهلاكي اللاعقلاني يشكل مصدراً رئيسياً وكبيراً للانفاق الاستهلاكي الخاص والذي لايتناسب والدخل النقدي للمواطن الاميركي، وكما يشكل ايضا مصدرا هاماً لتنامي وتراكم الديون الداخلية وبالتالي يولد صعوبة الوفاء بتسديد هذه القروض، وخير دليل على ذلك ما حدث في الأزمة المالية في عام 2008 كانت تفوق بأثارها على جميع الازمات بما فيها أزمة الثلاثينيات من القرن الماضي.ان هذا السلوك الترفي اللامشروع يؤثر ايضا وبشكل مباشر على نشاط المؤسسات الإنتاجية والخدمية في ان واحد.

 ان اهم صفة يتميز بها غالبية المواطنين الامريكان هو عدم الرغبة في تحقيق الإدخار، بل هو مستعد للحصول على القرض سواء كان من الدولة او من قبل القطاع الخاص من اجل اشباع رغبته وحاجته الاستهلاكية وترفه الشخصي، بدليل ان المواطنين الامريكان ((يسرفون في الاستدانة من اجل الاستهلاك والاستمتاع الفوري، وهذه الأخلاق المالية الجديدة للشعب والدولة تستخف بفقر البعض، وبمستقبل المجتمع))38.

 وان ((الضعف الذي اصاب اقتصاد امريكا وماليتها بالشكل الذي لم يسبق له مثيل يشكل عامل عدم استقرار لبقية أنظمة العالم))39. ان ((الأمريكيون، ينفقون في حياتهم الخاصة، مبالغ تفوق الدخول التي يحصلون عليها فأنهم لا يدخرون المال الذي يُمكن للحكومة الأمريكية اقتراضه منهم لتمويل العجز في ميزانيتها))40.

 

جدول رقم 1

  اجمالي المديونية الأمريكية في بداية عام 2008 41.  

 

التفاصـــــــــــــــــــــيل

  إجمالي الدين  (تريليون دولار)

حصة المواطن الأمريكي من اجمالي الدين العام بالألف دولار

اجمالي الديون الحكومة الأمريكية الفدرالية

10،6

35،3

اجمالي ديون الحكومات المحلية

2،2

7،3

الديون الحكومية فيما يتعلق بتأمين برنامج الضمان الصحي

13،6

45،3

الديون الحكومية فيما يتعلق بتأمين برنامج الضمان الصحي للكبار

85،6

285،3

الديون الحكومية فيما يتعلق بتوظيفات الصحية للمساعدة الفقراء

8،4

28،0

ديون الحكومة الفدرالية لبرنامج التقاعد

4،0

13،3

ديون الحكومات المحلية المتعلقة لبرنامج الصحة والتقاعد

2،7

9،0

ديون الحكومة حول المساعدات للحالات الطارئة

2،5

8،3

اجمالي ديون القطاع الحكومي

129،6

431،8

القطاع الخاص الأمريكي

ديون ربات البيوت الأمريكية

13،8

46،0

ديون النقابات (الاتحادات وقطاع البزنس)

10،1

33،7

الديون الداخلية للقطاع المالي

15،8

52،7

ديون أخرى

2،3

7،7

اجمالي ديون القطاع الخاص

42،0

140،1

اجمالي المديونية الأمريكية

171،6

571،9

 

41 يو.أ. ليسوفسكي الاقتصاد بيزاوميا(الجنوني)، موسكو، السنة 2011، ص36-37 باللغة الروسية

 

من الجدول رقم 1 نلاحظ ما يلي:-

 

1- تحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الاولى في العالم في حجم المديونية وهي دولة (سوبر) في ميدان المديونية، وهذه الخاصية او السمة الخطيرة نابعة من طبيعة النظام الرأسمالي وخاصة في مرحلته المتقدمة الامبريالية.

 2- ان الدولة التي تريد فرض نموذجها السياسي والاقتصادي- الاجتماعي على شعوب ودول العالم بهدف ادارة وقيادة هذا العالم، ينبغي ان يكون اقتصادها متعافي وقوي ولا يواجه عجوزات مالية  ولا مديونية، ومعدل نمو اقتصادي كبير وان النظام السياسي مقبول  من قبل غالية شعوب العالم و... و.. الا ان الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي مثقل بأمراضه الخبيثة والمتعددة، والنظام السياسي الأمريكي مرفوض من قبل غالبية شعوب العالم بسبب الجرائم والحروب الغير عادلة التي قامت بها الامبريالية الأمريكية ولا زالت مستمرة على نفس النهج العدواني واللاشرعي. فكيف يمكن فرض نموذج سياسي ودولة غارقها في ازمتها العامة وهي أكبر دولة مدينة في العالم؟ فهي غير ناجحة في تحقيق هدفها اللامشروع في فرض اسوء نموذج رأسمالي متوحش عرفه المجتمع الحديث، انه نموذج مرفوض وغير صالح لشعوب العالم وان استخدام مبدأ القوة في فرض هذا النظام على الشعوب هو ايضاً فاشل. ان هذا النظام مقبول من فئه من المجتمع لا يتعدى وزنها في المجتمع ما بين 3-5% وهو ايضاً مقبول فقط من قبل الحكام والملوك المفروضين على شعوبهم والمنصبين من قبل الادارة الأمريكية وفق ((الشرعية- الديمقراطية)) الغربية- الأمريكية وهؤلاء الحكام والملوك... هم... ((حلفاء- أصدقاء)) للولايات المتحدة الأمريكية، رسمت لهم أدواراً سياسيةً واقتصاديةً-اجتماعية وعسكريةً، وحال الانتهاء من تنفيذ هذه الادوار يتم الاستغناء عنهم وبأساليب مختلفة، وما حدث لشاه ايران والرئيس الباكستاني موبوتو وما حدث للرئيس المصري انور السادات... وما يحدث الان في منطقة الشرق الأوسط تحت غطاء ما يسمى بالربيع العربي وغير ذلك الا دليل حي وملموس على نهج الامبريالية الأمريكية، فأمريكا لديها مصالحها الخاصة فقط وليس لديها ((حلفاء- أصدقاء))  ثابتين.

