_
عن التجربة الصينية في مكافحة الفقر
مالك موصللي مالك موصللي

عن التجربة الصينية في مكافحة الفقر

حققت الصين إنجازات مشهودة مع تسارع نموها الاقتصادي والاجتماعي وتعمّق قضيتها في مكافحة الفقر منذ تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح قبل أربعين سنة، فتمّ تخليص 700 مليون فرد من الفقر، وبذلك تتصدر الصين دول العالم من حيث عدد السكان الذين تم انتشالهم من الفقر. كيف حققت الصين هذه الإنجازات؟

وفقاً لخط الفقر في الصين، المحدد بألفين وثلاثمائة يوان من الدخل الصافي للفرد سنوياً حسب الأسعار الثابتة لعام 2010، انخفض عدد سكان الريف الذين يعيشون تحت خط الفقر من 770 مليوناً في عام 1978 إلى 30,4 مليون في نهاية عام 2017، أي بانخفاض قدره 740 مليوناً. ما يعني أنه وخلال الأربعين عاماً الماضية، تخلَّص معظم سكان الريف من الفقر وتحسن مستوى معيشتهم بشكل ملحوظ.

النمو الاقتصادي القوي قوة دافعة للحد من الفقر

ساهمت عوامل مختلفة في نجاح الصين في الحد من الفقر. والعامل الأهم من بينها، هو: النمو الاقتصادي السريع، وخاصة التنمية الزراعة والتنمية الريفية. حيث إن المحرك الأساس للحد من الفقر كان النمو الاقتصادي القوي والطويل الأجل، والذي كان له تأثيرٌ مزدوج، أولاً: التأثير المباشر، فالتنمية الاقتصادية خلقت المزيد من فرص العمل والمزيد من الفرص لزيادة الدخول. ثانياً: التأثير غير المباشر، فكلما تطور الاقتصاد وأصبح البلد أقوى، تصبح الحكومة أكثر قدرة على مساعدة المحرومين للخروج من الفقر.

العلاقة بين النمو الاقتصادي ونسبة حالات الفقر

بالمقارنة مع قطاعي الصناعة والخدمات، فإن تنمية قطاع الزراعة هي التي ساهمت بشكل أكبر في الحد من الفقر. أولاً: لأن السكان الفقراء يتركزون في المناطق الريفية. وفقاً لخط الفقر لعام 2010، ففي عام 1978 كان 80% من إجمالي الفقراء يعيشون في المناطق الريفية، لكن تطور الزراعة والاقتصاد الريفي ساعد على زيادة دخل الفلاحين. 

ثانياً: تعتمد معيشة الأسر الفقيرة على الزراعة، وكلّما كانت أسر الفلاحين أكثر فقراً ازداد اعتمادها على الزراعة. في عام 1978، جاء 94,1% من إجمالي دخل الأسرة الريفية من قطاع الزراعة، مقارنة مع 5,5% في عام 2006.
ثالثاً: تم توزيع المُدخلات الزراعية (الأراضي على سبيل المثال) بشكل متساوٍ في الصين، بحيث يمكن للمزارعين الفقراء الذين تعتمد معيشتهم على الزراعة أن يستفيدوا من التنمية الزراعية، حيث ضمن النظام الزراعي الصيني حق المزارعين في الإنتاج بصورة أكثر إنصافاً.

