مولدات العنف في المشهد المصري من الرمزي إلى المادي وبالعكس

منبع الدهشة هو كيف تولّد من رحم الثورة المصرية السلمية هذا المشهد العنيف والمنفلت، مع كل ما هو معروف ومتواتر من تاريخ يؤكد الميل الطبيعي للمصريين نحو السلمية ونبذ العنف. وتدور في فلك هذه القناعات، حول طبيعة الخبرة المصرية التي لا تتماشى مع العنف وتعتبره حالة طارئة ومنبوذة أخلاقياً، جميع التفسيرات التي تساق لفهم المشهد الحالي وكذلك، بالتبعية، الحلول المطروحة للتعامل معه.

 

منبع الدهشة هو كيف تولّد من رحم الثورة المصرية السلمية هذا المشهد العنيف والمنفلت، مع كل ما هو معروف ومتواتر من تاريخ يؤكد الميل الطبيعي للمصريين نحو السلمية ونبذ العنف. وتدور في فلك هذه القناعات، حول طبيعة الخبرة المصرية التي لا تتماشى مع العنف وتعتبره حالة طارئة ومنبوذة أخلاقياً، جميع التفسيرات التي تساق لفهم المشهد الحالي وكذلك، بالتبعية، الحلول المطروحة للتعامل معه.

 

ومع تطور وتصاعد أحداث العنف، تحولت التبريرات التي سيقت في تفسيره من أطروحات تبسيطية ترى أن المسؤولين عن العنف هم أطراف أخرى «تانية» بخلاف «شباب الثورة»، وبالتالي تعزل العنف عن مسار الثورة، إلى أطراف «ثالثة»، وهى أياد مجهولة، خفية، مندسة، تسعى للوقيعة بين قوى «الشعب»، إلى أطراف أو فاعلين «أدنى» أو خارجة على النسق الأخلاقي أو الاجتماعي مثل «البلطجية» و«أطفال الشوارع».

وفي كل الأحوال، يتم ربط أحداث العنف بأحاديث المؤامرة والخيانة والتمويل الخارجي، أو الاندساس أو دخول أطراف غير وطنية أو غير ثورية مثل «الفلول» و«الثورة المضادة» و«الدولة العميقة»، أو حتى أطراف غير مصرية، للمعادلة. هذه التفسيرات جميعها تقصر عن فهم سياقات العنف ودوافعه ومنحنى صعوده وشرعنته، وتزايد القبول المجتمعي له، أو غض الطرف عنه وتحوله مع الوقت إلى عمل أو ظاهرة اعتيادية.

العنف الرمزي - المادي - الهيكلي

والأخطر فيما يجري حالياً من أعمال العنف في شكله المادي المباشر، هو انطواء مسار التحول السياسي المصري على بذور أو مولدات للعنف الهيكلي، ترشح المشهد الحالي للاستمرار إن لم يكن للتصعيد. فقد عانى مسار التحول المأزوم الذي تلا ثورة الخامس والعشرين من يناير من بذور ما يمكن تسميته بمثلث العنف ذي الأضلاع الثلاثة وهي العنف الرمزي والعنف المادي والعنف الهيكلي، والتي تغذي وتكرس بعضها بعضاً. وعلى الرغم من خطورة تداعيات أحداث العنف الدامي وتواتر أحداثه، فإن المفرخة الحقيقية للعنف تكمن في ضلعيه الرمزي والهيكلي.

