_
الجولان و«صفقة القرن»
سعد صائب سعد صائب

الجولان و«صفقة القرن»

نعتقد أن الرسم الأولي البسيط لـ «صفقة القرن»، كان مبنياً على تعميق صراع ذي حامل طائفي شكلي (سني- شيعي) في مجمل منطقتنا، يسمح بتسعير الصراعات ضمن العراق وسورية من جهة، ويسمح من جهة أخرى بإزاحة الكيان الصهيوني تدريجياً من رأس قائمة الأعداء في حسابات شعوب المنطقة، ويسمح تالياً برفع درجة التطبيع الخليجي وغير الخليجي من باب العداء لإيران وصولاً إلى حالة يجري فيها استيلاد تحالف معلن بين الخليج والكيان الصهيوني وتركيا في وجه روسيا وإيران وسورية والعراق، وفي وجه شعوب المنطقة قاطبة.

ظهور ثلاثي أستانا، وتعمق التوافقات ضمنه وصولاً إلى نقطة اللاعودة، أجبر الأمريكيين على إجراء تعديلات عديدة ومتتالية على الرسم الأولي؛ فمع خفوت إمكانية الاستمرار بالتعويل على صراع طائفي يعم المنطقة، جرى دفع الصراع القومي إلى الواجهة عبر القضية الكردية، ولا يزال العمل جارياً بهذا الاتجاه، ولا يزال يحمل مخاطر، ولكنه مع ذلك ليس كافياً لأنه لم يتمكن حتى اللحظة من تفجير الأمور واحتمالات قدرته على تفجيرها لاحقاً لا تزال موضع شك كبير من واشنطن.
إنّ ما تعرفه واشنطن وتفهمه جيداً، هو أنّ العمل على الفوالق الثانوية والثنائيات الوهمية كأدوات لإشعال الصراعات، هو أمر شديد الدقة ولا يمكن استخدامه بطريقة غير منظمة؛ ما نقصده هنا هو أنّ الاستثمار في أحد الفوالق يتطلب بالضرورة تحييد الفوالق الأخرى مؤقتاً، والمثال السوري بل وحتى العراقي يؤكّدان ذلك: فالبدء دائماً كان مع الفالق الطائفي، وحين انغلاق الأفق أمامه وتراجع إمكانية الاستثمار فيه، يجري دفع تناقض ثانوي جديد، التناقض القومي؛ ومن الواضح أنّ تشغيل أكثر من تناقض ثانوي في وقت واحد من شأنه تدمير هذه التناقضات جميعها، وتدمير إمكانية الاستثمار فيها، لأنّ خلط الأوراق القومية والدينية والطائفية والعشائرية من شأنه تعظيم نقاط التقاطع والاشتراك بين شعوب المنطقة؛ فمن يختلف عن الآخر في الطائفة يلتقي معه في القومية، ومن يختلف بالاثنتين يلتقي مع الآخر بالعشيرة أو بالدين أو اللغة وإلخ... حتى أن محاولة استخدام كل الأوراق معاً من شأنه أن يوصل (الأنا) و(الآخر) إلى إدراك سريع أنه ليس هنالك (أنا) و(آخر) بالمعنى العميق، بل هنالك شعوب تتقاطع فيما بينها بأضعاف مضاعفة عما يمكن أن تختلف حوله.
إلى جانب الفكرة المتعلقة بـ «ضرورة تنظيم لعب أوراق التناقضات الثانوية»، ينبغي دائماً «من وجهة نظر الأمريكي» تحييد التناقضات الحقيقية، لأنّ إبراز هذه التناقضات هو الرعب بعينه بالنسبة للأمريكي، وعلى رأس هذه التناقضات تناقض مصالح شعوب المنطقة بأسرها مع الكيان الصهيوني، إلى ذلك الحد الذي تهون معه كل التناقضات الثانوية ويصبح من البدهي بمكان بالنسبة للجميع، أن يضع جانباً كل تلك التناقضات ويتحد ملتفتاً صوب العدو الأساسي. التفاتة من هذا النوع لها معانيها العميقة جداً، عميقة إلى ذلك الحد الذي لا يمكن لأي نظام كان أن يستفيد منها، فرفع الجاهزية الحقيقية لمواجهة العدو تتطلب حرباً عالية التنظيم ضد الفساد الكبير وضد التبعية الاقتصادية وضد مناورات تجار الحروب من تحت الطاولة، وبالذات ضد استناد هؤلاء إلى معركة مؤجلة دائماً مع الصهيوني.
كما أنّ التفاتة من هذا النوع من شأنها تحطيم «دعاة الديمقراطية الزائفين» الذين يسمحون لأنفسهم بالاستناد إلى الأمريكي بالذات وطلب تدخله و«مساعدته» والانبطاح على عتباته، للتصدي لجور وظلم الأنظمة.
