_
(الكيان الصهيوني) لن يبقى
ليلى نصر ليلى نصر

(الكيان الصهيوني) لن يبقى

لا يمكن فصل نشأة الكيان الصهيوني، عن مرحلة الأزمة الاقتصادية العالمية ثلاثينيات القرن الماضي، المرحلة التي شهدت صعود التيارات الفاشية في المراكز الرأسمالية، والتي أُلحقت بالجنون العالمي في الحرب العالمية الثانية. إنّ «إسرائيل» هي إحدى (ابتكارات) أزمة الرأسمالية العالمية عندما تحتد وتترافق مع تطرف قوى رأس المال المالي الأكثر رجعية، كما الحركة الصهيونية العالمية...

ولكن، إذا ما كانت النشأة قد أتت بسياق النشاط الفاشي العالمي، فإن الزوال أيضاً سيأتي مع خمود هذا النشاط وإطفائه.

ظهر «الكيان الصهيوني» كقوّة فاشيّة جديدة عقب الحرب العالمية الثانية لتخدم مصالح المركز الرأسمالي بمهمّة محددة: توتير الأوضاع في منطقة (الشرق الأوسط)، منطقة المصالح الحيوية، وإدامة الصراع... ومع التغيّر في ميزان القوى العالمي بعد الحرب، ونشوة النصر التي امتدت لعقود في المركز الإمبريالي العالمي الجديد، أي: الولايات المتحدة، انتقلت عملية رعاية الكيان من لندن إلى واشنطن، وانتقلت «إسرائيل» لتصبح القوة العسكرية الأهم في المنطقة. ومع ذروة مرحلة التراجع الثوري العالمي، و(الميل نحو السلام) والتطبيع لدى (أنظمة الشرق الأوسط) منذ السبعينات، فإن المركز الغربي أخذ يحاول أن يُغيّر صورة (إسرائيل)، في المنطقة تحديداً، ليغطي طابع الثكنة العسكرية العدوانية، ويضع بالمقابل صورة الدولة الغربية الديمقراطية، التي يمكن لشعوبنا أن (تفصل جيشها عن قاطنيها، أولئك الذين يحبون الحمص والفلافل...)!
وقد كانت تلك المرحلة التي تمسك بها الغرب والولايات المتحدة تحديداً، بدور الوسيط الراعي، وبحل الدولتين، ولكن شكلياً. حيث استمرت دولة الكيان، وبحماية دولية، بممارسة دورها الوظيفي كاحتلال... واستمرت شعوب المنطقة ومقاومتها، بمقاومته، مانعة الأنظمة من التمادي المرغوب في ميلها التطبيعي.

ما بعد عام 2000
(إسرائيل) ضمن الفوضى الخلاقة

ولكن، السمت العام: أن الكيان الصهيوني بعد عام 2000، أصبح مضطراً لحساب الحرب ألف مرة قبل الإقدام عليها، ليس فقط خوفاً من هزيمته المباشرة، عسكرياً وسياسياً، بل لأن الراعي الأمريكي لديه مشروع أعمق في المنطقة، يتطلب دوراً محدداً (لإسرائيل).

