_
كلمة عن «الشعب المتخلف»

كلمة عن «الشعب المتخلف»

يحمل تعبير «التخلُّف» الدارج الاستخدام في مناحٍ متعددة، منها العلمي والسياسي والإعلامي، أبعاداً متعددة ومتشابكة.

اقتصاد كلي

ربما يكون البعد الاقتصادي التنموي، والتكنولوجي ضمناً، لمفهوم التخلف، هو أكثر الأبعاد وضوحاً وأكثرها قابلية للقياس؛ إذ يمكن المقارنة على أساس الأرقام الاقتصادية بين الدول والمجتمعات بسهولة نسبية، رغم أنّ هذه المقارنة ينبغي أن تكون حصيفة لا تكتفي بمؤشر بعينه، خاصة أنّ بين المؤشرات الاقتصادية ما تحمل من التضليل أكثر مما تحمله من الحقيقة؛ كمثال على ذلك مؤشر GDP أو الناتج الإجمالي المحلي، الذي يعكس بحجمه المطلق، وبلا شك، درجة ما من التطور أو التخلف، ولكنّ الاستناد إليه وحده يقود بالضرورة إلى نتائج خاطئة، إذ لا بد أن يضاف إليه، أولاً عدد سكان الدولة المعنية، ثم حصة الفرد الوسطية من الناتج، وأهم من ذلك هي القيمة الشرائية لهذا الناتج أو ما يسمى GDP (PPP)، وأهم من هذا وذاك، حصة الإنتاج الحقيقي (صناعة، زراعة، إنشاء) من الناتج الإجمالي.

اقتصاد- اجتماعي

الزاوية السابقة في الدخول لمعالجة موضوع التخلف، تقترب من الجانب الاجتماعي لظاهرة التخلف كلما جرى التعمق فيها من الأرقام والحسابات الورقية والنظرية، نحو الحسابات الأكثر ارتباطاً بالمجتمع. فالحديث عن ثروة بلد بعينه وما لحجم هذه الثروة من علاقة بالتطور العلمي والاجتماعي، يصبح سراباً كاملاً في حال لم يجر الحديث إلا عن الحجم المطلق للثروة فحسب، بل وعن نسب توزيعها ضمن المجتمع، فأياً يكن حجم الثروة، إنْ كان الجور في التوزيع يحرم النسبة الأكبر من المجتمع من هذه الثروة، فإنّ الأمراض الاجتماعية المختلفة المؤسسة على الفقر والبطالة، ستكون موجودة حكماً، وتزداد عمقاً كلما كان توزيع الثروة أكثر جوراً.

اقتصاد- سياسي

توزيع الثروة كعامل أساس في فهم ظاهرة التخلف، يقود إلى دراسة البنى السياسية في الدولة أو المجتمع موضع الدراسة، فكلما كان توزيع الثروة أكثر جوراً، كلما زادت حاجة السلطة الحاكمة إلى القمع بأشكاله المختلفة. القمع الذي لا يستهدف إسكات الناس بشكل مؤقت عن المطالبة بتوزيع ثروة أكثر عدلاً فحسب، بل ويستهدف إيصال المجتمع إلى حالة من الركود المستمر، حالة مستنقعية بكل المعاني، تحجب إمكانية التغيير من جهة، وتفتح الباب نحو قيادة أية محاولات تغييرية نحو الزواريب الطائفية والقومية والمسلحة بحيث يسهل قمع تلك المحاولات وتأريضها.

اقتصاد- ثقافي

في الإطار السابق نفسه، إنّ تكريس المستوى المتدني علمياً وثقافياً، بالتوازي مع قمع الحريات السياسية، يتحول شيئاً فشيئاً من كونه انعكاساً لطبيعة السلطات السائدة، وخاصة في الدول المسماة نامية، إلى فعلٍ مقصود وممنهج...

من الأكثر تخلفاً؟

إنّ أول ما يسترعي الانتباه في موجات الحراك الشعبي، هو تنطح مثقفي السلطة إلى وسم الشارع والناس بشتى نعوت التخلف والهمجية وإلى ما هنالك، علماً أنّ هذه النعوت لو صدقت جزئياً أو كلياً، فهي إدانة للسلطات أكثر منها إدانة للناس أنفسهم.
ولكنّ ما هو أهم من ذلك، هو أنّ الصدمة التي تتلقاها السلطات بصعود الحركة الشعبية، وبمدى عمقها وعنفوانها، وجهوزيتها للولادة بشكل مستمر، يعكس في جوهره تخلف السلطات نفسها مقارنة بالناس... التخلف المعرفي بالدرجة الأولى، وبدرجات تالية تخلف أدوات استشعار ما يجري في المجتمع، وأدوات استشعار حجم التحمل الممكن.
إنّ التخلف الموجود في بلدنا وفي منطقتنا، وفي مناطق عديدة من العالم، هو واقع لا يمكن إنكاره، ولكن ما ينبغي التفكير والبحث فيه، ليس فقط مسؤولية الأنظمة السياسية والنظام العالمي ككل عن هذا التخلف فحسب، بل وحتى أبعد من ذلك، تطبع الطبقات السائدة بثقافة التخلُّف إلى الحد الذي تغدو معه متخلفة حتى عن الجماهير التي تسعى إلى إبقائها متخلفة.
بكلام آخر، فإن المقولة الماركسية التي لا تزال صحيحة والقائلة بأنّ «الطبقة السائدة تطبع المجتمع بثقافتها»، ربما باتت بحاجة إلى تطوير هو أنّ الطبقة السائدة نفسها وفي إطار فرض هيمنتها على المجتمع لمنع تطوره، تتحول هي نفسها إلى طبقة متخلفة، ليس بالمعنى التاريخي العام فقط، أي كطبقة رجعية لا بد من إزالتها لفتح باب التطور، بل وأيضاً متخلفة بالمعاني الخاصة الثقافية والاجتماعية والعلمية... وعند هذا الحد يمكن القول براحة ضمير، إنّ الشعوب رغم ما تُنعت به من تخلُّف، إلا أنها أكثر تطوراً بمراحل من السلطات والأنظمة...

معلومات إضافية

العدد رقم:
949
آخر تعديل على الثلاثاء, 21 كانون2/يناير 2020 22:24