 3- يبلغ اجمالي المديونية للولايات المتحدة الأمريكية (الديون الداخلية والخارجية) حتى عام 2008 نحو 172 تريليون دولار، وان حصة المواطن الأمريكي من هذه المديونية بلغ (572000) دولار، في حين ان حصة المواطن الأمريكي من الناتج المحلي الاجمالي لنفس العام بلغ (48000) دولار، وهذه يعني ان حصة المواطن الأمريكي الواحد من اجمالي المديونية تفوق نحو 12 مرة من حصته من الناتج المحلي الاجمالي وان كل طفل أمريكي ياتي إلى الحياة ولأول مرة يجد نفسه مديناً وهو لا يعرف ولا يفهم من اين جاءت هذه الديون الرهيبة المترتبة عليه وهو غير مذنب وغير مسؤول عن اسبابها والتي بلغت حصته نحو (33748)دولار. فأي شرعية او اي حق تدعي الولايات المتحدة الأمريكية بأنها دولة عظمى؟ ولها الحق في ادارة وقيادة العالم والاستحواذ على ثرواته وبأساليب متعددة وغير شرعية؟!.

 4-  لم تنجح الادارة الأمريكية ومنذ اواسط السبعينيات من القرن الماضي ولغاية اليوم  في معالجة ازماتها الاقتصادية والاجتماعية والمالية...، وفي مقدمة هذه الازمات هي أزمة المديونية. ان الادارة الأمريكية والاجهزة المتخصصة في الميدان الاقتصادي والمالي لم يتخذوا إجراءات جذرية وجادة لمعالجة الازمات التي تواجه نظامهم القائم ومنها أزمة المديونية، انها الكارثة المحدقة والتي تشكل أشبه ((بالقنبلة النووية)) والتي في حالة انفجارها ستكون نتائجها وخيمة ليس فقط على الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي بل على الاقتصاد العالمي، ولا يستبعد من انهيار الاقتصاد الأمريكي. ان الاقتصاد العالمي متشابك ومترابط في علاقاته الاقتصادية والتجارية والمالية وان هذا الاقتصاد العالمي يعتمد على الدولار كعملة رئيسة في تسوياته المالية والتجارية. فهل ستحدث وستحل هذه الكارثة المالية العالمية قريباً؟ فالمستقبل القريب سيكشف لنا كثير من المفاجئات.

 5- في عام 2009 شكلت المديونية الأمريكية نسبة 65% من الناتج المحلي الاجمالي اما في عام 2012 فبلغت النسبة نحو 106% من الناتج المحلي الاجمالي، اي يمكن القول ان المديونية في الولايات المتحدة في تزايد مستمر ومن دون ان تتخذ الادارة الأمريكية أية إجراءات  جذرية  وجدية لمعالجة اخطر مشكلة ذات بعداً اقتصادياً واجتماعياً ولها اثراً مباشراً على الصعيدين المحلي والعالمي42.

 6- لقد اصبح غالبية المجتمع الأمريكي واقتصاده الرأسمالي المتأزم، غارقين في ((حفرة المديونية الكبرى))، وخلال 30 سنة الاخيرة تزايد المعدل السنوي للمديونية نحو 600 مليار دولار بدليل عشية الأزمة المالية لعام 2008 كان لدى الحكومة الأمريكية اقل من 370 مليار دولار، وهذا يمثل قيمة الرصيد من الذهب، ومن الاحتياطي من العملات الصعبة ومن (sdr)  في حين بلغت المديونية للحكومة الفدرالية اكثر من 16 تريليون دولار، وبلغت ديون اصحاب البيوت الخاصة نحو 14 تريليون دولار، وديون الشركات الصناعية الأمريكية بلغت نحو 10 تريليون دولار، اما ديون البنوك الخاصة فقد بلغت 16 تريليون دولار  اي ان اجمالي المديونية للحكومة الفدرالية قد بلغ 56 تريليون دولار.43

 7- ان من اهم الدول الرئيسة التي تقدم القروض وشراء السندات المالية هي الصين واليابان  اما الدول الاخرى فهي العربية السعودية وروسيا وبريطانيا والهند والبرازيل وتايوان وغيرها من الدول الاخرى، ولا يستبعد لهذه الدول من ان تتكبد خسائر مالية كبيرة في حالة انهيار الدولار كعملة احتياطية رئيسية.

 8- لو تم تحويل اجمالي المديونية الأمريكية البالغ نحو 172 تريليون دولار  إلى أوراق نقدية من فئة دولار واحد وألصقت هذه الاوراق النقدية بعضها مع بعض الاخر لامكن ذلك تغطية سطح الكرة الارضية عدة مرات؟!

