_
ما الذي يعنيه نقل أعمال اللجنة إلى دمشق؟
سعد صائب سعد صائب

ما الذي يعنيه نقل أعمال اللجنة إلى دمشق؟

بعد لأيٍ، وبعد جهودٍ مضنية استمرت قرابة العامين، خرجت اللجنة الدستورية إلى النُّور لتعقد أول اجتماعاتها الموسعة يوم 30 من الشهر الماضي، والذي تلاه اجتماع للجنة المصغرة استمر أسبوعاً آخر. وهي تتحضر الآن لانعقاد الدورة الثانية يوم الإثنين 25 تشرين الثاني.

نناقش في هذه المادة، ومن وجهة نظرنا الخاصة، معنى وأهمية الطرح الذي تقدمت به منصة موسكو للمعارضة السورية حول نقل اجتماعات اللجنة الدستورية إلى دمشق، ضمن ناظمين أساسين هما تأمين الضمانات اللازمة، وكذلك استمرار دور الأمم المتحدة الميسّر، وذلك ضمن عناوين أساسية هي التالية (رمزية المكان، المعنى السياسي للمكان، ذرائع الرافضين)


رمزية دمشق


لا يمكن لوطنيٍّ سوريٍّ، أياً كان موقفه واصطفافه السياسي، أن يتعامل برضا مع مسألة كتابة دستور بلاده خارج الأرض السورية؛ فعدا عن المعنى الوطني الواضح لهذه المسألة، فإنّ التاريخ السوري يشهد بأنّ التجربة الدستورية لسورية، واحدةٌ من أقدم التجارب الدستورية وأكثرها ريادة، على الأقل مقارنة بأكثر من ثلثي دول العالم، ابتداءً من دستور 1920، ومروراً بالدساتير السورية المتلاحقة، الدائمة منها والمؤقتة. وذلك إلى جانب المساعدة التي قدمها السوريون لعدة دول عربية في صياغة دساتيرها. في ظَلَّ هذا كلّه، تغدو مسألة كتابة دستور لسورية خارجها، مسألة نافرة وخروجاً عن السياق التاريخي التطوري لسورية.
واستباقاً، نقول هنا، إنّ من المحق تماماً أن يتساءل الإنسان عن معنى الكلام السابق كلّه في حال كان الظرف الملموس غير سامح بذلك، وبالدرجة الأولى مسألة الأمان الشخصي المباشر لأعضاء اللجنة أنفسهم وعائلاتهم واحتمالات تهديدهم أو الضغط عليهم وإلخ... ولكن إذا جرى تأمين الضمانات اللازمة وبإشراف من الأمم المتحدة، هل يمكن أن يبقى هذا السؤال قائماً ومشروعاً؟ هذه مسألة سنناقشها بشكل أكبر في العنوان الثالث.


المعنى السياسي للمكان


بالعودة إلى رمزية المكان، وبالارتباط معها، ليس بالمعنى الوطني والتاريخي فحسب، بل وأيضاً من وجهة نظر سياسية مباشرة ارتباطاً بالقرار 2254، فإنّ هذا القرار ينبغي أن يطبَّق في نهاية المطاف في سورية نفسها، وعلى الأرض السورية، وليس خارجها.

بهذا المعنى أيضاً، فإنّ مختلف المسارات المتعلقة بالحل السياسي (جنيف، أستانا، سوتشي)، والتي تتوزع على خارطة الكوكب، تلتقي في أمرين شديدي الوضوح: 2254 كأساس لها جميعاً، وسورية كمكان للتطبيق. رغم الوضوح الشديد لهذه الحقيقة بجانبيها (2254 كجوهر لكل المسارات، الأرض السورية كمكان للتطبيق)، إلّا أنّ السِّجال السياسي الذي تصدرته قوى متشددة عبر سنوات الأزمة الطويلة، كان يعمل دائماً على تشويه هذه الحقيقة؛ تارة عبر اختلاق تناقض بين هذه المسارات وجعلها معادية لبعضها البعض أو منقطعة الصلة فيما بينها، وتارة أخرى عبر محاولة فصل جزء من هذه المسارات أو كلها أحياناً عن القرار 2254، وأخيراً عبر محاولة فصل المسارات الثلاثة و2254 عن سورية نفسها، لتحويلها كلها إلى عوامل هامشية سواء بالنسبة لأولئك الذين لا يريدون أي تغيير في الداخل السوري، أو بالنسبة لأولئك الذين يريدون تغييراً انقلابياً لا ينسجم لا مع 2254 ولا مع بيان جنيف، ولا مع أي قرار من القرارات الدولية. لتصبح المسألة بالنسبة للمتشددين من هذا الطرف ومن ذاك، متشابهة، بل وأحياناً متطابقة في كيفية تعاملها الملموس مع هذه المسألة ومع القرار 2254؛ حيث يتحول التأييد الشكلي للقرار إلى «مراوغة» سياسية اضطرارية بانتظار تغيّر موازين القوى بما يسمح بالعودة إلى الطروحات الأولى والشعارات الأولى. وبالطريقة نفسها مع بعض التعديلات، يسعى من يرفضون أي تغيير كان، إلى «مراوغة» سياسية أيضاً، وبانتظار تغيُّر ميزان القوى بما يسمح بسحق أي أمل في التغيير.