فالولايات المتحدة التي كان مشروع الفوضى الخلاقة يتبلور لديها، لم تكن معنية بتصعيد عسكري تخسر فيه (إسرائيل)، وتنتصر فيه المقاومة في جنوب لبنان أو غزة. لأن هذا يعقد الهدف الأمريكي بتحويل سَمت الصراع في المنطقة إلى التناقضات الثنائية، التي كان الصراع المذهبي السني- الشيعي، أهم عناوينها. (فإسرائيل) كمعتدٍ تهزمه قوى مقاومة منتصرة ومتعددة المذاهب، هي مسألة تتناقض تماماً مع هدف تأليب الصراع الديني في المنطقة، لذلك كان مطلوباً (تضييق الدور الإسرائيلي)، باتجاه الوصول للتطبيع معه.
واضطر الغرب، أن يكتفي باستخدام الكيان عسكرياً مرتين أساسيتين، في 2006، وفي 2009، ليحاول إنهاء سلاح المقاومة في لبنان، وإنهاء المقاومة المسلحة في غزة. وفي الحالتين فشل عسكرياً وسياسياً وعاد خطوات للوراء... واضطر للتركيز على التصعيد ضمن الأراضي المحتلة، بأدوات أساسية: تقسيم الصف الفلسطيني، وقطع التواصل الشعبي، عبر خنق فلسطينيّ غزة بالحصار، ومحاصرتهم في الضفة، بالتنسيق الأمني والرواتب والمساعدات العربية الآتية عِبر الكيان وعِبر السلطة، وعِبر الهجوم والاغتيال الممنهج لنواة القوى الفلسطينية الجديدة التي تبشر بالبدائل السياسية. لقد كان يحاول الوصول إلى وضع أمر واقع، لا يسمح حتى لحل الدولتين بالولادة.
ولكنه، وإن نجح إلى حد بعيد في التحكم بأداء الفضاء السياسي الفلسطيني القديم، إلّا أنه لم ينجح أبداً في إطفاء الشعلة المتقدة في كفاح الشعب الفلسطينيّ، الذي لم يتوقف طوال الوقت عن إيقاد الساحة الفلسطينية، وفرض أمر واقع، بإثبات أنه رقم صعب، وأن التجويع والحصار لا يدخل في قاموس إرضاخه... ليبقى المقاوم المسلح، والشهيد هو رمزه المقدَّس الحي دائماً.

مرحلة ما بعد 2019
(إسرائيل) دون أفق الفوضى

اليوم، ننتقل إلى مرحلة جديدة، في استخدام الكيان أمريكياً، ينسبها البعض للإدارة الأمريكية الحالية، أو لترامب، باعتباره صهيونياً أكثر من غيره... ولكن بالطبع المسألة ليست هنا، بل ترتبط بمصير مشروع الفوضى الخلاقة في المنطقة ككل، وتدفعنا إلى توسيع إطار التحليل.
إن المركز الإمبريالي في الولايات المتحدة، يتلمّس أن مشروع الفوضى الخلاقة، في منطقة (الشرق الأوسط) المعتمد على التناقضات المذهبية بالدرجة الأولى، والهادف إلى تفتيت الدول، كل الدول... قد وصل إلى نهاياته، ولم يعد قابلاً للاستخدام المتجدد، مع تغير ميزان القوى الدولي.
فبالعمق، شكَّل الدخول الروسي عسكرياً ودبلوماسياً إلى المنطقة، منعطفاً سدّ الأفق المستدام لمشروع الفوضى:
فأولاً: تمت هزيمة داعش، أي: تم بتر أداة الاستخدام الفاشي، والذراع الضارب المتطرف المولّد للفوضى، والمفتّت للدول، أما ثانياً: وهو الأهم، إن ردة الفعل الدولية والإقليمية على مشروع الفوضى الخلاقة ولّدت أفقاً لمستقبل المنطقة، بل ساهمت برسم أفق للعلاقات الدولية الجديدة، وهو المتمثل وضوحاً بالتفاهمات: الروسية- التركية- الإيرانية. فتركيا وإيران (المذهبيتان) تلتقيان سياسياً على مشروع حماية المنطقة من الجنون الأمريكي، الذي حاول أن يطال الأتراك، ويحاول أن يطال الإيرانيين منذ عقود. فإذا ما كان الهدف الأمريكي هو إشعال المنطقة، فإن تفتيت تركيا وإيران، وبل والسعودية ومصر، هي الأهداف الكبرى ذات الوزن المؤثر، وانتقال طرفين أساسيين منها إلى التحالف والتفاهم، والوصول لتسويات تخدم الاستقرار، هو سدّ يقف في وجه مشروع توالد الفوضى واستمرارها.
وثالثاً: يأتي الدور الدبلوماسي الروسي، الذي يسعى ليكون الراعي الأساسي لأزمات المنطقة، والأهم: الأزمة السورية، والقضية الفلسطينية. مع ما يتطلبه هذا من جمع التناقضات، والتواصل مع كل الأطراف.
وكل ما سبق كان ضرورياً للعودة إلى الاستخدام الأمريكي للكيان الصهيوني، وسلوك ترامب الحالي... والمرحلة الجديدة. فالأفق المسدود لمشروع الفوضى الخلاقة، يتطلب أن يقدم الأمريكيون للكيان كل ما يستطيعون، وأن يفتحوا بالمقابل أفق استخدام وحشيته وتطرفه لإدامة الفوضى في المنطقة.