 هذا هو جوهر الاقتصاد الرأسمالي لدولة عظمى تقود النظام الامبريالي العالمي وتهدف إلى اخضاع شعوب العالم، ودول العالم تحت هيمنتها ونفوذها، فهل لها هذا الحق؟، وهل يحق لامريكا ان تقود العالم بهذا الاقتصاد المريض والمأزوم والقابل للانفجار والانهيار في اي وقت؟

 الجزء الاخير

 المحور الرابع

 بعض اهم نتائج المديونية الأمريكية

 شكلت المديونية الأمريكية  وتزايدها مشكلةً كبرى وتحدياً خطيراً وجدياً وحقيقياً على الاقتصاد والمجتمع الرأسمالي الأمريكي، وهذا الخطر في تنامي مستمر وفشلت الحكومة الأمريكية والطبقة البرجوازية الحاكمة في إيجاد حلول جذرية لهذه الكارثة الحقيقية. ان من اخطر نتائج هذه المديونية هي الاتي:

 أولا- التدهور المستمر للوضع ألمعاشي للغالبية العظمى من المواطنين الامريكان وخاصة اصحاب الدخول المحدودة من العمال والمزارعين... يرافق ذلك تنامي التوترات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع الرأسمالي الأمريكي، وكما يلاحظ ايضا تصاعد وتنامي النزعة العنصرية بين المواطنين الامريكان وخاصة بالضد من المواطنين السود.

 ثانيا- استمرار تعمق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الرأسمالي الأمريكي لصالح الحيتان والديناصورات المالية المتوحشة بدليل في عام 1980 ان نسبة 5% من سكان أمريكا بلغت حصتهم من اجمالي الدخل القومي 16،5%، في حين ان 40% من سكان امريكا بلغت حصتهم 14،4% من اجمالي الدخل القومي، وفي عام 2001 فأن 10% من العوائل الأمريكية تمتلك 70% من الثروة القومية، في حين ان 50%من العوائل الفقيرة تحصل على 3% من الثروة القومية، وفي عام 2007 فأن 1% من العوائل الأمريكية تمتلك 34 % من الثروة القومية، في حين ان 50% من العوائل الفقيرة تمتلك 3% من الثروة القومية الأمريكية.44 ان أسوء ما في النظام الرأسمالي هو انه يقسم المجتمع ويعمق التفاوت الاقتصادي والاجتماعي فيه، وهو نظام منحازاً لصالح الطبقه البرجوازية  لانها الممثل  الشرعي لهذا النظام، وهذا نابع من طبيعة وبنية هذا النظام اللاعادل، فأين العدالة الاجتماعية؟ واين الديمقراطية؟ فلا ديمقراطية حقيقية بدون عدالة اجتماعية، ولا حقوق انسان بدون ديمقراطية وبدون عدالة اجتماعية، هذا هو قانون الحياة الطبيعي وهذه هي شرعية الحياة العادلة

 ثالثا- ضعف الاستثمارات الاجنبية في الاقتصاد الأمريكي بسبب انعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وقلة الارباح، وعدم قدرة تسديد الديون الخاصة من قبل عدد كبير من المواطنين الامريكان سواء للمؤسسات العامة او للمؤسسات الخاصة بسبب الأزمة التي يعشها الاقتصاد والمتجمع  الأمريكي اليوم، ناهيك من ان أزمة عام 2008 التي لا تزال اثارها سارية المفعول على الاقتصاد والمجتمع الأمريكي بل تعدت هذه الأزمة حدود امريكا، وما يحدث اليوم في اليونان وقبرص واسبانيا وايطاليا والبرتغال  وفرنسا... الا دليل حي وملموس على اثار هذه الأزمة، وستبقى هذه الأزمة مستمرة وتنذر بعواقب وخيمة على اقتصاديات الدول الرأسمالية وحتى على غالبية اقتصاديات دول الاطراف، وكما يلاحظ هروب رؤوس الأموال من امريكا للخارج ولأسباب عديدة منها غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي وزيادة المخاطر...

 رابعا- ان تحول الاقتصاد الرأسمالي  الأمريكي من اقتصاد إنتاجي فاعل وقوي إلى اقتصاد خدمي، فأن هذا التحول ساعد ويساعد اليوم على تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمالية، اي يساعد على اشتداد الأزمة وبكل إبعادها داخل الاقتصاد والمجتمع الأمريكي.

 ان هذا التحول الخطير قد ساعد على ظهور اقتصاد رأسمالي يقوم على المضاربات المالية والخدمات الاخرى بدليل ((ان عدد حملة الاسهم المباشرين في الشركات الأمريكية بلغ 42 مليون شخص يضاف اليهم ما يزيد على 133 مليون حامل سهم غير مباشر ممن يشاركون في ملكية الشركات الأمريكية عبر مساهماتهم او مشاركتهم في صناديق التقاعد (العام  الخاصة)، وشركات التأمين والصناديق المشتركة والمصارف والمؤسسات والجامعات والكليات))45. يمكن القول ان الاقتصاد الأمريكي اليوم يتجه نحو الاقتصاد الخدمي  الطفيلي لصالح الطغمة المالية الحاكمة (الأوليغارشية) اي سيطرة القلة.