ويتقاطع هذا وذاك في محاولتهما إبقاء الأمور معلقة، وإبعاد شبح تطبيق القرار 2254 الذي يعني في جوهره، تجاوز المتشددين من كل الأطراف لتهيئة الظروف المناسبة للشعب السوري لكي يتخذ قراره بنفسه، ولكي يقرر مصيره، ولينقل بلاده باتجاه جديد من الواضح أنّ نخباً في الطرفين المتشددين لا تريده بل وتخشاه، وربما لمعرفتها العميقة برأي السوريين بها، سواء كان هؤلاء السوريون محسوبين شكلياً في إطار المعارضة أو في إطار الموالاة.
نضيف إلى ذلك، أنّ انتقال أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق، ضمن الناظمين الذين أكدت عليهما منصة موسكو، أي الضمانات اللازمة وإشراف الأمم المتحدة، يعني انطلاق عملية التغيير بشكل حقيقي، يعني انطلاق عملية التنفيذ الفعلي للقرار 2254؛ أي إنّ الطرفين المتشددين الذين لا يزالان يتهربان من الاعتراف ببعضهما البعض، بل ويكيلان لبعضهما من التهم والتصريحات ما يشعل حروباً أشد من كل تلك التي مرت حتى الآن، وحين يكونان مع بعضهما البعض على طاولة واحدة في دمشق بالذات، وليس في جنيف، أي داخل سورية نفسها، سيجدان نفسيهما في مواجهة الحقيقة التي لا يبدو أنهما يحبانها إطلاقاً: التغيير سيأتي بإرادة السوريين وقرارهم، وكل الأطراف السياسية ستكون مضطرة إلى العودة إلى الشعب السوري نفسه ممرّاً إجبارياً نحو الشرعية في سورية الجديدة، التي يقرر الشعب السوري شكلها ومضمونها.

بكلام آخر، فإنّ نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق، لا يعني فقط بدء تنفيذ القرار 2254، بل ويعني في الجوهر بدء تطبيق حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه، وضمناً في إظهار رأيه الحقيقي في كل القوى التي تتصدر المشهد! وضمن هذا السياق، يغدو من المفهوم تماماً لماذا يصبح طرحٌ من هذا النوع «مرعباً» لمتشددين من أطراف مختلفة، أياً كانت مواقفهم المعلنة من هذه المسألة.


ذرائع الرافضين


تتلخص ذرائع رافضي الفكرة المعلنة بما يقولونه في نقطتين أساسيتين: الأولى هي «الخوف من قمع النظام واحتمالات تهديده المباشر لحياة أعضاء اللجنة وحياة أسرهم، ناهيك عن تهديد الممتلكات»، والثانية في أنّ «نقل اللجنة إلى دمشق، يعني اعتراف المعارضة بالنظام»!
سنعالج هذين الطرحين كلاًّ على حدة، ونبدأ مع مسألة الخوف. إنّ ما طرحته منصة موسكو مقرون بشكل واضح بوجود الضمانات اللازمة وبإشراف الأمم المتحدة، وهذا وحده كافٍ لإسقاط هذه الذريعة لو كانت النية لدى الرافضين صادقة، أي لو جاء رفضهم مثلاً ضمن إطار القول إنّ الضمانات ليست متوفرة حتى الآن، ولكن حين توفرها فإننا نوافق على الفكرة. أكثر من ذلك، وليقين الرافضين بأن ذريعتهم واهية وهشة وشديدة الضعف، يمكن متابعة تصريحاتهم، وتصريحات المواقع والمنابر الإعلامية الموالية لهم، والتي أغفلوا فيها بشكل كامل ما قالته منصة موسكو حول الضمانات وإشراف الأمم المتحدة، لكي يغدو الموضوع كله أنّ منصة موسكو تدعو إلى نقل الاجتماعات إلى دمشق، ونقطة انتهى.

