_
الحكومة.. مواعظ «أخلاقية» وسياسات معاكسة

الحكومة.. مواعظ «أخلاقية» وسياسات معاكسة

تتالى في الفترة الأخيرة إصدار وطرح مجموعة من القوانين والمراسيم والإجراءات الرسمية التي يلاحظ بأنها تتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بإحداث تغييرات في جملة من العمليات الاجتماعية في سورية، مع تركيز واضح على المجالات التعليمية والتربوية والثقافية، وما يرتبط بها مباشرةً من العمليات الاقتصادية وبالتالي السياسية العامة، والتي من المعروف جيداً ارتباطها الوثيق وانعكاسها على تطوّر أو تخلّف المجتمع– والدولة– عبر التأثير المباشر بحياة عصبه الأساسي المحرّك، أي: جيل الشباب.

سياسات التربية والتعليم
نبدأ من أحدثها، إذ تقرّر مؤخّراً إلزام طلاب الجامعات الحكومية بنسبة 80% من حضور المحاضرات النظرية وإلّا سيتعرّضون للحرمان من الامتحان. ويمكن بسهولة استنتاج السلسلة السلبية من تبعات ذلك، أقلها التضييع البيروقراطي لوقت العملية التعليمية على التفقّد، مروراً بزيادة التكاليف والأعباء على الأغلبية الساحقة من الطلاب، وهم من الفقراء، وصولاً إلى أنه بمثابة قرار غير مباشر بـ «طرد» كثير منهم من الجامعة، نظراً لفرض المستحيل عليهم: الاختيار بين الدوام والعمل لتحصيل لقمة العيش. وبالتالي فرز طبقي جديد واحتكار التعليم العالي لطبقة ضيقة من المقتدرين والأثرياء، وعملياً مزيد من التخلّف بما يعاكس تماماً ما يتمّ الوعظ به من أنّ هدف هكذا إجراءات هو تطوير التعليم والمجتمع، ومحاربة التخلّف.
وما ينفي صفة «العشوائية» أو «الفردية» في قرارات من هذا النوع، هو الملاحظة البسيطة لتكاملها مع بعضها كمكونات لسياسة واحدة. فمثلاً الضغط الذي يشكله قرار «الطرد الجماعي» للكتلة الطلابية الفقيرة، المذكور أعلاه، يتكامل مع فتح منفذ الخصخصة الذي بمثابة «فلتر مَعصرة» تؤمِّنه قرارات أخرى مثل ذلك الذي يقضي بتحويل الطلاب المستنفدين أو المفصولين من نظام التعليم العام إلى نظام التعليم الموازي، وتسديد الرسوم السنوية بناءً على ذلك، إذا أرادوا متابعة تعليمهم في الجامعة الحكومية للعام 2018 – 2019. هذا فضلاً عمَّا ينتظر حتى الطلاب الواصلين إلى آخر خط سباق هذا «الاصطفاء الطبيعي»، حيث ما زالت مشكلات «الامتحان الوطني» للتخرج، تتكرّر في كلّ دورة، فيما يتعلق بكثرة الأسئلة الخاطئة وغير المنطقية أو عدم وضوح المَراجع والمناهج.
ويتعزز تكامل سياسات «عسّروا ولا تيسّروا» في محطّات أخرى من مسيرة «درب الآلام» التعليمية هذه، حتّى في المرحلة قبل الجامعية، فأحدث تعليمات وزارة التربية للقيد والقبول في الصف الأول الثانوي للمدارس الثانوية الرسمية العامة والمهنية للعام الدراسي 2018 – 2019، عاقبتْ جزءاً من الطلاب الحاصلين على شهادة التعليم الأساسي لدورة عام 2018، بعدم قبولهم في الصف الأول الثانوي العام (العلمي أو الأدبي) رغم حصولهم على درجات القبول المطلوبة فيه، وذلك بذريعة كبر السن؛ فكل من هو من مواليد 2001 وما دون، ومهما كانت الدرجات التي حصل عليها، ومهما كانت ظروفه السابقة والحالية، فالخيار الوحيد الذي أتاحته الوزارة أمامه هو التسجيل في الصف الأول الثانوي المهني حصراً، أو سيضطر لترك الدراسة. علماً بأنّ معظم هؤلاء المحرومين قد انتزعوا شهادات تعليمهم الأساسي من فم الحرب والإرهاب والتهجير والفقر، وناضلوا وصمدوا مع أهاليهم لإكمال تعليمهم تحت حصار «داعش»، فهل هكذا يكافَؤون؟!