 خامسا- استمرار تنامي العجوزات المالية في الميزانية الحكومية، بدليل في عام 2008 بلغ عجز الميزانية نحو 500 مليار دولار ثم زاد إلى 1،3 تريليون دولار عام 2009 ثم زاد 1،4 تريليون دولار في عام 2010وفي عام 2012 بلغ العجز في الميزانية الحكومية 1،2 تريليون دولار ولا زالت هذه الظاهرة مستمرة، وكذلك تنامي العجوزات المالية في ميزان المدفوعات وفي الميزان ألتجاري.

 ان الحكومة الأمريكية تعالج ازماتها وعجوزاتها المالية من خلال الافراط في عملية الاصدار النقدي وبدون غطاء ضامن للاصدار النقدي، مما ساعد ذلك على خلق فجوة كبيرة بين التيار النقدي والتيار السلعي، وهذا أدى إلى خلق فوضى وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وان من مخاطر الاختلال الذي يظهر بين التيار النقدي والتيار السلعي لصالح التيار النقدي هو ظهور وتنامي  معدل التضخم النقدي الذي يؤثر وبشكل مباشر على أصحاب الدخول المحدودة وخاصة الشغيلة منهم، والتضخم النقدي ما هو الا شكل من اشكال اعادة توزيع الدخل القومي لصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة.

 سادسا- ان من اخطر الاثار الاجتماعية لأزمة المديونية في المجتمع والاقتصاد الرأسمالي الأمريكي هي تفشي وتنامي معدلات الجريمة اذا يبلغ المتوسط السنوي ما بين 11-12 مليون جريمة في السنة، وتتراوح تقديرات الاسلحة المرخصة في المجتمع  ((الديمقراطي))  الأمريكي نحو 192 مليون قطعة سلاح حسب تقديرات وزارة العدل الأمريكية، و230 مليون قطعة سلاح حسب تقديرات لاتحاد البنادق القومي (national rifle Association) ، و2250 مليون قطعة سلاح حسب تقديرات مكتب التحقيقات الفدرالي، واذا اعتمدنا الرقم الاخير فأن معنى هذا ان هناك قطعة سلاح لكل مواطن أمريكي من الطفل حتى كبار السن.46 ومع ذلك يدعون انهم مجتمع ديمقراطي، انه حقا مجتمع  مدجج بسلاح؟!.

 ان الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية- اجتماعية تكرس الظلم والاستغلال والعبودية والاضطهاد في اي مجتمع، وهي صانعة للازمات ومنتجة للفقر والجوع والإذلال، وهي تأجج الصراعات الاقتصادية والاجتماعية ومشعلة للحروب غير العادلة، وهي لا تحقق العدالة الاجتماعية، وان ديمقراطيتها كانت ولا تزال طبقية ومنحازة ومعبرة عن مصالح الطبقة البرجوازيه الحاكمة، وهي إيديولوجية الطبقة الرأسمالية في المجتمع.

 يؤكد سمير امين ((ان حل الأزمة يفترض تعديل القواعد الاجتماعية التي تتحكم بتوزيع الدخل والاستهلاك وقرارت التوظيف، اي تقتضي مشروعا اجتماعيا اخر- منسجما- مختلفا عن ذلك القائم على قاعدة الربح)).47 

 ان الاشتراكية، هي النظام السياسي الاقتصادي- الاجتماعي التي تعطي الحلول السليمة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمع البشري، فهي الحل، وهي التي ستشكل النهاية الحقيقية للتاريخ الإنساني الذي يقوم على أساس العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتحقيق الرفاهية ويغيب فيها وإلى الأبد الاستغلال والاضطهاد والحروب وبهذا الخصوص يؤكد فلاديمير لينين ((إن نزع السلاح هو المثل الأعلى للاشتراكية، وفي المجتمع الاشتراكي لن توجد حروب، وبالتالي فسيتحقق نزع السلاح))48

 إن التشكيلة الاقتصادية- الاجتماعية الشيوعية هي المجتمع الذي يحقق السلام والعمل والحرية والمساواة والإخاء والسعادة لجميع المواطنين ومن دون تمييز، وان الرأسمالية ليس لها مستقبل، لأنها هي الحرب والحرب غير العادلة، وحتمية انهيارها واختفائها شيء حتمي ولا مفر منه وهذه هي سنة التطور للمجتمع البشري، ومهما حاولت الأقلام الصفراء من تشويه الحقائق الموضوعية، حول الاشتراكية ومنجزاتها العظمى، فليدرك أصحاب الأقلام الصفراء إن الاشتراكية قد حققت منجزات يصعب على الغرب الامبريالي ان  يحققها في مثل فترة البناء الاشتراكي بدليل: ان الاشتراكية بقوتها حولت دولة المحراث الخشبي إلى دولة عظمى نووية وإلى دولة اقتصادية كبرى فاحتلت المركز الاول في الإنتاج الصناعي في اوربا والمركز الثاني في الإنتاج الصناعي عالميا، وأصبحت الاشتراكية قوة سياسية واقتصادية وعسكرية وقطباً رئيسياً في خلق التوازن الدولي لصالح الشعوب الفقيرة، وبقوة الاشتراكية تم سحق الفاشية ألالمانية في عقر دارها وهي وليدة  صنيعة للنظام الامبريالي العالمي، وانقذت المجتمع البشري من هذا الطاعون الاصفر، وان الاشتراكية هي النظام الاول في العالم التي قضت وبشكل نهائي على البطالة والامية والجهل والشعوذة... وكما ضمنت حق العمل للمواطن دستوريا وحق التعليم والعلاج والسكن المجاني ولجميع المواطنين وبدون تمييز، وان الاشتراكية لم تواجه اي ازمه اقتصادية او مالية خلال الفترة منذ 1917 حتى عام 1985، ولم تواجه الاشتراكية اي مديونية مالية سواء  كانت داخلية او خارجية  هذه هي بعض المنجزات الكبرى للاشتراكية.