فقد انطوت عملية التحول التي تبنت مسار «الانتخابات أولاً»، على خمائر العنف حيث وضعت الشعب مبكراً في أتون الدعاية الانتخابية، وتنازع القوى السياسية المختلفة قبل تحقيق الحد المعقول من التوافق حول مبادئ وقواعد عملية التحول الديمقراطي، مما ولّد بذور الاستقطاب الديني والعنف الرمزي الذي تنامى بشكل غير مسبوق. ومع تعمق الانقسام الأيديولوجي ذي الصبغة الدينية، وشيوع خطابات استقطابية وانقسامية حادة، تصاعدت وتيرة العنف اللفظي المتبادل بين الفرقاء السياسيين، وامتدت من المستوى النخبوي إلى جموع المواطنين. حيث أن تبادل الاتهامات بالكفر و«العلمانية» من ناحية، والانقياد و«التنطع» وتجارة الدين من الناحية المقابلة، خرج من إطار المنتديات المحدودة ليصبح ممارسة يومية وقناعة تزداد تأصلاً يوماً بعد الآخر. وقد أدت محصلة عمليات الاستقطاب والشحن، والتماسك «العضوي» داخل كل معسكر مع رفض المراجعة أو النقد الذاتي أو الخروج عن التفكير والسلوك الجمعي، إلى التقلص المستمر لمساحات التلاقي ونزع الإنسانية أو الأخلاقية عن الخصم السياسي بل وشريك الوطن.ص

معارك الصناديق والاغتيال المعنوي

وقد أدت «معارك» الصناديق المتتالية إلى تعميق جميع أشكال العنف الرمزي من خطابات ملتهبة، واستخدام الرموز والشائعات والصور والاغتيال المعنوي للآخر مما حول العنف إلى ممارسة منهجية وأداة أساسية من أدوات إدارة الخلاف السياسي انخرط فيها الجميع، ولم يسع أي من الأطراف إلى بناء الجسور أو تمييز خطابه ومواقفه بعيداً عن آلة الاستقطاب العنيف إلا فيما ندر. الأخطر والأفدح أن الرموز والمؤسسات ذات الطبيعة الوحدوية أو الجامعة لم تنأ بنفسها عن ماكينة الاستقطاب العمياء، بحيث أصبحت بشكل أو بآخر محسوبة على أحد طرفي الصراع والفرقاء السياسيين، يستوى في ذلك المسجد كمؤسسة دينية/ اجتماعية، أو مؤسسة الرئاسة كمؤسسة سياسية تنفيذية.

وقد تجلى ذلك عملياً في أن استخدام بعض المساجد كمنابر للدعاية السياسية ونفي الآخر وتوظيف ألوان العنف الرمزي والاستقطاب الأيديولوجي في مؤسسة الأصل فيها أنها وحدوية تجمع ولا تفرق، كان الأب الشرعي لصراعات المساجد وحصار المشايخ بعد عامين من الثورة في مشهد لم يكن ممكناً تصوره من قبل.

فالعنف الرمزي وإن كان لا يقتل أو يريق دماً، إلا أنه مهد الطريق وما زال أمام تصاعد وقبول العنف المادي وتصاعد أحداثه من إلقاء الطوب أو الزجاجات الحارقة إلى إراقة الدماء، حيث تترتب على العنف الرمزي– وفقا ليوهان جالتونج في نظريته حول العنف الثقافي- آثار قد تغير الطابع أو الصبغة الأخلاقية للعنف «المادي أو المباشر» من اللون الأحمر أي الممنوع والمستهجن إلى الأخضر أي المسموح أو الأصفر بمعنى المسكوت عنه أو المقبول به. ومن ثم فالعنف الثقافي بأدواته الرمزية هو الذى يشرعن العنف المادي. بل يذهب جالتونج إلى أن العنف المباشر قد يكون أقل خطورة لأنه مجرد حدث أما العنف الرمزي، وكذلك الهيكلي فهما عمليات مستمرة تفرز العنف وتتسم بقدر أكبر من الديمومة.

«الهيكلي».. الأخطر في الثالوث!

