عملية «كاموفلاج» في القدس
عوني صادق عوني صادق

عملية «كاموفلاج» في القدس

من يتابع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، سواء على مستوى الإعلام والتصريحات أو على مستوى النشاطات والسياسات الميدانية، يلاحظ أول ما يلاحظ أنه يحاول أن يكون «دكتور جيكل ومستر هايد»! فهو أحياناً يتحدث عن أشياء ويمارسها، عندما يتعلق الأمر بتسريع عمليات الاستيطان والتهويد مثلاً، ويتحدث عن أشياء ويمارس عكسها، عندما يتعلق الأمر بما يسمى «عملية السلام والتسوية السياسية وحل الدولتين»، وهو في الحالتين، ودائماً، لا يخرج عن هدفه الوحيد والثابت منذ حكومته الثانية على الأقل، والمتمثل في أمرين: بقاؤه في رئاسة الحكومة، وكسبه الوقت لتسريع الاستيطان والتهويد والاستيلاء على أكبر ما يمكن من الأرض الفلسطينية.

وعلى سبيل المثال، يعلن نتنياهو أنه مع استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وأنه مستعد للقاء الرئيس محمود عباس فوراً! ويعلن أنه ليس ضد «حل الدولتين»، ويتقدم ب«مبادرات» ليس لإنهاء الاحتلال بل للتفاوض على المستوطنات! ويتحدث عن محاولات السلطة الفلسطينية «نزع الشرعية» عن كيانه، وعن ضرورة مواجهة دعواتها إلى المقاطعة، وتحركاتها «أحادية الجانب» في المحافل الدولية، مقحماً رأيه فيما يجري في البلدان العربية من أحداث، وموظفاً خلافاته مع الأوروبيين والرئيس الأمريكي باراك أوباما حول الاتفاق النووي الإيراني، للتشويش على الصورة العامة، مغطياً على أهدافه الحقيقية!

لكن المتمعن في تصريحات ومواقف وسياسات نتنياهو، يستطيع أن يلمس أن «قضية» معينة تبدو مختفية تحت ركام القضايا والمشاكل والمناكفات التي يخوض غمارها في الداخل والخارج، وكأن ذلك مرسوم لصرف الأنظار عنها، وهي قضية «تهويد القدس». إنه لا يمر يوم دون أن نقرأ خبرين أو ثلاثة عن مصادقة الحكومة على إقامة بؤرة استيطانية جديدة في القدس، أو هدم مبنى أو أكثر فيها، أو الاستيلاء على منزل أو أكثر في حي من أحيائها العربية، إضافة إلى الكشف عن حفر جديدة تحتها أو مخططات استيطانية جديدة في محيطها! وفوق ذلك لا بد أن تشتمل الأخبار على قتل شاب أو دهس آخر، وطبعاً عن اعتقال أو دهم أو صدور حكم ضد مقدسيين، وليست مشكلة توجيه الاتهامات والمبررات! كل ذلك يجعل واضحاً أن «المهمة المركزية» لنتنياهو أصبحت تختصر في تهويد المدينة!
وبالتزامن مع تصريحات نتنياهو عن عودته إلى «حل الدولتين»، ودعوته إلى استئناف المفاوضات، واستعداده للقاء الرئيس الفلسطيني، وفي جلسة عقدتها الكنيست بمناسبة الذكرى 48 لاحتلال القدس الشرقية، دعا نتنياهو إلى تعزيز البناء الاستيطاني في المدينة، قائلاً: إن «القدس الموحدة ستبقى عاصمة ل«إسرائيل»»، معترفاً بأن"التوحيد ليس متكاملاً وتشوبه المشاكل"، لكنه أكد «أننا لن نعود إلى الوراء»! وأضاف وكأنه يرد على من ينتقد سياساته الاستيطانية في القدس على المستوى الدولي، رافضاً النقد والنقاش في الموضوع، بقوله: «نحن لا نبني في القدس لكي نواجه المجتمع الدولي، بل نقوم بذلك بمسؤولية وتعقل لأنه حقنا الطبيعي»! وتأكيداً على «حقهم الطبيعي» ونيتهم متابعته، وافق على إعطاء أحد غلاة المستوطنين، القيادي في «الليكود» زئيف ألكين، القادم من أوكرانيا العام 1990 حقيبة القدس، ليعمل على تسريع وتكثيف الاستيطان والتطهير العرقي في المدينة المقدسة!
وفي شهر مارس/ آذار الماضي، أصدر «المركز الفلسطيني للإحصاء» تقريراً جاء فيه أن 48.5% من إجمالي المستوطنين في الضفة الغربية موجودون في مستوطنات القدس، حيث تجاوز عددهم (281 ألفاً)! وذكر التقرير أيضاً أن سلطات الاحتلال هدمت منذ احتلال القدس الشرقية في العام 1967 (1842) مبنى، ما أدى إلى تشريد (5760) فلسطينياً، وفي إشارة إلى أن عمليات هدم المنازل قد تصاعدت في السنوات الأربع الأخيرة من حكم نتنياهو.
وبحسب معلومات «مركز القدس لدراسات «إسرائيل»»، فإنه يعيش في القدس الشرقية (507 آلاف) شخص يشكلون ما نسبته 61% من مجموع سكان القدس بشطريها الغربي والشرقي، منهم 60% عرباً و40% يهوداً.
وفي إطار التضييق وتصعيب الظروف المعيشية على الفلسطينيين من سكان المدينة، تتبع سلطات الاحتلال سياسات تمييزية عنصرية لتدفعهم على مغادرة المدينة.
وبحسب جمعية حقوق المواطن «الإسرائيلية»، فإن 75% منهم تحت خط الفقر، وهم معرضون للاعتقال والقتل يومياً.
وتقول الجمعية: إنه في العام 2014 وحده تم اعتقال (1184) مقدسياً، بينهم (406) من القاصرين! ويشير المركز إلى أنه تم بناء «نحو 1000 كنيس ومدرسة دينية تستعمل كلها ككنس، حول المسجد الأقصى»!
وقبل أيام، كشف النقاب عن تفاصيل جديدة في مشروع ما يسمى (الهيكل التوراتي- مجمع كيدم)، أضخم مشروع تهويدي يفترض أن يقام بالقرب من المسجد الأقصى.
ويرجح «المركز الإعلامي لشؤون القدس والأقصى» أن تتبنى حكومة نتنياهو الرابعة هذا المشروع لتدشينه في الذكرى الخمسين لاحتلال القدس الشرقية العام 2017، ليكون مشروعاً دينياً وسياحياً يتوقع له أن يستقبل عشرة ملايين زائر سنوياً، وليكون بؤرة للسيطرة على المدينة ومحيطها.

ويوم الأحد الماضي، رفضت «هيئة التخطيط» المشروع، طالبة تعديله واختصار المبنى، الذي كان مفترضاً أن يصل إلى سبعة طوابق على أرض مساحتها (6) دونمات ومساحة بنائية تصل إلى (17000 متر مربع). وليس من حاجة إلى القول إن الرفض ليس نهائياً وهو أسلوب متبع لدى سلطات الاحتلال ينتهي بالمصادقة والتنفيذ بعد إدخال التعديلات الطفيفة عليه!

إن عمليات تهويد القدس تتسارع، وستتسارع أكثر في الأشهر القادمة، ولن ينفع لوقفها الاكتفاء بالشجب، أو مناشدة «المجتمع الدولي»!

 

المصدر: الخليج