 ليس غريبا من ان تلتقي اقلام ((اليسار)) المرتد مع اقلام اليمين المتطرف سويةً بهدف  محاولة البرهنة على ((فشل))  الاشتراكية ونهايتها و...و...، فهذه الاقلام الصفراء هي مأجورة ومدفوع الثمن لها سلفاً، وان أقلام ((اليسار)) المرتد قد شكلت النواة الرئيسة لقوى الثورة المضادة واصبحت هذه الاقلام المأجورة تعمل لصالح وخدمة الامبريالية الأمريكية وحلفائها وهؤلاء يطلق عليهم ((عملاء النفوذ)) وهذا ما حدث في الاتحاد السوفيتي خلال فترة ما يسمى بالبيرويسترويكا الصفراء((اعادة البناء)). ان هذه الاقلام الخاوية  والصفراء ارادت ان تقدم خدمة لاسيادهم وان تبرهن لاسيادهم عكس سنة وحتمية تطور المجتمع البشري، فتطور المجتمع البشري يأخذ تطوره احيانا على شكل حلزوني فالانتكاسة المؤقتة سيتبعها انتصاراً كبيراً وبالتالي فأن سنة الحياة هي في تطور إلى الامام. ان التقارب او التوافق الفكري بين هذه الاقلام الصفراء  لم يكن وليدة صدفة، وان هذا اللقاءات لا تزال مستمرة ووفق ما هو مخطط لها وهي اقلام فارغة واقلام دجل وتضليل للشعوب وان اصحاب هذه  الخزعبلات الفكرية من مثل ما يسمى بالبيرويسترويكا، ونهاية التاريخ وصراع الحضارات وما يسمى بالعولمة... قد تخلو عن هذه الافكار اللاعلمية واللاموضوعية، فأين هذه الاقلام الصفراء اليوم من هذه الخزعبلات الفكرية؟، في حين ان بعض ((قادة)) الاحزاب الشيوعية لا يزالون متمسكون بهذه المفاهيم المظللة والوهمية والفارغه، انهم لا يريدون ادراك وفهم القوانين الموضوعية لسنة التطور للمجتمع البشري، وبنفس الوقت يعلنون تمسكهم بالمنهج الماركسي او بالماركسية في التحليل بتحليل المجتمع البشري، فكيف يفسر ذلك،؟ وكيف حصل ذلك وهل فعلاً أنهم يؤمنون حقاً بالماركسية؟ ان طبيعة العصر اليوم بالرغم من الانتكاسه المؤقتة التي حدثت في الجزء الهام من المعسكر الاشتراكي المتمثل بالاتحاد السوفيتي ودول اوربا الشرقية في العقد الاخير من القرن العشرين الا أن سنة الحياة وتطورها الحتمي باقية وحية، فما زال الصراع يدور اليوم بين الاشتراكية والرأسمالية، بين جبهة الشعوب المضطهدة والمستغله، وبين ممثلي رأس المال المالي العالمي، هذه هي السنة الحتمية للتطور وبهذا الخصوص يؤكد لينين ان القضاء على الرأسمالية واثارها قد يضع اسس النظام الشيوعي.49

 أن الرأسمالية ليس لها مستقبل وحتمية انهيارها شيء لا مفر منه، وهذه هي سنة وحتمية التطور للمجتمع البشري. ان الشيوعية هي امل وطموح الشغيلة وهي مستقبل البشرية المشرقة.

 

الخلاصة

 أ_ الاستنتاجات

 اولا-  ان استمرار وتنامي أزمة المديونية (الحكومية والخاصة) تشكل جزاءً هاماً من الأزمة العامة التي يعاني منها النظام الرأسمالي العالمي وخاصة في مرحلته المتقدمة  الامبريالية، وهذه الأزمة هي نتاج حقيقي وطبيعي لهذا النظام، وهذا النظام اصبح عاجزاً وفاشلاً في معاجلة أزماته المتعددة والنابعة من اساسة الاقتصادي والمتمثل بالملكية الخاصة الاحتكارية لوسائل الإنتاج، وخير دليل على ذلك هو فشل الولايات المتحدة الأمريكية في معالجة أزمة مديونيتها، وان الغالبية العظمى من المواطنين الأمريكيين ومؤسسات الدولة سواء كانت عامة او خاصة قد وقعوا في فخ المديونية المرعب في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. أن عدم وضع معالجات جذرية لهذه المشكلة المعقدة  الجذور لأنها تحمل طابعاً بنيوياً ضارباً جذوره في الاقتصاد والمجتمع الأمريكي، ولا يستبعد ان تصل امريكا في يوم قريب ان تكون عاجزة عن تسديد اجور ومرتبات العاملين في الاقتصاد الوطني، وستحل هذه الكارثة في حالة استمرارها سلباً على النظام الامبريالي الأمريكي وحلفائه، وعلى شعوب العالم وخاصة الدول المرتبطة بالاقتصاد الرأسمالي العالمي بشكل عام والاقتصاد الأمريكي بشكل خاص.