ويرتبط العنف الهيكلي- وهو الضلع الثالث والأخطر في ثالوث العنف- بدوره بمسار التحول السياسي منذ ثورة يناير، ومنبعه أن العملية السياسية التي أعقبت الثورة اتسمت بقدر كبير من اللاتكافؤ بين أطراف مختلفة من حيث عناصر قوتها وقدرتها على التأثير، بحيث تتشتت عناصر القوة بين أطراف سياسية ومجتمعية ومؤسساتية مختلفة، تمتلك كل منها بعض عناصر القوة والشرعية ولا يستطيع أي منها الانفراد بإدراة العملية السياسية ولكنها تعجز مع ذلك عن العمل معاً أو إدارة عملية توافقية. هذا الاختلال بين أطراف يملك كل منها تميزاً حدياً في أحد عناصر القوة ويفتقد تماما القدرة على التأثير في العناصر الأخرى يفرز عملية أميل للطابع الصراعي، خاصة إذا أدير التفاعل من خلال مباراة صفرية وسعي كل طرف إلى شد الآخرين على الأرضية التي يتفوق فيها ونفي أو تجاهل عناصر تفوقهم المادية أو المعنوية. فالطرف الذي يملك الشرعية المؤسساتية في المشهد الحالي لا يملك بالضرورة القدرة على التأثير على الشارع، ومن يملك القدرة على التنظيم والفوز بالصناديق، لا يمتلك بالضرورة التأثير على قنوات الرأي أو مفاصل الاقتصاد. ومن ثم فاختزال تفاعل هذه الأطراف جميعها في عملية ذات بعد أحادي تنتهي دائماً بفوز الطرف نفسه وخسارة الأطراف الأخرى، يقلل من ميل الأطراف جميعها نحو التوافق، ويدفع الأطراف الخاسرة من التفاعل إلى اللعب خارج الإطار أو المحاولة الدائمة لتغيير شروط اللعبة. فاختزال التحول الديمقراطي في شرعية «الصندوق»، وتجاهل أطراف مؤثرة في عملية التحول قد لا تستطيع كسب معارك الصناديق ولكنها تملك من القدرات ما يجعل التجاهل المستمر لمصالحها أو مطالبها أو الفئات التي تمثلها، يعتبر من المولدات الهيكلية للعنف بأشكاله المختلفة.

يعبر عن تلك الحالة السياسية الصراعية، المبارزات المتتالية المختزلة بين «الصندوق» أو الشرعية الانتخابية من ناحية، وشرعيات متتالية تتبدل وفقاً للمواقف أبرزها شرعية القانون أو القضاء والتي عبرت عنه «معركة» الإعلان الدستوري في 22 نوفمبر ثم العدول عنه بعد استدعاء الشارع للمشهد السياسي. يأتي في هذا السياق كذلك المعركة الرمزية المستمرة بين النظام الحاكم من ناحية و«الإعلام» المستقل أو الخاص من ناحية أخرى. هذه النزالات المختلفة ما هي إلا تعبيرات عن تصارع أطراف يمتلك كل منها بعض خيوط اللعبة ولا يستطيع السيطرة عليها مع ميل كل طرف لنفي الآخر أو فرض القواعد التي تعبر عن عناصر قوته والاحتكام إلى شرعية عوراء، وانتهاج سياسات حافة الهاوية بهدف تعظيم المكاسب، و فرض الأمر الواقع، مع استدعاء الحشود كعامل ترجيحي أو قوة ضغط، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار يكون اندلاع العنف فيها متوقعاً وأحيانا مقبولا بهدف تغيير قواعد اللعبة.

هذه «المولدات» المستمرة للعنف التي تغلب على العملية السياسية المصرية وسياقها الثقافي والرمزي هى التربة الخصبة التي ينمو فيها العنف ويزداد دموية، مهما اختلفت الأسباب المباشرة أو أبطال أو مناطق انفجار العنف، أو الأطراف السياسية الضالعة في الأعمال الصدامية أو الساكتة عنها.

هذه الحالة الاستقطابية والتربة الصراعية لا تنذر فقط بتصاعد العنف المادي، وإنما إمكانية انفلاته إذا ضلعت المؤسسات الأمنية الجامعة في الحالة الاستقطابية أو الأسوأ في حالة خصخصة الوظيفة الأمنية مع ادعاء أطراف مجتمعية أو سياسية بعينها رغبتها أو نيتها الحلول محل مؤسسات الدولة الأمنية في فرض أو إقرار الأمن، والاستخدام «المشروع للعنف»، ومن ثم تحول موجات العنف إلى مستويات منذرة من العنف الأهلي!

 

● مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

تمت قرائته 1916 مرة ، آخر تعديل على المقال - السبت, 12 تشرين1/أكتوير 2013 14:26