_
وداعاً لأسطورة «أمريكا الديمقراطية»!
أحمد علي أحمد علي

وداعاً لأسطورة «أمريكا الديمقراطية»!

تبدو «هيستيريا» ترامب للبعض، بأنها داءٌ خُلقي وشخصي، رغم أن حقيقة الأمر توضّح بأن عنجهية ترامب وأسلوبه غير المنمق، هي مزايا مطلوبة وضرورية في المرحلة التي تعيشها أمريكا اليوم، والتي تتطلب قدْراً قليلاً من الديمقراطية مترافقاً مع مستوى عالٍ من التمادي والجنون، يقدمه لنا «الكاركتر» ترامب ببراعة عالية ليس لها مثيل، وكونها فريدة من نوعها، فربما لن نرى غيرها في قادم أيام أمريكا!

لم يعد خافياً على أحد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حالة الطوارئ؛ الإعلان الذي جاء تحت ذريعة بناء جدار المكسيك، والذي سبقه تصريح مفاده أنّ «أمريكا لن تكون أبداً بلداً اشتراكياً». القاسم المشترك بين هذين الأمرين هو: ارتباطهما المباشر بالتطورات في الداخل الأمريكي، والأزمة الداخلية العميقة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، وبالأخص على وقع الأزمة الاقتصادية، تلك الأزمة التي تولّد عملياً حالة من الانقسام الكبير ضمن النخب الأمريكية الحاكمة من جهة، وحاجة إلى مستوى عالٍ من القمع في المجتمع الأمريكي من جهة أخرى.
«تناقض حاد»
مستوى الضغوطات الداخلية هذه، ألقت ظلالها على الخطاب والسلوك الأمريكي، وفتحت الباب واسعاً لصراع حاد بين المجتمع الأمريكي والمنظومة الحاكمة؛ صراع سيشمل جميع الجوانب، وسيصطدم أولاً بالشعار الأمريكي العريض الذي لطالما رفعته أمريكا في وجه شعبها والعالم، بكونها «بلدَ الديمقراطية».
ينبغي التوضيح بدايةً: أن شعار «أمريكا بلدَ الديمقراطية»، وُلد في مرحلة محددة، وهي مرحلة المنافسة بين النموذجين الرأسمالي والاشتراكي... ليكون تسويقاً «لديمقراطية الغرب» باعتبارها نقيض «الشمولية السوفييتية». تلك «الديمقراطية» التي كشفت عن وجهها مع تطور واحتدام أزمة رأس المال العالمي.
«ديمقراطية طارئة»
تشكل الفترة ما بين أربعينات وحتى ستينات القرن الماضي، نقطة مرجعية في التعاطي مع هذا الشعار، وهي الفترة التي كانت النخب الأمريكية قادرة أن تعطي وتقدّم للمجتمع الأمريكي دفعات للأمام، اقتصادياً واجتماعياً وبالتالي سياسياً. مستفيدةً بذلك من مكاسب الحرب العالمية الثانية، ومن عمليات النهب الخارجي عبر منظومة الهيمنة الأمريكية العالمية.. أنتجت هذه المرحلة حالة استثنائية تسمح للنخب الأمريكية الحاكمة بأن تعطي هامشاً واسعاً من الديمقراطية في المجتمع الأمريكي، وذلك لما تشكله حالة التقدم الطارئة والموجودة في المجتمع من ضمان لهذه النخب بأنه لن يتحرّك ضدّها في هذه اللحظة.
وحصلت بعد تلك الفترة عدة انعطافات- ليست طارئة أبداً- عن السياق الوارد سابقاً، وهذا يمكّننا من الحديث عن ثلاث مراحل في التعاطي مع هذا الشعار من حيث خضوعه لمتغيرات الواقع، وشكل تجليه في أمريكا والعالم:
«الحرب الداخلية: طور أول»..
المرحلة الأولى؛ حالة حرب داخلية بين المنظومة الأمريكية والمجتمع الأمريكي، وارتسمت ملامحها منذ بداية سبعينات القرن الماضي بالتزامن مع انتهاء أثر (عقد النمو الذهبي في الغرب- الخمسينات) وبداية تراجع النمو والأزمة الاقتصادية، والتي كانت السبب الرئيس لفتح النخب الصراع مع الداخل الأمريكي، وبِدْء التراجع الديمقراطي، الذي نجد تعبيراته في إطلاق نيكسون خلال توليه الرئاسة بين 1969- 1974 ما أسماه حرباً شاملة لفرض «النظام والقانون» ضد «العدو الأول للولايات المتحدة: المخدرات»، وما تلا ذلك من إعلان عن قانون الطوارئ نفسه في العام 1976، لتبدأ بعدها أعداد السجون والمساجين تتزايد باطراد في الولايات المتحدة...
«الحرب في الخارج»
في المرحلة الثانية، والتي يمكن رصدها منذ بداية تسعينيات القرن نفسه، وذلك عندما أصبحت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي القوة المنفردة والمسيطرة عالمياً. جرى في هذه المرحلة تحوّل قامت من خلاله أمريكا بنقل إحداثيات الحرب إلى الخارج، عبر سلسلة من الحروب سرعان ما أوضحت زِيف الديمقراطية الأمريكية للعالم أجمع..
وجرى هذا التحولّ بالتزامن مع الاستمرار في تسويق الكلام الكاذب نفسه للمجتمع الأمريكي: «نحن نحارب الإرهاب- نحن شرطي العالم– نحن ننشر السلام والديمقراطية عبر العالم».
«الحرب الداخلية: طور ثانٍ»..
نعتقد اليوم، أننا على أبواب مرحلة ثالثة، لم تعد فيها حالات استثنائية تسمح بهامش ديمقراطية ما، كما في الفترة التي سبقت سبعينات القرن الماضي، ولم تعد فيها أكاذيب المنظومة الأمريكية تمر على المجتمع الأمريكي، وتجدي في تأريضه.
وذلك لأن المنظومة الأمريكية لم تعد قادرة على تقديم أية «رشوة» للشعب الأمريكي. الأمر الذي يعني عملياً دخول أمريكا في طور جديد من الصراع الداخلي، مع احتدام مستوى ضغوط النخبة على المجتمع. فأبواب الربح الخارجي لم تعد مشرّعة لنخبة الولايات المتحدة، في عالم بدأت تظهر فيه قوى جديدة منافسة عسكرياً وتكنولوجياً وحتى مالياً، وتجعل الدخل الخارجي لنخبة الولايات المتحدة أقل، وكلفة الدفاع عنه أعلى...
«صراع حاد وقمع بالضرورة»
كون أن هذا الدخول الجديد في الحرب الداخلية يعني فيما يعنيه الاستجابة لضرورات الإنفاق العسكري والحكومي عموماً، ضمن اقتصاد يقبع على أبواب صدمة مالية كبيرة، فهذا يعني أنّ التناقضات الأمريكية الداخلية وصلت لنقطة حرجة سيتعمّق عندها انقسام النخبة الأمريكية، وستعمّق الانقسام ضمن المجتمع الأمريكي، والأهم من ذلك: أنها ستزيد عداءه للنخبة.
وعليه؛ فإن مستقبل السلوك الأمريكي في مواجهة النخبة للأزمة، ولردود أفعال المجتمع، ليس ديمقراطياً أبداً، بل أشدّ ديكتاتوريةً بالضرورة!

معلومات إضافية

العدد رقم:
903