 ثانيا- ان المجتمع الأمريكي مفرط في نزعته الاستهلاكية، وان نظامه متوحش في عدوانيته ومرعب في إنفاقه العسكري بسبب إعلانه الدائم على شن الحروب غير العادلة على شعوب ودول العالم وخاصة الرافضة والمناهضة لسياسته اللاشرعية، وان الشيء المشترك بين النظام الحاكم في امريكا ومواطنيه هو ان إنفاقهم المادي يفوق إمكانياتهم المادية. ان عدم امكانية دفع المواطنين الامريكان او التعثر في دفع ديونهم الخاصة وفوائدها سوف يشكل اضعاف ثم ارباك لمؤسسات الدولة سواء كانت عامة او خاصة ولايستبعد من انهيارها وخاصة البنوك.

 ان أي نظام يعيش ويتطور على حساب الاستحواذ والنهب للثروات الشعوب وتحت مبررات واهية فهو نظام طفيلي لا مستقبل له.

 ثالثا-  توجد قناعة لدى غالبية الدائنين للولايات المتحدة الأمريكية، بأن امريكا ليس في مقدورها وقدرتها على تجاوز ازمتها الكارثية والمتمثلة بخطر المديونية، وبالتالي ستولد تلك القناعة لدى الدائنين بضعف وفقدان الثقة بالدولار الأمريكي كعملة احتياطية نقدية رئيسة وعالمية. ان تنامي المديونية الأمريكية قد تجعل من بعض اهم الدول الدائنة  لامريكه وخاصة جمهورية الصين الشعبية من ان تفكر اليوم او غدا  كما يقال  بإيجاد عملة رئيسة وبديلة عن الدولار وهذا ما تسعى اليه الصين اليوم من ان تكون عملتها اليوان العملة الرئيسة محل الدولار في المستقبل القريب، وكل الشروط الاقتصادية وغيرها متوفرة لليوان ان يكون عملة نقدية دولية رئيسة تستخدم في التسويات الدولية التجارية بين دول العالم.

 رابعا- ان الرأسمالية المالية المضاربة الأمريكية وحلفائها في الغرب الامبريالي يدفعون الاقتصاد العالمي والنظام المالي العالمي نحو الهاوية  والكارثة الحقيقية بسبب النشاط الطفيلي المضارب من اجل تعظيم الربح، فهل يعقل ان حجم التداول النقدي المضارب في الاسواق المالية وفي البورصات العالمية قد بلغ 4 تريليون دولار في اليوم هذا يعني ان رأس المال المضارب في الشهر يبلغ نحو 88 تريليون دولار وفي السنة (1056)كفا تريليون دولار (الكفا تريليون يساوي 1000 تريليون دولار) في حين، ان قيمة اجمالي الناتج العالمي لعام 2008 قد بلغ نحو 66 تريليون دولار، وان اجمالي المديونية  الأمريكية لنفس العام قد بلغت نحو 172 تريليون دولار. نطرح السؤال المشروع: إلى اين يسير الاقتصاد العالمي ونظامه المالي وفق هذه المعطيات المعلنة على اقل تقدير؟

 خامسا- أصبحت الحروب الغير عادلة والغير مشروعة صفة ملأزمة للنظام الامبريالي العالمي وخاصة من قبل الامبريالية الأمريكية، وهي أسلوب قذر هدفها الرئيس هو تصريف أزمة هذا النظام، وهي بنفس الوقت تشكل عبئ على الاقتصاد الرأسمالي وتشكل أحد الأسباب الرئيسة لتنامي المديونية.

 أن الرأسمالية لا يمكن ان تعيش وتتطور الا من خلال الحروب غير العادلة سواء كانتحروباً محلية او اقليمية او عالمية، وما حدث للعراق في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وما حدث ويحدث لافغانستان اليوم والعراق منذ عام 2003 ولغاية اليوم، وما حدث ويحدث في البلدان العربية وتحت خدعة ما يسمى بالربيع العربي وخاصة ما حصل للشعب الليبي وما يحصل من مؤامرة دولية قذرة ضد الشعب السوري اليوم تشارك فيها اطراف عربية وفي مقدمتها قطر والسعودية وغيرها من الدول العربية والإقليمية بالتعاون والتنسيق مع امريكا واسرائيل الا دليل حي وملموس على ان الامبريالية الأمريكية لديها شهية مفرطة في السيطرة على العالم وقيادته والاستحواذ على ثرواته وخاصة النفط والغاز... وتحت غطاء ما يسمى  بمكافحة بالإرهاب الدولي. إن ما يفعله اليوم البترودولار الاسود من دوراً قذراً في المنطقة العربية بهدف قلب موازين القوى لصالح امريكا وحليفها الاستراتيجي أسرائيل، اذ ينبغي  على القوى الوطنية واليسارية من إدانة ذلك وبشكل علني والعمل على تعبئة الجماهير الشعبية  في جبهةً  وطنيةً عريضةً واسعةً تظم كل القوى المناهضه للمشروع الصهيوني من أجل أحباط هذا المخطط الاجرامي الاسود.