حتى الطالب «السوبرمان» الذي يستطيع اجتياز كلّ المحطات وسلسلة العراقيل ويتخرّج من الجامعة ويرغب بإكمال مسيرته الأكاديمية للتسجيل في درجة الدكتوراه، يواجهه القرار الوزاري رقم 384 تاريخ 2018 الذي يشترط «أن يكون الطالب متفرغاً خلال السنة الأولى من تاريخ صدور قرار مجلس الجامعة بتسجيله»، وأن يبرز «وثيقة غير عامل بالنسبة إلى غير العاملين» أو يحصل على «إجازة خاصة بلا راتب، أو إجازة دراسية، أو قرار إيفاد، بالنسبة إلى العاملين في الدولة لمدة عام على الأقل». إذاً، هي محطة جديدة للفرز الطبقي واحتكار العلم لشريحة ضيقة وتجهيل وتسقيف الطموحات العلمية الوطنية السامية للجيل الشاب من عامّة الشعب. وبالطبع هنا تسقط مبرّرات المدافعين عن القرار بأنه «ضمان للالتزام والتفرغ الجيد للدراسة على مستوى هكذا شهادة عالية»، لأنه حقيقةٌ من حيث يعتمد هذا الوعظ «الأخلاقي» للتبرير، يعاني هو نفسه من أزمة أخلاقية بحكم التناقض الصارخ بين الهدف المعلَن من جهة (وهو الحاجة الماسّة لبناء كفاءات وطنية علمية عالية لبناء مستقبل البلد المقبل على الخروج من دمار الحرب إلى إعادة الإعمار)، وبين استنكاف الجهات المسؤولة عن تبنّي وتمويل وتفريغ حتّى هذا العدد القليل والثمين من الكفاءات العلمية العالية، والذي حتّى بالمنطق الربحي الرأسمالي يعتبر الاستثمار فيهم مربحاً تماماً على مستوى وطن! لكن ربّما ليس على مستوى الأفق الضيق لفسادٍ كبير.
جديد الاتصالات والإنترنت
وفي ما تبدو بأنها إجراءات بالتوازي والتكامل مع السياسات الأخرى، كانت الشركة السورية للاتصالات قد نشرت على صفحتها الرسمية في «فيسبوك» بياناً حول التوجُّه لتحويل خدمة الإنترنت ADSL من الاستهلاك المفتوح، إلى نظام الباقات المحدودة، ورجّح لاحقاً مصدر في الشركة العمل على بدء تطبيقه مطلع العام 2019، وكان وزير الاتصالات والتقانة في حزيران الماضي (وبعد تصريح الشركة وعلى إثر الجدال والاستياء الشعبي) قد أوضح أن الوزارة ستطبق سياسة جديدة تضمن الاستخدام «العادل» لخدمات الإنترنت من قبل جميع المشتركين. وتبرر شركة الاتصالات السياسة المزمع تطبيقها بأنها «متبعة في الكثير من دول العالم، وأنه نظام سيزيد من فعالية الخدمة وسرعتها، وذلك في ظل البطء الشديد الذي تعاني منه خدمة الإنترنت في سورية».
يستنتج من هذه التصريحات بأنّه لا توجد مشكلات تقنية جدّية تمنع من تسريع وتوسيع الإنترنت في سورية، بل تكمن المشكلة لدى «قروش» الفساد الكبير، سعياً إلى استغلال أكبر لذوي الدخل المحدود، الذي قد يصل إلى حدّ حرمانهم حتى من «محو الأمية الرقمية»، التي باتت عالمياً من الحدود الحضارية الدنيا. وغنيٌّ عن الذكر النتائج السلبية المتوقَّعة من ذلك ليس فقط على مجمل العمليات التعليمية التي يزداد اعتمادها يومياً على الإنترنت وخاصة التعليم العالي، بل وحتى على مجال العمليات الاقتصادية والاجتماعية العادية اليومية، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق ببلدٍ في وضع أزمة وحرب استثنائية تسقط فيها حتى تبريرات المقارنة بالظروف «الطبيعية» للدول المستقرة، لأن من المفروض أن تتّبع فيها سياسات استثنائية تخفف المعاناة وتطور بناء القدرات الوطنية تحضيراً للخروج من الأزمة، عبر المعالجة الشاملة المتكاملة اقتصادياً وثقافياً لتجفيف مسبباتها وتربتها، وليس لاستمرارها أو إعادة انفجارها في مراحل لاحقة.