وبكلمة واحدة، إنّ وضع الصراع الأساسي على السكة، إبرازه والعمل عليه، يعني: توحيد شعوب المنطقة، المنهوبة من أنظمتها ومن الغرب، ضد الصهيوني وضد الفاسدين الكبار المحليين وضد المنافقين باسم الحرية. وإنه لتحالف مرعب حقاً تحالف الشعوب! ولذلك لا غرابة في تأخير الولايات المتحدة وقوفها العلني الحاسم والنهائي مع الكيان الصهيوني ضد مصالح كل شعوب المنطقة وضد القرارات الدولية وضد المجتمع الدولي بأسره، مع أن هذا كان موقفها طوال الوقت، لكنه لم يكن يوماً بهذه الحدة والوقاحة التي وصلها مع نقل السفارة ومن ثم مع القرار حول الجولان...
وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من تفسير... وفي هذا الإطار يمكننا قول بضعة أفكار أساسية:
الأفق العام أمام استمرار العمل على التناقضات الثانوية قد بدأ بالانغلاق بشكل نهائي، ولذا لم يعد من محيد عن ظهور الصراع الأساسي.
تظن الولايات المتحدة أنّ استمرار الصراعات الثانوية لسنوات طويلة متتالية، مع ما خلفته من دمار ودماء وأحقاد وتهتُّك في بنية المجتمعات، من شأنه إبقاء الانقسامات الثانوية قائمة حتى مع ظهور الصراع الأساسي، ومن شأنه بشكل أوضح تشجيع العملاء والمطبعين على الاصطفاف علناً في صف الصهيوني. لا شك أنّ شيئاً من ذلك يمكن أن يتحقق، ولكن بشكل جزئي جداً وهامشي جداً؛ إذ إنّ حجم الظلم التاريخي والمعاناة التاريخية التي شهدتها شعوب المنطقة على يد الصهيوني، وعلى يد الأمريكي والغربي، لا يمكن محوها ببساطة. إلى جانب ذلك فإنّ الشعوب التي دفعت دماء منتقلة من صراع ثانوي إلى صراع ثانوي، قد تعلمت بدمائها أن هذه الصراعات ثانوية وأن لا مصلحة لها بها، بل من مصلحتها أن تتعامل مع هذه التباينات القومية والدينية والطائفية وغيرها بوصفها عوامل غِنى وتوحيد لا عوامل تفرقة... يعزز من ذلك ارتفاع وعي الشعوب بآليات وأشكال المتاجرة بمشاعرها من الأطراف المختلفة، سواء تلك التي تعلن موقفاً معادياً للغرب ولكن تمارس عكسه، أو تلك التي تمارس التباكي اليومي على الحريات والحقوق ذريعة للوقوف في معسكر الغربي.
إلى جانب ذلك كله، فإنّ التراجع العام الأمريكي، يعني مجازاً انخفاض مخزون ذخيرتها التخريبية تجاه المنطقة، وحين تنخفض الذخيرة في قلب المعركة لا بدَّ من اللجوء إلى التحصينات الأكثر متانة وتركيز النيران على عدد أقل من الأهداف؛ هذا بالضبط ما تفعله الولايات المتحدة بتمركزها على الكيان الصهيوني، قاعدتها الأساسية في المنطقة.
بكلام آخر، يمكن الافتراض أن القرار الأمريكي حول الجولان، وصفقة القرن بشكل عام، هي إعلان أمريكي يتضمن نقاطاً أساسية هي التالية:
لم يعد مجدياً تمثيل دور الوسيط والراعي في صراعات المنطقة، ولذا فها نحن نعلن أنفسنا عدواً مبيناً للجميع.
رغم أننا أعداء الجميع، لكن يمكن أن نفكر بتقديم الحماية لمن يخضع لنا بشكل نهائي وينقلب ضد إخوته بشكل نهائي أيضاً.
لن نسمح لروسيا وللصين، ولترويكا أستانا بالدرجة التالية، من أخذ المنطقة باتجاه الاستقرار، وسنبقي احتمال مواجهة كبرى عصا مشهرة فوق رؤوس الجميع.

إنّ من حكمة التاريخ، رغم كل العبث والتخريب الأمريكي، أنّ كل خطوة جديدة تتخذها القوة المتراجعة تحمل أثراً مزدوجاً أكيداً: زيادة تراجعها وانقسامها وتشتتها من جهة، وزيادة تقارب وتوحد أعدائها من جهة أخرى، ما يعني كنتيجة: مزيداً من تراجع وتقهقر القوة المتراجعة، وسواء شاء عملاء الغرب وسدنته ضمن الأنظمة وضمن معارضاتها، فإنّ وضع الصراع مع الصهيوني على السكة، وعلى طاولة الفعل التاريخي، إنما هو بداية ومفتاح لوضع كل مندرجات الصراع الأساسي على الطاولة، وبداية ومفتاح لتقريب شعوب المنطقة وتوحيدها...

معلومات إضافية

العدد رقم:
907