 ان الربح وتعظيم الربح هو المؤشر الهام لنشاط الاحتكارات الرأسمالية والشركات المتعددة الجنسية...، وعن حق عندما اشاركارل ماركس ((ان الرأسمال يخاف من غياب الربح او الربح التافه، ولكن ما ان يتوفر له ربحا ًكافياً حتى يصبح الرأسمال جريئاً، فلو أمن ربحاً 10% يشتغل الرأسمال في اي مجال، ولو أمن ربحاً 30 % ينشط جداً، ولو أمن ربحاً 50 % تتملكه جرأةً مجنونةً، ولو أمن ربحاً 100% يدوس بالإقدام جميع قوانين البشرية، ولو أمن ربحاً 300% فليس هناك ثمة جريمة لا يجازف بارتكابها حتى لو قادته إلى حبل المشنقة)).

 ان تجارة السلاح والمخدرات والسلع الحية واشعال الحروب الغير عادلة... اليوم تحقق ارباح اكثر من 1000%، وان وحدة الرأسمال مع الربح الكبير يخلق لنا دكتاتورية مالية مفرطة في عدوانيتها ووحشيتها، وهذا مايحصل اليوم في ضل أحادية القطب الواحد المتوحش.

 سادسا- ينبغي على غالبية دول العالم وخاصة غالبية دول الاطراف ومنها دول المنتجة للنفط والغاز..، ان تفكر وبجدية من اجل العمل على فك ارتباط عملتها الوطنية من الدولار الأمريكي واعتماد عملة دولية جديدة ولتكن عملة اليوان الصيني او اليورو، ويجب العمل الجاد على تحويل مدخراته المالية من الدولار إلى عملات نقدية رئيسة أخرى،  وان يتم بيع النفط والغاز وغيرها من الموراد الطبيعية الاخرى بعملة غير الدولار، لان عدم اتخاذ هذه الاجراءات وغيرها وارتباطا بوجود مخاطر جدية حول احتمال انهيار الدولار الأمريكي، وفي حالة حدوث الانهيار سوف تتأثر جميع الدول التي تتعامل بالدولار بخسائر مالية كبيرة وستكون النتائج وخيمة وعلى مختلف الاصعدة المحلية والاقليمية والدولية، وبهذا الخصوص يشير بوش الابن إلى ((ان امريكا تواجه تحدياً اقتصادياً رهيباً...))50.

 

ب وجه نظر:

 بعض المعالجات

 ينبغي على الادارة الأمريكية ان تتخذ مجموعة من الإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية من اجل معالجة المشاكل التي تواجه أقتصادها الرأسمالي والخروج من ألازمه العامة التي تواجه الاقتصاد والمجتمع بشكل عام وأزمة المديونية بشكل خاص، وكما ينبغي على الولايات المتحدة ان تتخلى على النهج ألليبرالي المتوحش والتي تدعو إليه مدرسة شيكاغو، والعمل على تعزيز دور ومكانة الدولة في الميدان الاقتصادي- الاجتماعي لصالح الغالبية العظمى من فقراء الولايات المتحدة الأمريكية والعودة إلى خلق الإنتاج المادي كمفتاح رئيس لحل ومعالجة المشاكل التي تواجه الاقتصاد والمجتمع وفي مقدمة ذلك خطر المديونية.

 وكما يجب على الادارة الأمريكية ان تتخلى عن نزعتها العدوانية وغير العادلة، والكف عن العمل بسياسة الكيل بمكيالين والتخلي عن نهج الحروب غير المشروعة ضد الدول المناهضة لسياستها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتحت اي مبرر كان، واقامة العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الدول على اساس مبدأ الاحترام والتعاون والتكافؤ والنفع والمصلحة المشتركة، وينبغي على الولايات المتحدة اذا ارادت ان تعالج ازمتها العامة ان تزيد من الضرائب على الحيتان والديناصورات المالية المتوحشة، وعلى صقور المجمع الصناعي-الحربي، وعلى الشركات المتعددة الجنسية والبنوك الخاصة... بنسبة ما بين 80 إلى 85 % كضريبة على الدخل السنوي بهدف معالجة العجوزات المالية ومكافحة البطالة والفقر والجريمة وتقليل حدة التفاوت الاقتصادي الاجتماعي وغيرها من المشاكل الاخرى.

 يجب على الادارة الأمريكية العمل الجاد على تقليص جدي وجذري لانفاقها العسكري المفرط، وتقليص عدد القواعد العسكرية الأمريكية ذات النزعة العدوانية والمنتشرة في مختلف مناطق العالم، ينبغي التخلي عن فكرة ادارة وقيادة العالم والتخلي عن الفكره اللاشرعية واللاديمقراطية الا وهي هيمنة القطب الواحد، بالرغم من انها فشلت اليوم لان هذه الفكرة قد ادخلت العالم وشعوبه في فوضى هدامة، وعالماً غير مستقراً ومن الضروري على الادارة الأمريكية التوجه نحو معالجة مشاكلها الداخلية الكثيرة والمعقدة وفي مقدمتها البطالة والفقر  والجريمة...، ويجب الاعتراف وإقرار حق الشعوب في  اختيار نظامها السياسي والاقتصادي  الاجتماعي،والعمل بمبدأ التعايش السلمي كشكل من اشكال الصراع الاقتصادي بين الانظمة المختلفة، وبخلاف ذلك وفي حالة استمرار الولايات المتحدة الأمريكية على نهجها اللاديمقراطي سوف تتعمق مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها أزمة المديونية الخطيرة، وبالنتيجة سيكون مصيرها الانحطاط والتفكك الداخلي، فالمستقبل القريب سيكشف لنا الكثير من الأحداث والمفاجئات.