من جهة أخرى، وفي مناقشة مسألة الخوف نفسها، فإنّ ما يقوله المتشددون في الطرف المعارض خاصة، عن «خوفهم»، يعكس جانباً آخر أكثر عمقاً، ويفضح مسألة قلناها مراراً: هؤلاء يطرحون شعارات كبرى يريدون للسوريين أن يدافعوا عنها بدمائهم وبيوتهم وأموالهم، في حين يبقون هم خارج البلاد آمنين مطمئنين مزاودين بـ«ثوريتهم» على الناس. وفي هروبهم وإغفالهم لما قالته منصة موسكو عن الضمانات اللازمة، وإنْ افترضنا أنَّ تلك الضمانات لن تكون كافية لتحقيق أمانهم مئة بالمئة، فإنهم يقدمون شهادة فقر حال ثوري جديدة عن أنفسهم؛ فأي نضال ثوري ذاك الذي يريدونه، نضال فنادق ومؤتمرات خالٍ من أي احتمال خطر؟! أليست بهم رغبة كـ«ثوريين» أن يكونوا في سورية نفسها، وأن يطرحوا آراءهم و«برامجهم» ويناقشوها مع الناس بشكل مباشر، كما تفعل أية قوة سياسية طبيعية، ولا نقول هنا ثورية؟!

بما يتعلق بمسألة «الاعتراف بالنظام»، فإنّ من يلقون هذه الذريعة أقل ممن يلقون الأولى، لأنها أكثر فجاجة ووقاحة في تعارضها مع القرار الدولي 2254، فالقرار حين يتكلم عن التوافق وعن التراضي، إنما يتكلم ضمناً عن اعتراف كل طرف بالطرف الآخر، لأنّ الاتفاق مستحيل دون عتبته الأولى: الاعتراف المتبادل. ولذا فإنّ من يطرحون هذه الذريعة عليهم أن ينتبهوا جيداً إلى معنى ما يقولون.

بالعودة إلى مسألة الخوف، يمكننا القول إن جوهر المسألة ربما يكمن في التركيبة المتصدِّرة ضمن المعارضة المتشددة، والملأى بالمسؤولين السابقين المدللين في حياتهم «الموالية» و«المعارضة»، والذين لم تكن لهم علاقة في يوم من الأيام، لا بالنضال السياسي على عمومه، ولا بالنضال الثوري خاصة. وهؤلاء لا غرابة إطلاقاً في أن يكون ديَدنهم هو الخوف.
على المقلب الآخر، فإنّ بين من يعلنون موافقتهم على الفكرة بعد طرحها، من يعلن ذلك صادقاً في ما نعتقد، ولكن بينهم أيضاً متشددون يعلنون موافقتهم من باب الحرج السياسي، ويعولون على رفض الطرف الآخر لها كي تبقى بعيدة عن التطبيق. هذا على الأقل ما يمكن استنباطه مباشرة من سلوك المتشددين الجليِّ والواضح في محاولة التقليل من شأن اللجنة الدستورية، بل ومن القرارات الدولية ككل، وعلى رأسها القرار 2254، وأيضاً في حقيقة واضحة، هي رفض المتشددين لتغيير حقيقي ينهي الأزمة ويفتح الباب أمام سورية جديدة، يعلو فيها الصوت الحر للشعب السوري فوق كل الأصوات الأخرى...


في الختام

إنّ انتقال أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق، وعلى أساس توفير الضمانات اللازمة وبإشراف الأمم المتحدة، هو مطلب محقُّ ووطنيٌّ بكل المقاييس، وهو مطلب لا ينسجم مع 2254 وجنيف وأستانا وسوتشي فحسب، بل ويفتح الطريق نحو التنفيذ الفعلي لها، بعيداً عن «المراوغات» السياسية التي تبقي مأساة الشعب السوري قائمة وتزيدها عمقاً، وتثخن في قلوب السوريين طعناً، بانتظار تغيُّرات دولية تقود نحو منع التغيير كلياً، أو نحو تغيير انقلابي، ليس أمام أيٍّ منهما أية فرصة واقعية بالتحقق.

معلومات إضافية

العدد رقم:
941
آخر تعديل على الإثنين, 02 كانون1/ديسمبر 2019 13:49