افتتاحية قاسيون 1153: «الخطوة مقابل خطوة».. ما خفي أعظم!

افتتاحية قاسيون 1153: «الخطوة مقابل خطوة».. ما خفي أعظم!

تواصل أطرافٌ سورية ودولية الحديث عمّا تسميه خطة «الخطوة مقابل خطوة»، وبالتوازي تظهر تحليلات وقراءات إعلامية- سياسية، تصنف هذا التفصيل أو ذاك مما يجري في سورية وحولها، بوصفه جزءاً من تنفيذ هذه الخطة. ولكن السؤال الذي لا يجد أيّ إجابة عنه: ما هي هذه «الخطوة مقابل خطوة»؟

حتى حين يتمّ سؤال المبعوث الدولي لسورية غير بيدرسن، الذي من المفترض أنه هو صاحب هذه الخطة، فإنّه، وبعد أكثر من سنة على طرحها، لا يملك (أو لا يقدم) أيّ جوابٍ ملموس عن ماهيتها وعناصرها... ما يعني فعلياً أنّ «ما خفي أعظم».

مع ذلك، فإنّه ليس من الصعب فهم فحوى ومضمون هذه الخطة، انطلاقاً من معرفة من يقفون وراءها، وما هي مصالحهم؛ فليس سراً أنّ الداعم الأساسي لـ «خطوة مقابل خطوة» هو الأمريكي، والذي عبر كل سنوات الأزمة، كان جهده الأساسي متركزاً على إطالتها وتعميقها، وصولاً إلى إنهاء أي دور لسورية، وإنهائها هي نفسها إنْ أمكن.

يكفي التذكير بما قاله مبعوث واشنطن لسورية، جيمس جيفري، الذي اعتبر أنّ «الجمود هو الاستقرار» المطلوب في سورية، وأنّ مهمته هي «تحويل سورية إلى مستنقع للروس». هذه الكلمات تلخص في الحقيقة السياسة الأمريكية ليس اتجاه سورية فحسب، بل واتجاه العالم بأسره؛ فالعالم بأكمله هو ساحة حربٍ واحدة مطلوب إشعالها عبر حروب هجينة لا نهائية، دفاعاً عن الهيمنة الأمريكية المتداعية، وهروباً من الأزمة الرأسمالية في طورها الحديث.

بالعودة إلى «الخطوة مقابل خطوة»، فإنها في جوهرها ليست أبعد مما قاله جيفري؛ هي خطة «استقرار الفوضى» وإدامتها وتعميقها. كما أنّ شعار «خطوة مقابل خطوة» ليس إلا تطويراً للشعار الغربي «تغيير سلوك النظام»، بدلاً من الحل السياسي وبدلاً من 2254. أي أنّ «الخطوة مقابل خطوة»، ورغم أنّ القائلين بها يتغطون بـ 2254، إلا أنها في الحقيقة مسارٌ آخر تماماً، لا علاقة له بالقرار الدولي، وهو في الحقيقة مسارٌ معاكس تماماً لمسار الحل السياسي عبر 2254، الذي يضمن تنفيذه توحيد سورية والشعب السوري مجدداً، وخروج كافة القوات الأجنبية منها، والبدء بالتغيير السياسي انطلاقاً من التوافق بين السوريين وعلى أساس إرادة السوريين.

على العكس من ذلك، فإنّ «خطوة مقابل خطوة»، هي سلسلة صفقات من تحت الطاولة، تتغطى بالقرار الدولي، وتوحي للمتشددين من السوريين بأنها مستعدة لمنحهم «الرضا» مقابل تنازلات معينة ليس للشعب السوري، بل لتلك الدول بالذات، وعلى رأسها واشنطن، ومعها بطبيعة الحال، الكيان الصهيوني متعاقداً من الباطن، وربما من الظاهر في مراحل لاحقة.

جوهر الخطة، هو منع الحل السياسي وتعميق التقسيم وتكريسه، للحفاظ على حالة الشلل القائمة في سورية وفي دورها الإقليمي في أكثر اللحظات التاريخية، التي يفترض أن يحضر فيها هذا الدور، ولإبقاء «الجمود» وتكريسه لاستكمال تهجير القسم الأعظم من الشعب السوري، على أمل ألا يعود هنالك حاملٌ مادي لبقاء سورية كدولة، عملاً بوصفة شمعون بيرز لـ«الشرق الأوسط الجديد».

يقول الخبراء الاقتصاديون: إنّ الهرم المالي الدولاري في أحسن أحواله يقوم على تناسب بين التضخمي والحقيقي هو 100 إلى 1، أي أنّ الحجم الاقتصادي الفعلي لواشنطن على المستوى العالمي هو في الحقيقة 1% من الوزن الظاهري الذي ما تزال تحتله حتى اللحظة. الأمر نفسه ينطبق على المخططات السياسية والمشاريع التي تتبناها واشنطن، من «الناتو العربي» إلى «اتفاقات أبراهام» إلى «صفقة القرن» إلى «الممر الهندي الشرق أوسطي الأوروبي».. وغيرها وغيرها، وصولاً إلى «الخطوة مقابل خطوة»... الوزن الحقيقي لهذه المشاريع على أرض الواقع لا يتجاوز بأحسن الأحوال 1% من حجمها الإعلامي السياسي...

(English version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1153
آخر تعديل على الأحد, 17 كانون1/ديسمبر 2023 20:03