 مصادر البحث

 1-  اولريش شيفر، انهيار الرأسمالية، ترجمة دكتور عدنان عباس علي، الكويت، السنة 2010، ص31.

 2- المصدر السابق، ص19.

 3- المصدر السابق، ص24

 4- ريتشارد بيت وآخرون، الثالوث غير المقدس، ترجمة شوكة يوسف، دمشق، السنة 2007، ص 46.

 5- دكتور محمد احمد بن فهد، الكونية او السوق العالمية، عمان، السنة 2005،ص230-231.

 6- دكتور محمد احمد بن فهد مصدر سابق، ص235-236، وعبد العظيم مناف، العراق وأميركا  التحدي الذهبي، القاهرة، السنة 1999،ص57.

 7- دكتور عبد الحي زلوم، أزمة نظام الرأسمالية والعولمة في مأزق، عمان، النسة 2009  ص52. ودكتور محمد احمد بن فهد، مصدر سابق، ص 225.

 8- انظر دكتور عبد الحي زلوم، مصدر سابق، ص152-154،

 9- يو.أ.اليوسوفكسي،الاقتصاد بزأوميا (المجنون) موسكو، السنة 2011 ص24،46 باللغة الروسية.

 10- محمد حسين الصافي، انهيار الرأسمالية- الفوضة القادمة، القاهرة، السنة 2004، ص 95.

 11-جريدة البينة الجديدة، 29/9/2008.

 12-جريدة طريق الشعب، 9/11/2008.

 13-جريدة العراق اليوم، 13/10/2008.

 14-جريدة البينة الجديدة، 19/10/2008.، و12/10/2008

 15-يو.أ.اليوسوفكسي، مصدر سابق، ص49.

 16-دكتور رجب بودبوس، العولمة بين الأنصار والخصوم، بيروت، سنة 2002 ص23-24.

 17-يو.أ.اليوسوفكسي، مصدر سابق، ص34.

 18-دكتور عبد الحي زلوم، مصدر سابق، ص154-155.

 19-يو.أ.اليوسوفكسي، مصدر سابق،ص35.

 20-ريجارد بيت واخرون، مصدر سابق، ص 56.

 21-دكتور عبد الحي زلوم، مصدر سابق، ص159.

 22-قاسم البغدادي، اللعبة الأمريكية  قناع،ضياع، جياع، بدون ذكر دار النشر، السنة 2010،ص29.

 23-اولريش شيفر، مصدر سابق، ص437.

 24-جريدة طريق الشعب، 13/4/2010

 25-سمير امين، ما بعد الرأسمالية المتهالكة، ترجمه فهيمة شرف الدين، بيروت، السنة 2003، ص15.

 26-المصدر السابق، ص14.

 27-دكتور محمد احمد بن فهد، مصدر سابق، ص216.

 28-عبدالعظيم مناف، العراق وامريكا- التحدي الذهبي، الشريعة، الشرعية، الشعار، القاهرة، السنة 1999، ص63.

 29-انظر زبيغنيو بريجينسكي،رؤية إستراتيجية امريكا وأزمة السلطة العالمية، ترجمة فاضل جتكر، بيرت، سنة2012، ص59-66.

 30-دكتور ورويك موراي، جغرافيات العولمة، قراءة في تحديات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية،ترجمة دكتور سعيد منتاق، الكويت، السنة 2013، ص126-127.

 31-بريجينسكي، مصدر سابق ص58.

 32- المصدر السابق، ص59.

 33-المصدر السابق، ص59.

 34-المصدر السابق، ص60.

 35-اولريش شيفر، مصدرسابق ص203

 36-جريدة المشرق، 13/4/2008.

 37-جريدة المدى، 26/11/2007، و 1/12/2007

 38-دكتور محمد احمد بن فهد، مصدر سابق، ص216-217

 39-المصدر السابق، ص219.

 40-اولريش شيفر، مصدر سابق، ص204.

 41-يو.أ.اليوسوفكسي، مصدر سابق، ص36-37.

 42-جريدة البرافدا، 10-13/8/2012 باللغة الروسية.

 43-يو.أ.ليسوفسكي،مصدر سابق، ص35-36.

 44-بريجينسكي، مصدرسابق، ص62-63.

 45-هيكل الاقتصاد الأمريكي، وكالة الاعلام الأمريكية، بدون دار نشر، السنة 1992، ص95-96.

 46-دكتور محمد احمد بن فهد، مصدر سابق، ص199.

 47-سمير امين، الاقتصاد السياسي في القرنين العشرين والواحد والعشرين، ترجمه فهيمة شرف الدين، بيروت، سنة 2002، ص32-33.

 48-لينين، المؤلفات الكاملة، المجلد 30،ص152 باللغة الروسية.

 49-انظر لينين، المؤلفات الكاملة، المجلد 41، ص425 باللغة الروسية.

 50-جورج دبليو بوش، قرارات مصيرية، ترجمه سناء حرب، بيروت، سنة 2012، ص586.

 بغـداد

 

9 /5/2013