السعي للصفقة قبل فوات الأوان

الأمريكيون يَجمعون اليوم، وقدر الإمكان، المكاسب التي حصّلوها في المنطقة خلال المراحل السابقة، محاولين عقد صفقة سريعة (صفقة القرن)، قبل أن تأخذ التغيرات الدولية أثرها أكثر، وتُضعف قدرة الأمريكيين على عقد الصفقات، وإلزام الأطراف بالموافقة عليها. فاليوم لا يزال الأمريكيون قادرين على فرض تسوية على الخليجيين، أو حتى على السلطة الفلسطينية، ليحاولوا تحصيل أفضل ما يمكن (لإسرائيل)... قبل المغادرة.
ومن هنا يأتي الاعتراف بالقدس عاصمة، ونقل السفارة إليها، ويأتي أيضاً الاعتراف (بالسيادة) على الجولان، وقد يأتي أيضاً ضم الضفة وغيره.
ولكن أيضاً لا بدَّ من ملاحظة دلالات تأخير الإعلان عن مضامين صفقة القرن، نتيجة للتعقيدات التي تواجه الأمريكيين، فهم حتى غير قادرين على إلزام السعودية والسلطة الفلسطينية، على الموافقة على كل ما يطلبونه. وهم نتيجة أزمتهم، واستعجالهم، يرفعون السقوف، ويطلبون ما لا قدرة لهذه الأنظمة والبنى السياسية على فعله. لأنّ أحداً من أنظمة المنطقة، لم يعد يأمن كرسيّه أو رأسه في موجة التغيرات الحاصلة.
ومن هنا لا يتبقى للأمريكيين إلّا العودة للتطرف (الإسرائيلي)، فإذا لم تكن الولايات المتحدة قادرة على تأمين أفضل وضع سياسي للكيان، لا بدَّ من استخدامه المباشر في الفوضى والحرب، إقليمياً. ولكن ثمن هذا قد يكون غالياً جداً، بل ثمنه سيكون الكيان بحد ذاته: عسكرياً وسياسياً بل وسكانياً، فربما لا يبقى في الكيان، من يرغب بالدفاع عنه في حرب كبيرة، هذا من ناحية. أمّا من ناحية أخرى: فإن إيقاد حرب إقليمية لم يعد مسألة أمريكية فقط، بل هو خاضع لتوازنات القوى الدولية، حيث إن حرباً من هذا النوع، هي انخراط مباشر للأطراف الدولية في ظل الردع النووي، الذي يلجم إيقاد الحروب الكبرى.

أزمات الكيان الصهيوني مركبة

إن الكيان الصهيوني، مأزوم، أزمات مركبة:
أولاً: الأزمة الناجمة، عن أزمة راعيه الأمريكي وتراجعه الدولي. الأمر الذي يجعل الوجود والنشأة المشوّهة والدور الوظيفي للكيان، المرتبط عضوياً بالمدد الدولي، أمراً دون أفق.
والأزمة الناجمة عن الأفق الذي يُفتح في المنطقة: فحلفاؤه المعلنون والمبطنون ضمن أنظمة المنطقة في أزمة، وغير قادرين على التمادي في تقديم الخدمات، كما هو الحال مع الأنظمة الخليجية وحتى مع السلطة الفلسطينية.
واستقراره المعتمد على شرذمة المنطقة وتفتيت دولها، يواجه تفاهمات دولية وإقليمية تجمع التناقضات وترسم التسويات وتضع هدف الحفاظ على الدول وتطبيق القانون الدولي، كما هو الحال في الدور الروسي والتفاهمات مع الإيرانيين والأتراك.
ولدى الكيان الأزمة العميقة، المتمثلة بقدرة الشعب الفلسطيني على الخلق عبر الشهادة، الروح الكفاحية التي ستولد القوى السياسية الضرورية التي ترفع الأداء السياسي الفلسطيني إلى مستوى الكفاح الشعبي. والروح التي تشحذ شعوب المنطقة، وتجعل الموقف من الكيان واحداً من المحددات التي تحسبها الأنظمة المتعفنة، حفاظاً على رأسها من الغضب الشعبي الذي يتربص بكل الفضاء السياسي القديم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
909
آخر تعديل على الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2019 12:39