المساعدة الهادفة للقضاء على الفقر

بعد ثلاثة عقود من المساعدات الحكومية على المستوى الإقليمي المحلي، حلت الحكومة الصينية مشكلة الفقر في العديد من المناطق. والجدير بالذكر هنا: أن الفقراء لا يوجدون في المناطق الفقيرة فقط، وإنما يعيش بعضهم في المناطق غير الفقيرة أيضاً، وكان إخراجهم من الفقر أصعب. حيث كان لا بدّ من تقديم المساعدة الهادفة لهم بشكلٍ مباشر، والمساعدة الهادفة تعني تقديم المساعدة إلى الأسرة أو الشخص الفقير مباشرة. وتشمل الإجراءات الرئيسة تحديد وتسجيل الفقراء، وتحليل أسباب فقرهم، ثم تقديم المساعدة لهم. والهدف هو رفع دخل الأسر الفقيرة المسجلة فوق خط الفقر نهائياً، وضمان حصولها على الغذاء والملبس والسكن الآمن وعلى التعليم الإلزامي والرعاية الأساسية.
وتركز زيادة دخل الفقراء على مساعدتهم على تنمية الزراعة المميزة وبطريقة التوظيف والتمويل. فبالنسبة للمناطق النائية والمناطق ذات البيئة الإيكولوجية الهشة والكوارث الطبيعية المتكررة، تم نقل سكانها إلى مناطق أكثر ملاءمة. وهدفت الخطة الخمسية الثالثة عشرة لنقل عشرة ملايين فقير إلى المناطق الأكثر ملائمة.
وتشمل تدابير الدعم التعليمي تخفيض الرسوم الدراسية والرسوم الأخرى أو الإعفاء منها، وتقديم الإعانات المالية للأطفال من مختلف الأعمار. فبالنسبة للأسر التي يوجد بها شخص مصاب بأمراض خطيرة أو مزمنة، فإن تدابير المساعدة الصحية مصممة لتخفيض تكلفة الرعاية الطبية وزيادة جزء التعويض لها، وتغطية التأمين ضد الأمراض الخطيرة. وبالنسبة للأسر التي ليس لديها مساكن أو تهدمت مساكنها، فإن التدابير تهدف إلى ترميم المساكن. أما بالنسبة للأسرة الفقيرة التي لا يمكن لأفرادها العمل، يتم تطبيق الحد الأدنى من تدابير التأمين الاجتماعي.
ومنذ تنفيذ المساعدة الهادفة للفقراء في عام 2014، شهدت أعمال مكافحة الفقر تقدماً ملموساً. فبين عام 2014 وعام 2017، تم تخليص 13 مليون شخص من الفقر سنوياً.

«العمل معاً» لكسب المعركة الحاسمة ضد الفقر

الهدف الرئيس للصين، هو ضمان حل مشكلة الفقر لجميع السكان الفقراء بحلول عام 2020، وضمان حصولهم على الغذاء والملبس والسكن الآمن والحصول على التعليم الإلزامي والرعاية الأساسية. 

أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة مؤخراً الخطوط الإرشادية حول إجراءات القضاء على الفقر في الأعوام الثلاثة القادمة. وتحدد هذه الوثيقة أنه سيتم تخليص أكثر من ثلاثين مليون فرد من الفقر في غضون ثلاث سنوات. حيث يعيش هؤلاء الفقراء اليوم في المناطق الأكثر حرماناً، ويعانون من حالات خاصة لم تتم معالجتها سابقاً. وذلك من خلال: تثبيت الدخل الزراعي الأساسي، ومن خلال الاستفادة من سياسة الحد من الفقر وواسطة التأمين؛ ثانياً: خلق المزيد من وظائف الخدمة العامة لزيادة دخل الأسر القادرة على العمل؛ ثالثاً: تعزيز التدريب المهني بهدف تشجيع المزيد من الأيدي العاملة على إيجاد فرص عمل في مكان آخر، هذا على المدى القصير.
أما على المدى الطويل، تفكر الصين بزيادة قدرة رأس المال البشري ودفع التعليم على عدة مستويات، بما فيها إمكانية أن تقوم الحكومة بدفع تحويلات نقدية مباشرة ومشروطة لتشجيع الأسر الفقيرة على تلقي الخدمة العامة في مجال التعليم والصحة

معلومات إضافية

العدد رقم:
920
آخر تعديل على الإثنين, 08 تموز/يوليو 2019 14:47