حول خرافة إغلاق الحدود السورية العراقية

حول خرافة إغلاق الحدود السورية العراقية

قبل شهرين تقريباً، بدأت أوساط إعلامية غير رسمية بالحديث عن نيّة أمريكية للعمل باتجاهين متكاملين؛ الأول هو إغلاق الحدود السورية العراقية، والثاني هو وصل الشمال الشرقي مع الجنوب بحيث تكون منطقة الـ55 في التنف هي مركز هذا الوصل. وأن يتحول هذا كلّه إلى أداة أمريكية في الضغط لتحديد مصير سورية اللاحق، بما في ذلك احتمالات تقسيمها.

وسائل الإعلام الغربية والأمريكية لم تنف وجود هكذا «مخطط»، ولم تؤكده. ولكن بالمقابل، فإنّ متشددين في كل من النظام والمعارضة، روّجوا لهذا المخطط باعتباره أمراً واقعاً يجري العمل عليه، بل وذهبوا إلى إدراج كل التطورات التي تجري في الجنوب وفي الشمال الشرقي وفي دير الزور ضمن هذا الإطار نفسه... فما هي حقيقة الأمر؟
قبل كلّ شيء ينبغي فهم حقيقة أساسية، وهي أنّ الولايات المتحدة الأمريكية باتت أعجز من أن تغلق الحدود السورية العراقية، بل وأكثر من ذلك فإنّ وجودها نفسه في سورية وفي العراق بات مهدداً، واحتمالات إنهائه تتصاعد كل يوم. هذا ما تثبته الوقائع، ليس على المستوى الدولي والإقليمي فحسب، بل وأيضاً على المستوى المحلي وعلى الأرض، وفي كلٍ من العراق وسورية على السواء... فلماذا إذاً يجري ترويج إشاعات هي عكس ما يجري على أرض الواقع تماماً؟

جوهر المسألة

ما يجري فعلياً هو أنّ سطوة الأمريكي سواء في الشمال الشرقي وفي الشرق، أو في المناطق الأخرى من سورية، تسير نحو التضاؤل. بالتوازي مع ذلك تظهر ملامح وبدايات موجة جديدة من الحراك الشعبي، وكي يتم تخوين هذا الحراك بقضه وقضيضه كما هي العادة، يجري العمل من جانب متشددين في النظام لاعتباره جزءاً من «المخطط الأمريكي المفترض»، فليست هنالك أية أسباب داخلية لكي تتحرك الناس، ليس هنالك قهر ولا نهب ولا إذلال ولا استهتار ولا رفع دعم ولا لبرلة... هنالك فقط «مخططات خارجية».
بالتوازي، يسعى متشددون في المعارضة، إلى دفع الحراك الوليد نحو أنفاق الأشكال والشعارات السابقة، ويحاولون أن يدسوا ضمنه أفكاراً وشعارات يقدمون من خلالها كعادتهم خدمة للمتشددين في النظام بمحاولة إثبات صحة مقولة «المخطط الخارجي».
المخططات الخارجية موجودة دائماً، ولكن اختراع مخططات خرافية ووهمية، يصب ضد المصلحة الوطنية السورية لأنه يبعد عن العين وعن العقل المخططات الخارجية الحقيقية. وقبل الحديث عن هذه، ينبغي التأكيد مرة أخرى أنّ الحديث عن إغلاق الحدود السورية العراقية هو حديث «فالصو» لا أساس له، والأمريكيون ومعهم الصهاينة أعجز من أن ينفذوه.

المخطط الحقيقي

عمق المسألة يكمن في أنّ الترويج الكثيف لخرافة إغلاق الحدود السورية العراقية، يهدف إلى ما يلي:
أولاً، إعطاء الذريعة والمبرر لقسم الحركة والبطش بها إنْ استدعت الحاجة ذلك.
ثانياً، التأثير على الحركة عبر إيهام الناس مرة أخرى بأنّ الدعم الأمريكي قادم، وضمن هذا الجو تشجيع الطروحات المعادية لمصالح الناس التي يحاول البعض دسها من داخل الحركة نفسها، مثل الحديث عن «إدارة ذاتية» وما شابه، سواء بشكل مباشر أو مقنّع.
ثالثاً، تصوير ما يجري في دير الزور لا وفقاً لحقيقته بوصفه تعبيراً عن رفض سياسات جرى فرضها عبر سنوات لم تختلف في جوهرها عن سياسات الفساد والهيمنة التاريخية. وبالطبع محاولة إخفاء حقيقة أنّ ما يجري هو ضعف إضافي للأمريكيين في تلك المنطقة بالذات التي يجري ترويج خرافة أنّ الأمريكيين سيغلقونها...
رابعاً، محاولة الإيحاء بأن بدايات الموجة الجديدة من الحركة الشعبية هي نتاج مخططات مشتركة صهيونية أمريكية، عبر التنف وباتفاق من تحت الطاولة مع الدول العربية. وهذا الأمر هراءٌ كامل. أولاً لأنّ الأسباب الموضوعية للموجة الجديدة داخلية بالدرجة الأولى، واقتصادية اجتماعية قبل كل شيء آخر. وثانياً، لأنّ الدول العربية المطبّعة التي من الممكن أن تسعى بهذا الاتجاه هي اليوم في صف خلفي ضمن مقاعد الدول المؤثرة في الوضع السوري، ونقصد الإمارات بشكل خاص، والأردن إلى حدٍ ما، وذلك بمقابل وجود كل من السعودية ومصر في الصف الأول وفي تنسيق بات شبه علني مع مجموعة أستانا.
وإذاً، فإنّ المخطط الحقيقي هو محاولة تكرار سيناريو 2011 كما هو، ولكن مع تطويرات هدفها ركوب الحركة الشعبية من جانب المتشددين لتمرير صفقاتهم من تحت الطاولة التي عجزوا حتى الآن عن تمريرها... والتي لن يتمكنوا لا هم ولا الصهيوني ولا الأمريكي من تمريرها بأي حالٍ من الأحوال...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1138
آخر تعديل على الجمعة, 05 كانون2/يناير 2024 22:05